بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

بينما يتواصل خنق الفلسطينيين

طابا تفتح ذراعيها للصهاينة الهاربين من القصف الايراني

في الثامن والعشرين من فبراير 2026، شنّت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضرباتهما على إيران، فأُغلق مجال الكيان الجوي . في غضون أيام، وجدت جموع المستوطنين العالقين في الخارج طريقها إلى الأراضي المحتلة من مطار طابا المصري عبر سيناء. كشف تتبّع لحركة الطيران أجراه موقع “عربي بوست” عن تحوّل مدينة طابا إلى ممرّ جوي وبري رئيسي لعودة هؤلاء، إذ رصد الموقع نشاطاً جوياً لأربع شركات طيران إسرائيلية وأجنبية تتحرك وفق خطة إجلاء منظّمة. وفي الوقت ذاته، أكّدت السفارة الأمريكية في الأراضي المحتلة أن معبر طابا البري مفتوح على مدار الساعة، وأن بإمكان المسافرين الحصول على تأشيرة دخول عند الوصول مقابل ثلاثين دولاراً فحسب، تُتيح لهم دخول سيناء والركوب على رحلات مغادِرة من شرم الشيخ. يصل المستوطنون جواً إلى سيناء ثم ينتقلون براً إلى الأراضي المحتلة، في ظل نظام يتيح لحاملي الجوازات الإسرائيلية دخول سيناء بلا تأشيرة مسبقة لمدة تصل إلى أربعة عشر يوماً. هذا التطبيع العملي لحركة المستوطنين عبر الأرض المصرية، الجاري في خضم حرب إبادة موثّقة، يكشف عن معادلة صريحة: الدولة المصرية تُسهّل لوجستيات الاحتلال في حين يُقتل الفلسطيني خلف حدودها. وقد سعت وزارة المواصلات الصهيونية إلى إنشاء جسر جوي منظّم يُتيح إدارة عملية عودة المستوطنين بصورة آمنة وسريعة حتى في ظل استمرار القيود.

منذ مطلع مارس 2026، أُغلق معبر رفح مجدداً بعد عشرة أيام فقط من فتح جزئي شحيح، ليعود غزيون تحت حصار مشدد بينهم مرضى غسيل الكلى الذين تزداد أوضاعهم سوءاً يومياً. تعكس سياسة المعابر ازدواجية صارخة: تنسيق مع الاحتلال في مقابل إحكام القفل في وجه الفلسطينيين، خاصة بعد أن أظهرت التجارب السابقة أن الفتح الجزئي لا يتجاوز خمسين فلسطينياً يومياً، ما يعني حاجة عام كامل لخروج المرضى والجرحى فقط. مع كل اشتعال إقليمي، كالحرب على إيران، يُغلق المعبر لتتشدد الأزمة وتتبدد آمال العائلات، في ظل دمار غير مسبوق وصفته هيومن رايتس ووتش بأنه يجمع تهجيراً قسرياً ومجاعة لجميع سكان القطاع، بإغلاق محكم من سلطات الاحتلال والنظام المصري معاً.

خلال فترات الفتح الجزئي لمعبر رفح، أتاحت مصر العبور فقط عبر شركة “هلا للاستشارات” المرتبطة برجل الأعمال إبراهيم العرجاني، والتي حددت أسعاراً باهظة تضاعفت 14 ضعفاً منذ بداية الحرب لتبلغ 5000 دولار للبالغ و2500 للطفل. وبحسب كشوف اطلعت عليها “القدس العربي”، دخل أكثر من 37 ألف فلسطيني عبر تنسيق الشركة التي حصدت حوالي 185 مليون دولار، بينما تشير تقارير أخرى إلى أن أرباحها الموثّقة بين فبراير وأبريل 2024 بلغت 197 مليون دولار، في عملية وصفتها تقارير بأنها ابتزاز تسبب مع العدوان في خروج نحو 600 مليون دولار من أموال القطاع. في المقابل، وبينما كانت المساعدات تتكدس على الجانب المصري ممنوعة من الدخول إلى غزة، كشفت بيانات رسمية إسرائيلية عن تدفق واسع للمنتجات الغذائية المصرية إلى أسواق العدو، تصدرتها مجموعة “فرج الله” و”أجرو جرين” بقيمة 3.8 ملايين دولار خلال يونيو 2025 فقط، في وقت يشتد فيه الجوع على سكان غزة تحت الحصار.

هذا المشهد المركّب يرسم بدقة طبيعة النظام ودوره في منظومة الإبادة: نظام يغلق رفح في وجه مريض غزة، ويفتح طابا للمستوطنين، ويُتيح لشركة محظية احتكار ثمن النجاة من القتل، وبيع الخضار والعصائر لجيش الإبادة. هذا ليس فشلاً في السياسة، بل هو نظام يعمل بدقة تامة كما صُمِّم، تعبير أمين عن بنية الدولة المصرية وطبيعة الطبقة الحاكمة التي تُديرها. نظام ناجح في خدمة من صنعه وأبقاه: الرأسمالية المحلية المرتبطة بالمشروع الإمبريالي الأمريكي الصهيوني في المنطقة. إبراهيم العرجاني الذي يحتكر ثمن الرحيل عن القتل، والشركات التي تُصدّر الخضار إلى جيش الإبادة، والمعابر المفتوحة للمستوطن والموصدة في وجه الفلسطيني، كلها وجوه لمنظومة واحدة متماسكة تعرف مصالحها جيداً وتخدمها باستمرار. حين يدافع النظام عن معاهدة كامب ديفيد، ويُسهّل عودة المستوطنين عبر طابا، ويُطبّع تجارياً مع دولة تمارس الإبادة، فهو يسير في طريقه المرسوم منذ 1979: طريق التبعية للإمبريالية وتأمين أمن الكيان الصهيوني مقابل الحفاظ على السلطة والثروة. ما يعانيه الفلسطيني في غزة ليس هامشاً من هوامش هذه السياسة، بل هو نتيجتها المباشرة والمقصودة.