مسلسل "أصحاب الأرض":
تضامن “رمزي” يخفي التواطؤ “الرسمي”

أنتجت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية مؤخرًا مسلسل “أصحاب الأرض” ، الذي تدور أحداثه حول معاناة الفلسطينيين في أعقاب أحداث 7 أكتوبر 2023 وما تبعها من عدوان على قطاع غزة والضفة الغربية. وقد حظي المسلسل بإشادات واسعة لما يقدمه من تصوير درامي للمأساة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون، حيث نجح أسلوب السرد وبناء الشخصيات في إبراز البعد الإنساني للإبادة الجماعية وتوليد تعاطف واسع مع العمل بوصفه تجربة درامية مؤثرة، لا مجرد إعادة سرد وثائقي للوقائع.
ومع ذلك، فإن هذا التعاطف الدرامي لا يعني أن العمل يخلو من بناء سردية محددة حول القضية الفلسطينية وحرب الإبادة الأخيرة. فحتى حين ينحاز المسلسل عاطفيًا إلى الشعب الفلسطيني ويحتفي بصموده ونضاله، فإنه يتجنب الخوض في الجذور التاريخية والسياسية العميقة للصراع، الأمر الذي يجعل السردية التي يقدمها قاصرة عن طرح تفسير حقيقي للأحداث أو تصور فعلي لإمكانات التعامل معها مكتفية فقد باستدرار التعاطف من المشاهد.
لذا فمن المهم الوقوف عند حدود الخطاب الأيديولوجي الذي يقدمه المسلسل، عبر مقارنته بالواقع الذي يدّعي تمثيله. فالأعمال الدرامية، حتى عندما تنطلق من تعاطف مع معاناة الشعوب، لا تقدم الواقع كما هو، بل تعيد صياغته ضمن إطار سردي يختار ما يبرزه وما يهمشه. ومن ثمّ فإن تحليل المسلسل في ضوء الوقائع التاريخية والسياسية المرتبطة بما جرى قبل وأثناء هجوم 7 أكتوبر 2023 يسمح بكشف المسافة بين الخطاب الذي يقدمه المسلسل والواقع الفعلي.
جذور الصراع
يصور المسلسل الصراع بين أصحاب الأرض ومغتصبيها كما لو كان صراعا أزليا مفارقا للتاريخ، بلا جذور اجتماعية أو سياق تاريخي، وهو ما يحول دون تمكين المشاهد من إدراك أسبابه الفعلية. فبينما يرسخ العمل فكرة العداء لإسرائيل بوصفها الخصم المباشر والسبب الرئيسي لكل ما يعانيه الفلسطينيون، فإنه لا يتوقف عند الأرضية التاريخية التي نشأت عليها هذه العداوة. وبهذا تتحول المأساة الفلسطينية إلى موقف أخلاقي مجرد بين طرفين.
إن فهم موقع إسرائيل في الصراع يقتضي النظر إليها ضمن إطار أوسع من العلاقات الدولية يرتبط بمصالح الولايات المتحدة في المنطقة. فإسرائيل تؤدي دورًا وظيفيا داخل منظومة الهيمنة الغربية، بما يجعلها إحدى أدوات بسط النفوذ في سياق التنافس الإمبريالي على السيطرة في الشرق الأوسط.
وضمن هذا الإطار، الذي يحكمه منطق التراكم الرأسمالي، يتحدد إلى حد كبير الموقف من القضية الفلسطينية؛ إذ تميل قطاعات واسعة من الشعوب حول العالم إلى التعاطف مع الفلسطينيين، بينما تتخذ الطبقات الحاكمة مواقف مختلفة بحكم مصالحها وتحالفاتها داخل النظام الدولي القائم.
يبدأ المسلسل زمنيًا عقب أحداث 7 أكتوبر، غير أن هذه الأحداث لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق الذي سبقها لسنوات. فقد عاش الفلسطينيون في قطاع غزة قبل طوفان الأقصى تحت حصار طويل وظروف قاسية فرضها عليهم الاحتلال الإسرائيلي؛ من بطالة وفقر وتجويع وتدهور حاد في مرافق الكهرباء والمياه وتقييد شديد على حرية الحركة. وقد أسهمت هذه الظروف في تحويل قطاع غزة إلى سجن كبير.
كما شهدت السنوات التي سبقت أحداث أكتوبر موجة متسارعة من التطبيع بين الأنظمة العربية وإسرائيل، وهو عنصر يغيب بالكامل عن سردية المسلسل رغم كونه جزءا من السياق الأوسع للأزمة الفلسطينية.
ففي عام 2020 وقعت كل من الإمارات العربية المتحدة والمغرب اتفاقيات تطبيع مع إسرائيل ضمن ما عرف باسم اتفاقيات أبراهام، بينما تزايدت المؤشرات حول احتمال انضمام السعودية إلى مسار مشابه. كما سبق ذلك قرار دونالد ترامب خلال ولايته الرئاسية الأولى الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
شكلت هذه التطورات مجتمعة السياق السياسي الذي سبق أحداث 7 أكتوبر، وأسهم في تشكيل البيئة الإقليمية التي جرت فيها.
استبدال الفعل الجماهيري بتعاطف رمزي آمن
خلال تناوله للمأساة الفلسطينية تجاهل المسلسل إظهار التضامن الشعبي العالمي مع القضية الفلسطينية، وهو غياب لا يبدو بريئًا حيث يؤدي إلى حجب جانب أساسي من الواقع. فمن خلال هذا التجاهل يخفي العمل تساؤلات حول مواقف الطبقات الحاكمة وطبيعتها ودور الجماهير. كما يعيد سرد الصراع بطريقة مريحة للطبقات الحاكمة، تقتصر على إبراز المعاناة الإنسانية، دون أن تمتد إلى إظهار أشكال الفعل الشعبي ومساءلة البنية السياسية التي أنتجت هذا الواقع.
واكتفى العمل بعرض أشكال آمنة من التعبير الرمزي عن الغضب والتعاطف، فاقتصر تمثيل التضامن الشعبي على نماذج فردية محدودة، مثل الطبيبة المتطوعة لعلاج المرضى في قطاع غزة داخل مستشفى الوديان، إضافة إلى دور الهلال الأحمر المصري في نقل المساعدات الإنسانية، أو سائق شاحنة المساعدات المصري الذي يشتم المستوطنين الإسرائيليين بالكلاكس!
وقد شهدت الفترة التي أعقبت 7 أكتوبر 2023 مظاهرات واحتجاجات أكثر جذرية ضد حرب الإبادة، والتي احتوت في بعض الأحيان على ممارسات معارضة للنظام القائم، من الهتاف ضده إلى اقتحام أحد المظاهرات لميدان التحرير في القاهرة، مثلًا، ما دفع النظام إلى قمع هذه الاحتجاجات وإلقاء القبض على المشاركين فيها.
ومن جهة أخرى، برزت مبادرات شعبية مثل ما عرف إعلاميًا بأسطول الصمود المصري الذي سعى المتطوعون فيه إلى تقديم الدعم لرفع الحصار عن قطاع غزة، الأمر الذي كان من شأنه في أقل تقدير إحراج الاحتلال أمام الرأي العام العالمي، وقد أبدى المشاركون استعدادهم لتقديم الوثائق اللازمة للتنسيق مع مؤسسات الدولة، إلا أن المشروع لم يسمح له بالتحرك ولم يعطى الموافقات المطلوبة، إلا أن خوف النظام من أن يهدده أي حراك شعبي كان هو العنصر الحاسم.
هذا ما يفسر غياب هذه الأشكال من التضامن عن السرد الدرامي باعتباره تجنبًا لإبراز أي حراك تنظيمي من أسفل قد يظهر تناقضات أعمق في بنية السلطة السياسية، ويطرح التساؤلات حول الدور الرجعي الذي تقوم به الأنظمة العربية في المنطقة.
كما لم يتطرق المسلسل إلى البعد الدولي المرتبط بالقضية، مثل الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية متهمة إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية ضد الفلسطينيين، وهو حدث كان من شأنه أن يضع الموقف الفلسطيني داخل إطار النقاشات السياسية العالمية، إلا أن تجاهله أسهم في إبقاء السردية داخل حدودها المحلية والإنسانية الضيقة.
وفيما يتعلق بتحولات الرأي العام العالمي تجاه القضية الفلسطينية، يقدم المسلسل نموذجا يتمثل في شخصية الصحفية الأمريكية «كلير» التي تصل إلى غزة لتغطية الأحداث. والتي تصطدم بعصبية الأبطال التي تضعهم الأحداث في ظروف ضاغطة، ما يعزز الصورة النمطية التي كانت تتبناها «كلير» عن الفلسطينين كبرابرة غاضبين لا يقبلون المساعدة، وهو ما يتبدل تدريجيًا بعد تعرضهًا لمشاهد الدمار والقمع الذي مارسته عليها قوات الاحتلال أثناء تفتيشها، بهدف دفعها لتقديم سردية الاحتلال للإعلام، لتتحول رؤيتها إلى التعاطف مع الفلسطينيين كشعب يعاني.
الأمر ذاته نراه من جديد، تتأثر كلير بما رأته ويتغير موقفها من القضية الفلسطينية إلا أنها لا تلعب دورًا أبعد من أن تكون صحفية مهنية تنقل الحقيقة بصدق وتأثر، وهكذا يتم تصوير التضامن مع الشعب الفلسطيني داخل إطار رمزي آمن لا يمنح التضامن مع القضية الفلسطينية بعدًا سياسيًا فعليًا أو فاعلية تتجاوز التعاطف الفردي.
ولا يتعرض المسلسل هنا للتحولات التي شهدها الواقع الدولي، حيث تصاعدت موجات الاحتجاج الشعبي المؤيدة للفلسطينيين في عدد من الدول الغربية عقب الأحداث. كان منها أسطول الصمود العالمي الذي أبحر في محاولة لفض الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، كما وشهدت كل من المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال وهولندا وبلجيكا وأيرلندا حراكًا احتجاجيًا واسعًا. وامتدت موجة الاحتجاج إلى المؤسسات الأكاديمية في الولايات المتحدة، حيث شهدت العديد من الجامعات حركات اعتصام وتظاهرات شارك فيها طلاب وأعضاء من هيئات التدريس، رافعين مطالبات بوقف الإبادة الجماعية في قطاع غزة وسحب استثمارات الجامعات من الكيان المحتل.
وفي المقابل، واجهت هذه الاحتجاجات ردود فعل أمنية وسياسية من جانب بعض السلطات الغربية، تمثلت في تفريق الاعتصامات واعتقال عدد من المشاركين، وإن كان مستوى القمع في السياق الغربي أقل حدة مقارنة بما شهدته بعض الدول العربية، حيث اتخذت الإجراءات الأمنية أشكالا أكثر صرامة في مواجهة الاحتجاجات السياسية المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
التعتيم على دور الشعوب
في نهاية المسلسل ينجح الأبطال بعد مشقة كبير في عبور معبر رفح لعلاج الأطفال الصغار، وطبعًا لم يتحدث المسلسل عن شركة «هلا» للسياحة المملوكة للعرجاني والتي كانت تتقاضى مبالغ مالية من أجل تنسيق الخروج من المعبر وصلت إلى 5000 دولار للبالغ و2500 دولار لمن هم دون ال 16 عام بحسب تحقيقات إعلامية، الأمر الذي برره العرجاني بأن شركته تقدم خدمة سفر فاخرة اختيارية للفلسطينيين.
وينتهي المسلسل بنص مكتوب يرافق مشاهد تهجير الفلسطينيين، يشير إلى مؤتمر دولي في شرم الشيخ عقد بدعوة من عبد الفتاح السيسي ودونالد ترامب بهدف وقف الحرب في غزة، مع الإشارة إلى دور قطر كوسيط بين الأطراف. ووفق هذه السردية ينجح الوسطاء في التوصل إلى وقف لإطلاق النار وبدء عمليات تبادل للأسرى بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، وهو ما يفضي داخل المسلسل إلى الإفراج عن ابنة البطل من سجون الاحتلال، لتنتهي بذلك—ولو مؤقتًا—مأساة الشخصيات الرئيسية التي يتابعها العمل.
إلا أن هذه السردية تدفعنا للتساؤل، لماذا لعبت الأنظمة الحاكمة هذا الدور في الضغط على إسرائيل ووقف الحرب الآن؟ ولماذا لم تقم بهذا من بداية الحرب وانتظرت سنتين كان الشعب الفلسطيني يباد فيهما؟ لماذا تحول موقف ترامب ورؤساء الدول الغربية بشأن القضية الفلسطينية؟
والإجابة التي لم يتعرض لها المسلسل هي أن تزايد ضغط الذي ولده الحراك العالمي الداعم لفلسطين هو ما دفع نحو هذا المسار، إذ أن الاحتجاجات لم تتوقف عن مستوى التعبير عن رفض الإبادة التي قام بها الاحتلال بل تطورت إلى حراك واسع من الرفض الغاضب وجد تعبيره في حركة احتلال الجامعات الأمريكية السابق ذكرها والحشد الهائل المناهض للإبادة الجماعية في الدول الأوروبية وأسطول الصمود العالمي، وبلغ ذروته تعبيره في الإضراب العام الإيطالي تضامنًا مع فلسطين والذي يعد أول إضراب عام ذو بعد سياسي أممي في التاريخ الحديث، والذي شارك فيه أكثر من مليون شخص ونظمه أكبر نقابتين في إيطاليا واللتين يمثلان 5.5 مليون عامل.
ترافق ذلك مع وطرح مشروع التهجير القسري للفلسطينيين إلى مصر والأدرن وجنون إسرائيلي وصل إلى حد قصف قطر لاغتيال مفاوضي حماس، الأمران الذي كان من شأنهما أن يربكا حسابات الدول العربية الموالية لأمريكا في المنطقة، ما دفع ترامب للتنازل عن اقتراحه بتهجير الفلسطينيين وإلزام نتنياهو على الإعتذار هاتفيا لإسرائيل الأمر الذي تبعه توقيع ترامب لأمر رئاسي يؤكد أن أي هجوم على قطر سيعتبر تهديدًا للسلام والأمن القومي للولايات المتحدة. أثناء ذلك كانت هناك أيضا حركة دولية رافضة لجرائم الاحتلال ضد غزة في عدة دول في أمريكا اللاتينية شملت بوليفيا وتشيلي وكولومبيا والبرازيل والهندوراس.
في النهاية، لا تكمن مشكلة المسلسل في ما يقوله فقط، بل في ما يتعمد عدم قوله. فبينما ينجح العمل في إثارة التعاطف مع المأساة الفلسطينية، فإنه يفصلها عن شروطها السياسية والتاريخية. وبهذا المعنى لا يكتفي المسلسل بإخفاء جذور الصراع وبنية القوى التي تنتجه، بل يساهم أيضا في إعادة إنتاج سردية مريحة للنظام، وتضعه في موضع البريء لا المتواطئ، وتبقي المشاهد في موقع المتعاطف لا الفاعل، فيتحول الغضب الممكن إلى شفقة آمنة، إذ يسمح للمأساة بأن ترى وتبكي، لكن دون فتح الطريق لمساءلة الواقع الذي صنعها.





