ضحايا خفية وآثار مستدامة
المخاطر البيئية للعدوان على إيران
في وقت كتابة هذه المقالة، تشن الولايات المتحدة الأمريكية، ومعها “الكيان الصهيوني”، حربًا شرسة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية بهدف إخضاعها وإدخالها في دائرة النفوذ الأمريكي. وقد استهدفت الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية عددًا من مصافي النفط داخل إيران، الأمر الذي أدى إلى انبعاث كميات هائلة من الملوثات المرتبطة بالصناعات البترولية، والتي سيعاني من آثارها المدمرة أجيال من الإيرانيين.
ولطالما ارتبطت الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في العالم العربي والشرق الأوسط بآثار بيئية مدمّرة طالت الهواء والماء والتربة. فخلال حرب الخليج الأولى عام 1991، ثم أثناء غزو العراق عام 2003، تعرضت العديد من مصافي النفط وخزاناته للتدمير، ما أدى إلى تلوث هائل في الهواء وفي البيئة البحرية للخليج العربي. كما أسهم الغزو البري للعراق في تجريف مساحات شاسعة من الأراضي وتحويلها إلى تربة رملية هشة، الأمر الذي ساعد على زيادة انتشار العواصف الرملية والغبارية في المنطقة.
وهكذا يتضح أن التلوث البيئي لم يرتبط بالصناعة الرأسمالية وحدها، بل ارتبط أيضًا بحروبها وآثارها التدميرية. في هذا التقرير نستعرض أنواع الملوثات الناتجة عن الصناعات البترولية، وتأثيراتها المحتملة على البيئة وصحة الإنسان.
الملوثات الناتجة عن الصناعات البترولية
تلوث الصناعات البترولية الهواء عبر نوعين رئيسيين من الملوثات. النوع الأول هو الجسيمات العالقة في الهواء (الأيروسولات). ويتراوح حجم هذه الجسيمات عادة بين نحو 2.5 ميكرومتر، مثل الجسيمات الدقيقة الناتجة عن احتراق الوقود ومخلفات المصانع، وبين نحو 10 ميكرومتر، مثل ذرات الغبار والرمال العالقة في الهواء. أما النوع الثاني فهو الغازات الملوِّثة الناتجة عن العمليات الصناعية واحتراق الوقود، مثل أول أكسيد الكربون، وثاني أكسيد الكبريت، وأكاسيد النيتروجين، وغيرها من الغازات السامة التي تؤثر سلبًا في جودة الهواء وصحة الإنسان.
وأسهم التقدم التكنولوجي في العقود الأخيرة في الحد من هذه الانبعاثات إلى حدٍّ كبير، من خلال تطوير تقنيات التنقية والاحتراق النظيف وتحسين كفاءة المصانع. إلا أن الحروب غالبًا ما تقوّض هذه الجهود؛ إذ يتم قصف المنشآت الصناعية والبنى التحتية بشكل ممنهج، الأمر الذي يؤدي إلى إطلاق كميات ضخمة من الملوثات في البيئة، ويجعل السكان المدنيين عرضه مباشرة لمخاطرها الصحية.
فعندما تُقصف مصافي النفط أو المنشآت البترولية، تندلع حرائق ضخمة قد تستمر أيامًا أو حتى أسابيع، نظرًا لصعوبة السيطرة عليها. وخلال هذه الفترة تنبعث الملوثات إلى الغلاف الجوي بشكل متواصل على مدار الساعة، مما يؤدي إلى انتشار واسع النطاق للمواد السامة في الهواء.
السحب السوداء والأمطار الملوثة
في الحرب الجارية، أدى قصف المنشآت النفطية إلى تشكل سحابة سوداء كثيفة فوق مناطق واسعة، مكوّنة من خليط معقد من المركبات الكيميائية السامة والغازات الحمضية، وقد امتد تأثيرها إلى مساحات واسعة من العاصمة الإيرانية طهران ومحيطها.
ومن النتائج المباشرة لهذه الانبعاثات ما يُعرف بـ الأمطار السوداء. ففي أواخر فصل الشتاء، ومع هطول الأمطار في مناطق مختلفة من إيران، تختلط قطرات المطر بتركيبة معقدة من الجسيمات والغازات الملوثة الموجودة في الغلاف الجوي. ومن أبرز هذه الملوثات جسيمات الكربون السوداء المعقدة، المعروفة بالسخام، وهي ناتج رئيسي لاحتراق المواد البترولية.
التأثيرات قصيرة وطويلة المدى
الجسيمات العالقة في الهواء، أو ما يُعرف بـ الأيروسولات، لها تأثير مباشر في الصحة العامة، ولا سيما على الجهاز التنفسي. ويُعدّ مرضى الربو والأمراض التنفسية المزمنة من أكثر الفئات عرضةً لمخاطر هذه الجسيمات على المدى القصير. وتزداد خطورة الأيروسولات كلما صغر حجمها، إذ تصبح أكثر قدرة على التغلغل عميقًا داخل الجهاز التنفسي والوصول إلى الشعب الهوائية الدقيقة والحويصلات الرئوية.
ولا يقتصر خطر هذه الملوثات على آثارها الفورية فحسب، بل إن كثيرًا من الجسيمات العالقة يحمل مركبات كيميائية مسرطِنة قد تؤدي، مع التعرض الطويل الأمد، إلى زيادة احتمالات الإصابة بأمراض خطيرة، من بينها بعض أنواع السرطان.
غير أن التأثير البيئي الأوسع يظهر عند هطول الأمطار؛ فالمطر يعمل من جهة على تنقية الهواء من الملوثات عبر إسقاطها من الغلاف الجوي، لكنه في المقابل يؤدي إلى تركيز الأيروسولات والمركبات الحمضية في الأنهار والمياه الجوفية والتربة الزراعية. وبهذه الطريقة تنتقل الملوثات من الهواء إلى الأنظمة البيئية الأرضية والمائية، مسببة أضرارًا طويلة الأمد قد تطال النباتات والحيوانات والإنسان على حد سواء.





