بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

في سابقة فريدة:

تقرير أممي: التعذيب تحول إلى “عقيدة دولة” وأداة لإبادة الشعب الفلسطيني

على مدار عقود، بحّت حناجر الملايين في حركات التضامن الأممية واليسار العالمي وهي تؤكد حقيقة بسيطة، التعذيب الصهيوني للفلسطينيين ليس «تجاوزاً فردياً»، وتدمير سبل الحياة ليس «أضراراً جانبية»، بل هي أدوات هيكلية لمنظومة احتلال تتسم بالإستعمار الإستيطاني. اليوم، تأتي المقررة الأممية الخاصة، فرانشيسكا ألبانيز، في تقريرها الجديد المُقدّم للدورة 61 لمجلس حقوق الإنسان، لتُفرغ هذه الهتافات في قالب قانوني دولي، واضعةً النقاط على الحروف تحت عنوان دقيق لا مواربة فيه.. «التعذيب والإبادة».

لطالما وصفت حركات التضامن غزة بأنها أكبر غرفة تعذيب وسجن مفتوح في العالم، وهو ما ترجمه التقرير الأممي المكون من 24 صفحة عبر نحت مصطلحات قانونية تتطابق مع الرؤية الميدانية. فقد تجاوز التقرير التعريف الضيق للتعذيب بوصفه «أداة لانتزاع المعلومات في غرف التحقيق»، ليعترف بوجود سياسة هندسة لـ «بيئة تعذيبية» تمارس «التعذيب الجماعي» عبر الزمان والمكان.

ويوثّق التقرير كيف تحول التجويع المقصود، والتدمير الممنهج للقطاع الصحي الذي أطلقت عليه ألبانيز «الإبادة الطبية»، إلى أدوات «تعذيب مجتمعي» مصممة لكسر الصمود والكرامة وتفكيك المقاومة الجسدية والنفسية للشعب الفلسطيني. ورغم أن هذا التوصيف هو جوهر ما تشرحه الأدبيات المناهضة للصهيونية منذ سنوات، إلا أن تبنيه في وثيقة أممية رسمية يمثل ضربة قاصمة لسرديات «الدفاع عن النفس» و«الأخطاء العسكرية» التي تروجها العواصم الغربية.

والأهمية الاستثنائية للتقرير تكمن في الجسر القانوني الذي يبنيه بين التعذيب المنهجي وبين «النية الخاصة للإبادة». إذ يوضح أن السجون الصهيونية لم تعد مجرد مراكز اعتقال ذات ظروف رديئة، بل انحدرت منذ 2023 لتصبح «مختبراً للقسوة المحسوبة».

ويؤكد التقرير أن ممارسة التعذيب الهيكلي هي سمة أساسية لـ «نظام الفصل العنصري الاستعماري الاستيطاني»، وأن إلحاق الأذى الجسدي والنفسي بالفلسطينيين ليس عملاً عشوائياً، بل خطوة وظيفية مدروسة نحو الهدف النهائي المُعلن من قِبل وزراء الحكومة الصهيونية حين يتحدثون بكل صراحة عن الإزالة القسرية للفلسطينيين وضم الأراضي المحتلة لاستكمال «نكبة جديدة».

قد يبدو للمنخرطين في حركة التضامن مع فلسطين أن التقرير لا يكشف سراً جديداً، فالأجساد المنهكة والأطراف المبتورة تروي القصة يومياً على الهواء مباشرة. لكن في عالم محكوم بهيمنة الإمبريالية الغربية التي تتستر خلف لغة القانون الدولي والمؤسسات لشرعنة تدفق السلاح، تصبح وثيقة مثل هذه أداة كفاحية لا غنى عنها.

التقرير لم يكتشف الجريمة، لكنه يُسقط أحد أهم أوراق التوت القانونية عن الدول المتواطئة و«صناعة الأمن العالمية» التي مكّنت هذا النظام من الاستمرار. إنه إقرار دولي، متأخر ولكنه جوهري، بأن ما يجري هو «عقيدة دولة» تدمج التمييز والفصل العنصري بالتعذيب لإنتاج الإبادة الجماعية لشعب كامل، وأن كل من يسلّح جيش الاحتلال اليوم هو شريك فعلي في غرفة التعذيب الكبرى الممتدة من زنازين «سدي تيمان» إلى خيام النازحين.