بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

دراما رمضان بين “رأس الأفعى” ورأس السلطة

وجه الرئيس السيسي في عدة مناسبات انتقادات حادة لبعض الأعمال الدرامية المعروضة في مصر، معتبرًا أن بعضها لا يقدم قيمة إيجابية للمجتمع، واصفًا هذه الأعمال بأنها تحتوي على محتوى “غث وهزل” ولا تعكس الواقع المصري بشكل صحيح.

من جهة أخرى، منذ عام 2014 حتى الآن، لم تعد الدراما الرمضانية في مصر مجرد موسم فني تتنافس فيه شركات الإنتاج على جذب الجمهور، بل تحولت تدريجيًا إلى ساحة تخضع لإعادة هندسة ممنهجة من قبل الدولة. عبر مؤسسات إعلامية مرتبطة مباشرة بجهات سيادية، مثل شركة المتحدة للإنتاج الفني التابعة لجهاز المخابرات المصرية، أعيد رسم خريطة الإنتاج والتوزيع بحيث أصبحت هذه الجهات تتحكم بجوانب الأعمال الرمضانية كافة، بدءًا من مواد العرض ومحتواها، وصولًا إلى أجور المشاركين “بأوامر في أوقات كثيرة”.

وكانت النتيجة أن تحولت هذه الأعمال إلى مجرد امتداد للرؤية الرسمية للدولة عن المجتمع، لا إلى مرآة متعددة لأصوات هذا المجتمع. ولم يكتفِ النظام بالبروباجندا في شكلها الدرامي فحسب، بل امتد الأمر إلى التغطية الصحفية الدعائية للمسلسلات. فقد كشف تقرير لموقع “متصدقش” عن نموذج لتكامل لافت بين الإنتاج الدرامي والتغطية الصحفية، بحيث لم يقتصر الأمر على عرض المسلسل، بل امتد إلى إعادة إنتاج رسائله السياسية في سياق إخباري يومي. وشملت التوجيهات طبيعة المعالجة التحريرية المطلوبة، وصياغة العناوين والمفردات المستخدمة، والصور، مع التشديد على نشر أخبار مستقلة عن كل حلقة فور عرضها، ضمن قالب “شبه موحد”.

خلال هذه السنوات، اختفت أي مساحة للعرض الحر للأفكار أو القضايا، بل حتى مساحات النقد الاجتماعي—ناهيك عن النقد السياسي الجريء. وفي المقابل، تصاعدت دراما “الكومباوندات” وصولًا إلى دراما تمجيد مؤسسات الدولة بصورة فجّة، مع تبني صريح لسردياتها. وهكذا تحولت الدراما الرمضانية من مساحة للتنوع والتجريب الفني إلى أداة تغييب في يد الدولة، تمرر من خلالها سردياتها السياسية في مواجهة “قوى الشر”، كما وصفها الرئيس في عدة مناسبات.

السلطة والدراما الرمضانية
منذ عام 2013، بدأت الدراما المصرية تتبنى خطابًا أمنيًا مباشرًا وصريحًا، حيث لم يعد البطل الشعبي “بطلاً” بالمعنى التقليدي. فبعض الأعمال الدرامية ما قبل الجمهورية الجديدة كانت تقدم تيمة البطل الفاعل في مجتمعه، القادر على إصلاحه، بينما أصبحت شخصية البطل الشعبي حاليًا مشبوهة أو متمردة، لا يمكن الوثوق بها إلا إذا اندمجت في أجهزة الدولة. أحد أبرز الأمثلة على ذلك سلسلة مسلسلات “الاختيار”، وفي هذا الموسم مسلسل “رأس الأفعى”، التي لا تكتفي بتقديم رواية أحادية عن الصراع السياسي، بل تعمل على ترسيخ فكرة أنّ أي بطل شعبي حقيقي هو الذي ينتمي إلى الدولة، بينما أي محاولة مستقلة للبطولة خارج إطار السلطة تُعد تهديدًا للاستقرار وبثًا للفوضى. يؤدي ذلك إلى إعادة هندسة السردية الثقافية، فالنقد لا يتعلق فقط بالجوانب الفنية أو الكتابة الضعيفة للشخصيات.

هذه الاستراتيجية لم تكن صدفة، بل جزء من محاولة الدولة المستميتة لفرض السيطرة الدائمة على المخيلة الشعبية، والتحكم في الرموز الثقافية التي تحرك وجدان الجماهير. وهي بذلك تُطبّق ما يمكن تسميته بالهيمنة “الجرامشيّة” عبر القوة الناعمة لأجهزة الدولة. ونتيجة لذلك، تحول البطل الشعبي في الدراما المصرية من رمز للنضال الاجتماعي إلى نموذج للعنف المبرر، متغيرًا عن تيمة “البطل الشعبي” التقليدية.

لم يعد البطل شخصية اجتماعية ذات حس بالعدالة، تعبّر عن آمال الفقراء والمهمشين، بل أصبح فردًا يسعى إلى تحقيق مصلحته الشخصية بأي وسيلة ممكنة. فمثلاً، أصبح العنف أداة أساسية لتحقيق العدالة أو للانتقام، وهو عنصر مركزي في بناء شخصية البطل، بينما كان يُستخدم في الأفلام القديمة استثنائيًا كرد فعل على الظلم.

تعتمد استراتيجية الدولة على توظيف الحكاية الدرامية لخدمة خطاب الشرعية. ففي الأعمال التي تتناول مواجهة الإرهاب أو تسترجع لحظات صدام الدولة مع “خصومها”، تُقدّم الأحداث باعتبارها سردية غير قابلة للنقاش، تُعيد ترتيب الذاكرة الجمعية وتوثّق مسارًا بطوليًا لإنقاذ الوطن. ومن ثم، تصبح أي محاولة لنقد هذه السردية أو التشكيك فيها مساوية للتشكيك في الوطنية نفسها، ويصبح من ينتقدها في خانة الخائن أو العدو للوطن.

البروباجندا التي تقدمها الدولة عن نفسها لا تقتصر على الخطاب الصريح للمواطن لتمرير سردية الدولة، بل تشمل أيضًا إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن. فهذه العلاقة تتحول من علاقة مساءلة ومحاسبة إلى علاقة ديكتاتورية، مرهونة بالامتنان والثقة غير المشروطة، قائمة على احتقار الشعب والتعامل معه كتابع لا يملك سوى الاصطفاف خلف القيادة دون تفكير أو مساءلة، سواء في سياق الحرب على الإرهاب والمخططات التي لا تنتهي، أو في أي قرار أو تشريع لا يمس الأمن القومي مثل القبض على الطبيب النقابي محمد أسامة. وبهذه الطريقة، يُعاد صياغة الوعي العام بما يخدم سردية هذا النظام وشرعيته.

كيف تنتج الدولة عدوها لتستمر؟
ليست كل الشرعيات قائمة على وعود بإصلاحات اجتماعية أو على عقد اجتماعي يوازن الحقوق والواجبات بين مؤسسات الدولة والمواطنين. فعبر العصور، شاهدنا أنظمة تستمد شرعيتها من تغذية الخوف في صدور الناس، وتقوم على فكرة “الحماية من الكارثة”، وهي الشرعية التي يُطلبها “رأس الدولة” في صورة تفويض من الشعب. وفي سياق الجمهورية الجديدة، أصبحت هذه الشرعية بمثابة لحظة تأسيسية للجمهورية نفسها.

على سبيل المثال، إذا كانت تجربة الرئيس جمال عبد الناصر—التي أشاد بها الرئيس الحالي في مناسبات مختلفة بعبارة “عبد الناصر كان محظوظًا بإعلامه”—قد بنت شرعيتها على مشروع اجتماعي ما، بغض النظر عن تقييمه، فإن شرعية الدولة اليوم تقوم على معادلة مختلفة، فالدولة لا تُقاس بقدرتها على التحول الاجتماعي أو تحقيق التنمية، بل بقدرتها على منع الانهيار وتفكك الدولة.

فنجد كثيرًا ما تتكرر في الإعلام الرسمي للنظام عبارات تشير إلى أن الوضع القائم من فقر وبؤس وفساد وانحياز طبقي وديكتاتورية أفضل من أن نكون مثل دول عربية أخرى، “مثل سوريا أو العراق أو غزة حاليًا”. وتُستخدم هذه الدول كفزاعة دائمة في وسائل الإعلام الرسمية والصحف الحكومية، وحتى في خطابات رئيس الدولة، وصولًا إلى الأعمال الدرامية، حيث يتم تصدير الفوضى والإرهاب ككابوس دائم تُستمد منه السلطة شرعيتها. وهكذا يتحول “الاستقرار” إلى أيديولوجيا دائمة، وليس مجرد نتيجة لسياسة معينة.

في هذا السياق، يتحول نهج الدولة من شيطنة فصيل سياسي محدد إلى تجريم السياسة عمومًا، ويتحول العدو من إرهابي محدد إلى أي فصيل سياسي مهما كانت أفكاره.

بنية الخوف كعقد اجتماعي بديل
تساهم هذه البروباجندا في تعميق حالة الخوف المهيمنة على المجتمع منذ عام 2014، حيث لم تعد “أعداء الوطن” مقتصرة على جماعة الإخوان المسلمين أو الإسلام السياسي، ولا حتى على النشطاء السياسيين من كافة التيارات. بعد مرور أكثر من عقد على الثورة المضادة وتوطيد سيادة الجمهورية الجديدة، أصبح الخوف ليس مجرد أثر جانبي للقمع، بل بنيته الداخلية؛ أي طريقة الحكم نفسها من خلال سردية ترى كل مواطن عدوًا محتملاً، تُعيد إنتاج الولاء والشرعية عبر الخوف لا عبر الرضا.

لم تعد الحقوق والواجبات ذات قيمة، لأن العقد الاجتماعي لم يعد قائمًا بالأساس. ما يهم فقط هو الموقع الذي يشغله الفرد في هرمية السلطة. فمن يسكت ينجو (أحيانًأ)، ومن يسأل يُعاقب، ومن يخرج عن النص يُمحى من المشهد تدريجيًا، دون أن يُسجل اختفاؤه في الأوراق الرسمية، ولا يُعرف مكان احتجازه. وهكذا أصبح العقد الاجتماعي بين النظام والشعب مبنيًا على الخوف والرعب، بلا أي معايير واضحة تحدد كيفية زج الناس في السجون أو إخضاعهم للاختفاء القسري.

وبذلك، يتحول المواطن إلى مجرد مستهلك للنجاة. لم يعد يسعى للعدالة، ولا يطالب الدولة بفرض سيادة القانون، بل يطلب فقط الحماية والستر. لم يعد يسأل عن التوزيع العادل للثروة، بل عن حصته الفردية من الأمان. والخوف لم يعد بحاجة إلى عنف دائم، بل يكفي التلويح به؛ يكفي أن يعرف الجميع أن الاعتقال قد يحدث بلا سبب، وأن مصير من يختفي لا يسأل عنه أحد، وأن القانون مرن بما يكفي ليصبح كل شيء جريمة محتملة.

المثقف التقليدي والمثقف العضوي
لفت انتباهنا أثناء عرض المسلسل تعامل بعض الناس من ” المثقفين ” مع المسلسل باعتباره مجرد عمل فني عن طريق انتقاد بعض الزوايا الفنية بداخله، لكننا نواجه هنا سؤالًا أعمق من مجرد فشل إخراجي أو ضعف أداء تمثيلي: ما هو دور المثقف في لحظات الصراع؟

الثقافة ليست حيادية. فالفن والدراما جزء من البنية الفوقية التي تخدم إعادة إنتاج علاقات القوة داخل المجتمع. الأعمال التي تتناول الإرهاب والهوية الوطنية تعمل بشكل مباشر على تثبيت سردية رسمية للصراع.

فعندما يشيد البعض بمسلسل مثل “الاختيار” لأنه نَقش في الوجدان أسئلة عميقة تستقر في روح الهوية المصرية، يُطرح السؤال: أي هوية؟ ومن يحدد مضمونها؟ هل هي هوية متشكلة من صراع طبقي يعيشه الناس يوميًا، أم هوية تنتج عبر أجهزة الدولة السيادية والثقافية؟

هنا تظهر أهمية أنطونيو جرامشي في تطوير مفهوم الهيمنة الثقافية؛ فالسلطة لا تحكم بالقبضة الأمنية فقط، بل بالشرعية التي تكتسبها عبر سرديات ثقافية وفنية تجعل الدولة هي البطل في صراع محصور في ثنائية “خير/شر”، دون تحليل اجتماعي جذري.

يميز جرامشي بين المثقف التقليدي، الذي يظن نفسه فوق الصراع، والمثقف العضوي، الذي يرتبط بطبقة اجتماعية ويعبر عن مصالحها ووعيها التاريخي. يمثل الإنتقاد الفني لمسلسلات الدولة نموذج المثقف التقليدي، الذي يركز على الجماليات والفنيات دون الارتباط بوعي اجتماعي واسع.

على الجانب الآخر، لا يكتفي المثقف العضوي بنقد الأداء الفني، بل يهتم بجوانب طبقية أعمق، مثل: لماذا تُستثمر هذه الأموال في مسلسلات وأعمال فنية “وطنية”، بينما لا تنشغل الدراما بواقع الفقر والتفاوت الطبقي والاستغلال؟

إن المثقف العضوي لا يبحث عن “دراما أفضل ” داخل إطار الدولة، لكنه ينشغل بالبحث عن إطار آخر خارج قبضة هيمنة الدولة.

إننا لا نرى التاريخ كسلسلة من قوى الخير وقوى الشر داخل صراعات على السلطة، بل نراه كسلسلة من الصراعات الاجتماعية بين البروليتاريا والبرجوازية. لذلك، حين يُطرح مطلب العودة إلي الإنسان، نحن نوافق جزئيًا، لكن ليس إلى الإنسان المجرد والمنفصل عن الصراع الاجتماعي، بل إلى الإنسان داخل موقعه الطبقي.

ولا تكمن المشكلة في كون “رأس الأفعى” عملًا فنيًا ضعيفًا، بل في كونه عملًا ينبع من داخل سردية الدولة للتاريخ، عملًا يستمد وجوده من فرض الهيمنة الثقافية للدولة على الواقع.