بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

6 سنوات من التوقف الكامل

وقائع فساد معلن في سماد طلخا وكلمة السر: “الصيانة”

غدًا الاثنين، تعقد الجمعية العمومية العادية لشركة سماد طلخا اجتماعها السنوي وسط ست سنوات من التوقف الكامل، وخسائر متراكمة بلغت نحو 5.476 مليار جنيه حتى مارس 2025، وقروض من الشركة القابضة تجاوزت 6.295 مليار جنيه، وفق ما كشفه تقرير من الجهاز المركزي للمحاسبات جاء من داخل المصنع. هذا التقرير، الصادر عن إدارة مراقبة حسابات الصناعات الكيماوية لمراجعة العام المالي 2024/2025، لا يُقرأ على أنه تقرير محاسبي روتيني، بل خريطة مكتوبة لمسار تعثر مؤسسي شامل يمتد من فشل في إدارة حادث حريق في 2020 إلى تجاوزات في المشتريات، ومن تلاعب بالقوائم المالية إلى هدر أموال عامة وحق تأميني كان يمكن أن يُغير مسار الملف كله.

شركة الدلتا للأسمدة والصناعات الكيماوية، أو “سماد طلخا”، ظهرت كجزء من مشروع الدولة للتصنيع الزراعي منذ نهاية الستينيات، حين قررت الحكومة نقل إنتاج الأسمدة النيتروجينية من السويس إلى دلتا النيل بعد حرب 1967. تم إنشاء المصنع في طلخا بمحافظة الدقهلية، بدعم مالي من صندوق أبوظبي للتنمية في منتصف السبعينات، ليصبح أحد أعمدة السياسة الزراعية التي اعتمدت على توفير سماد مدعّم للفلاحين المصريين. مع الوقت صار المصنع ينتج مئات الآلاف من الأطنان من الأسمدة الأزوتية سنويًا، ويوصف بأنه يغطي نحو ثلث احتياجات مصر من السماد، وأن إنتاجه موجه بالأساس لصغار الفلاحين عبر التوريد لوزارة الزراعة. هذا الوزن الاقتصادي والاجتماعي جعل من “سماد طلخا” أكثر من مجرد مشروع صناعي، جعله مؤسسة لها جذور في حياة الريف المصري.

لم يكن هذا التاريخ الاقتصادي منعزلًا عن مسار طويل من الإهمال والاستنزاف في البنية التحتية للمصنع، فخطوط الإنتاج التي أُنشئت في السبعينيات والثمانينيات لم تشهد تطويرًا جوهريًا لعقود. مع مرور الوقت، تآكلت المعدات، وتصاعدت مشكلات التلوث والانبعاثات، وتزايدت الأعطال، بينما ظلت الإدارة تراهن على ترقيعات جزئية وعمَرات مكلفة دون تغيير حقيقي في الهيكل الفني. هذا التراكم الفني والبيئي صار الأرض التي ستنبت فوقها أزمات التسعينيات ثم الألفية الجديدة، ومعها صعود حركة عمالية لها ملامح خاصة في طلخا.

التسعينيات وبدايات الحركة العمالية في سماد طلخا

في التسعينيات، كانت موجة “إصلاح القطاع العام” وبدء الخصخصة هي الخلفية الكبرى التي تحرّك فوقها عمال سماد طلخا، كما تحركت شرائح واسعة من عمال شركات الغزل والحديد والصلب والإسمنت. اعتمدت الدولة سياسات التقشف، وتخفيض العمالة، وتجميد الأجور النسبية، بينما كانت الأسعار ترتفع مع موجات التضخم وتحرير جزئي للأسعار. في هذا المناخ بدأت قواعد العمال في شركات متعددة بالدقهلية، بينها سماد طلخا، في البحث عن أدوات ضغط، سواء عبر التنظيم النقابي الرسمي أو خارجه.

ورغم أن التوثيق التفصيلي لاحتجاجات التسعينيات في طلخا أقل كثافة من الفترة بعد 2000، إلا أن الشهادات العمالية تذكر أن المصنع شهد وقفات واعتصامات ضد سياسات النقل التعسفي، وضد التشغيل تحت ضغط كثيف مع تآكل الأجور الفعلية. في الوقت نفسه كانت البيروقراطية النقابية الرسمية، التابعة للاتحاد العام الرسمي، تمثل حاجزًا بين العمال وبين قدرتهم على تحويل الغضب إلى قوة تفاوضية منظمة. هذه الفجوة بين القاعدة العمالية والتنظيم الرسمي ستصبح بعد سنوات قليلة أحد أهم دوافع تأسيس النقابات المستقلة في المصنع.

الألفية الجديدة حتى 2011: من الاحتجاج إلى بناء النقابة المستقلة

مع بداية الألفية، شهدت الحركة العمالية في مصر موجة صعود واسعة في شركات القطاع العام والخاص، من المحلة إلى شبين الكوم إلى مصانع الأسمنت، ومرورًا بسماد طلخا. في هذه السنوات، استمرت ظروف العمل في طلخا على نفس النمط: خطوط إنتاج قديمة، أعطال متكررة، تعرض العمال للمخاطر المهنية، ضعف الأجور مقارنة بالتضخم، وتوسع في التعاقدات المؤقتة والمياومة. في المقابل كانت الإدارة العليا تتمتع بامتيازات كبيرة، من بدلات وحوافز وسيارات فخمة، ما أوجد شعورًا متزايدًا بالظلم الطبقي داخل المصنع.

في أكتوبر 2011 انفجر هذا التوتر في اعتصام كبير، استمر أكثر من 10 أيام، كان على رأس مطالبه إقالة رئيس مجلس الإدارة المهندس علي ماهر، وتحسين الأجور، وتثبيت العمالة المؤقتة، وتحسين ظروف السلامة والصحة المهنية. خلال الاعتصام دخل عدد من العمال في إضراب عن الطعام، رافضين التراجع عن المطالب، بينما تجاهلت الإدارة، في الأيام الأولى، الاحتجاج أملاً في أن يتلاشى تلقائيًا. ومع استمرار الاعتصام بدأ الضغط الإعلامي المحلي والنقابي يتزايد، واضطرت الإدارة إلى فتح باب التفاوض.

هذا الاعتصام لم يكن حدثًا معزولًا، بل كان إعلانًا عن ميلاد تيار جديد داخل المصنع يرى أن الاتحاد العام الرسمي لا يمثّل العمال تمثيلًا حقيقيًا. وفي نوفمبر 2011 التحق عمال مصنع سماد طلخا بقطار النقابات المستقلة، عبر تأسيس نقابة مستقلة تمثل العمال خارج البنية النقابية الحكومية، في خطوة كانت آنذاك جزءًا من موجة أوسع لتأسيس نقابات مستقلة في الضرائب العقارية والنقل العام والغزل والنسيج. بعد ذلك بأشهر قليلة، في مارس 2012، شاركوا في تأسيس اتحاد النقابات المستقلة بالدقهلية، الذي جمع نقابات مستقلة من قطاعات مختلفة في المحافظة، لخلق صوت عمالي موحد يواجه سياسات الخصخصة وتخفيض العمالة.

هذه الخطوات التنظيمية جعلت من عمال سماد طلخا جزءًا من قلب الحركة العمالية المستقلة في مصر بعد الثورة، لا مجرد حالات احتجاج متفرقة. النقابة المستقلة واتحاد الدقهلية وفّرا منصة للعمال للتنسيق مع قوى سياسية ونقابية أوسع، ورفع مطالب تتجاوز المصنع، مثل رفع الحد الأدنى للأجور، وربط الأجر بالأسعار، ورفض قانون العمل الموحد الذي رأى العمال أنه يفتح الباب على مصراعيه للفصل التعسفي.

2011 إلى 2014: الاعتصامات، والتزوير في الانتخابات، ومعارك التمثيل

بعد اعتصام 2011 وتأسيس النقابة المستقلة، لم تهدأ الحركة داخل سماد طلخا. استمر العمال في الضغط من أجل تثبيت المؤقتين وتحسين الأجور، لكن أحد أبرز الملفات التي فجرت غضبهم كان ملف الانتخابات النقابية وانتخابات أعضاء مجالس الإدارة. في إحدى الجولات الانتخابية جرى، بحسب توثيق بوابة الاشتراكي، استبعاد المرشحين غير الموالين للإدارة، وطرد مندوبي بعض المرشحين أثناء الفرز، وتبديل صناديق أو استكمال الفرز بعيدًا عن أعين المندوبين، ما اعتبره العمال تزويرًا فاضحًا لإبقاء ممثلي الإدارة في مواقعهم.

رد العمال لم يكن قانونيًا فقط، بل جمع بين الاحتجاجات والبيانات العلنية، وربط بين تزوير الانتخابات في المصنع والتزوير الأوسع في النقابات والانتخابات العامة بعد 2013. في هذه الفترة كانت الدولة قد بدأت تستعيد قبضتها الأمنية على المجال العام، وتضيق الخناق على النقابات المستقلة، عبر تعقيد إجراءات توفيق الأوضاع، ورفض الاعتراف القانوني بالعديد منها، وشن حملات إعلامية تتهمها بالعمالة والفوضى. عمال سماد طلخا وجدوا أنفسهم في قلب هذه المعركة.. من جهة يدافعون عن حقهم في نقابة مستقلة وفي تمثيل داخل مجلس الإدارة، ومن جهة أخرى يواجهون جهازًا نقابيًا رسميًا متحالفًا مع الإدارة والأمن.

2015 إلى 2019: تعويم الجنيه، الإهمال الفني، وتهيئة الأرض للأزمة الكبرى

تزامن تعميق السياسات النيوليبرالية في الاقتصاد المصري بعد 2014، مع تعويم الجنيه في نوفمبر 2016، وارتفاع حاد في الأسعار، مع مرحلة جديدة من التدهور في سماد طلخا. على المستوى الفني، تزايدت الأعطال في وحدات الأمونيا واليوريا، وتكررت التوقفات، بينما كانت إدارة الشركة تؤجل الصيانة الجذرية بحجة التكلفة. في مايو 2018 أصدر محافظ الدقهلية قرارًا بإيقاف وحدة اليوريا بسبب انبعاثات الأمونيا التي تجاوزت الحدود القانونية، بعد أن أظهرت قياسات وزارة البيئة خطورة الوضع. كانت الوزارة قد أقرت خطة لتوفيق الأوضاع البيئية في 2016 بتكلفة 120 مليون يورو تنفذ خلال 3–5 سنوات، لكن لم تُنفذ كما ينبغي، وبقيت الانبعاثات تهدد سكان المنطقة وعمال المصنع معًا.

على المستوى المالي، أعلن رئيس مجلس الإدارة أن الشركة تحملت 187 مليون جنيه خسائر نتيجة تعويم الجنيه وحده، إضافة إلى نحو 100 مليون جنيه فارق سعر السماد المدعّم، مطالبًا برفع أسعار السماد على الفلاحين لتعويض الخسائر. لكن القراءة النقدية لهذه الأرقام تشير إلى أن السبب الأكبر للعجز لم يكن دعم الفلاح، بل السياسات الاقتصادية الكلية وتعويم العملة، وسوء الإدارة والفشل في الاستثمار في الصيانة والتطوير في الوقت المناسب.

في هذه السنوات أيضًا جرى تقليص عدد العمال من حوالي 7000 إلى 3500 عامل فقط، مع تسريح ما يقرب من 100 عامل مياومة، بحجة الخسائر وانخفاض الإنتاج. هذا التسريح ترافق مع استمرار تعيينات في مواقع إدارية عليا، ووجود عدد من المستشارين بعد سن التقاعد يتقاضون رواتب مرتفعة، إلى جانب شراء سيارات فارهة مخصصة للإدارة، بينما كانت أتوبيسات نقل العمال قديمة ومتهالكة، بل احترقت بعضها أثناء الخدمة بحسب شهادات عمالية. في يوليو 2019 نظم العمال وقفة احتجاجية أمام إدارة الشركة، طالبوا فيها بإقالة رئيس مجلس الإدارة، ورفعوا لافتات “ارحل من أجل المصانع” و”مصانعنا وهنحميها غصب عن اللي سارقها”، مؤكدين أن العَمرة التي قيل إنها كلفت 150 مليون جنيه لم تؤدِ إلى تحسين حقيقي في أداء المصانع.

كان المناخ العام السياسي في هذه الفترة قد أصبح أكثر قمعًا، مع تصفية النقابات المستقلة والتضييق عليها، وتزوير واسع النطاق في الانتخابات النقابية العمالية، واعتقال قيادات عمالية في قطاعات مختلفة. هذا جعل قدرة العمال على تنظيم احتجاجات واسعة أقل، لكن لم يمنع تصاعد الغضب الكامن الذي سيتفجر في لحظة أزمة كبرى.

2020 إلى 2021: التوقف الكامل، محاولة التصفية، وصمود العمال

في أبريل 2020، تلفت مواسير المحور الأولي لمصنع الأمونيا وانهار جزء من منطقة الحمل الحراري، ما أدى إلى توقف كامل لمصانع الأمونيا واليوريا. قدّرت لجنة تقنية شكّلها رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب الخسائر المباشرة بنحو 4.5 مليون يورو في قيمة المواسير وحدها، بخلاف تكاليف الفك والتركيب، فيما قدّر تقرير فني آخر للتلفيات الكلية -شاملةً مواسير التفاعل وملفات منطقة الحمل الحراري- بما يتراوح بين 80 و90 مليون جنيه، مع توقع بأن يتجاوز توقف الإنتاج ستة أشهر.

كان المنطقي أن يذهب القرار فورًا إلى إصلاح عاجل أو خطة تطوير واضحة زمنًا وتمويلًا. وفعلًا، في العشرين من يوليو 2020، وافق مجلس إدارة الشركة القابضة للصناعات الكيماوية على خطة تطوير شامل لكل خطوط الإنتاج -الأمونيا واليوريا وحامض النيتريك وإدخال نظام إنتاج اليوريا المحببة- باستثمارات تُقدَّر بنحو 350 مليون دولار، ما يعادل آنذاك نحو 5.6 مليار جنيه، وصادقت الجمعية العمومية على هذا القرار في السابع عشر من أغسطس 2020. لكن هذا القرار الجريء لم يُكتب له التنفيذ؛ بل سرعان ما استُخدمت الأزمة لفتح ملف “أرض المصنع” وإمكانية نقل النشاط إلى مكان آخر.

غير أن ما يكشفه تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات في هذا الصدد يتجاوز كل ما أُعلن: فعقب الحادث مباشرة، لم تُبلّغ الشركة شركة مصر للتأمين عن الواقعة، مستندةً إلى أن الحادث لم يكن “حريقًا” بالمعنى التقليدي. لكن الجهاز يثبت أن وثيقة التأمين، المُجددة في يناير 2020 لتغطي الفترة حتى 2025، كانت تشمل صراحةً انفجار الغلايات والآلات البخارية والمحركات والتركيبات المشابهة، وأن اللائحة المالية للشركة توجب الإبلاغ بمجرد وقوع الحادث. وبسبب الصمت الإداري، ضاع على الشركة حق مطالبة بالتعويض قيمته نحو 1.968 مليار جنيه، يُقدِّر الجهاز أنه كان يمكن أن يُعوِّض جُلَّ تكلفة الإصلاح. والأشد مرارةً أن عمليات تجديد التأمين اللاحقة ظلّت تأمينًا على الحريق فقط، رغم تعليمات مجلس الإدارة السابقة بتوسيع التغطية لتشمل كل المخاطر.

في ديسمبر 2020، وصلت لجنة من الهيئة العامة للمساحة، برفقة ضابط من القوات المسلحة، إلى أرض المصنع لإجراء رفع مساحي شامل، بقرار من محافظ الدقهلية، تمهيدًا لمشروع مجمع سكني تجاري، مع نقل المصنع والعمال إلى مدينة السويس. تلقّى العمال خبر الرفع المساحي كإنذار نهائي بأنها ليست “خطة تطوير”، بل بداية لتصفية المصنع في موقعه الحالي. في اليوم نفسه بدأ اعتصام عمالي داخل الشركة، شارك فيه آلاف العمال، ورفعوا شعارات “أرض المصنع مش للبيع”، و”بالروح بالدم حقنا مش هيروح”.

خلال الأيام التالية، تزايد الضغط الأمني والإداري، وصدرت تصريحات متناقضة من المسؤولين: تارة عن “تطوير” وتارة عن “نقل” وتارة عن “إغلاق مؤقت لأسباب بيئية”، بينما كان المحافظ والقابضة الكيماوية يمضيان في إجراءات البيع أو إعادة التخصيص. في الحادي والثلاثين من ديسمبر 2020، عقدت جمعية عمومية غير عادية للشركة بصورة مباغتة، وافقت بالأغلبية على نقل الوحدات إلى موقع شركة النصر للأسمدة بالسويس، وهو ما أكد مخاوف العمال من سيناريو التصفية المقنّعة.

في اليوم نفسه والأيام التي تلته، شنت قوات الأمن حملات اعتقال طالت قادة الاعتصام وأعضاء في اللجنة النقابية، حيث جرى القبض على عشرة عمال في البداية، ثم اقتحمت قوات الأمن منازل عمال آخرين ليلًا، وكسرت محتويات بعضها، وأجبرت العامل إبراهيم الفلفل على تسليم نفسه بعد احتجاز شقيقه وابن شقيقه، ليرتفع عدد المعتقلين إلى 11 عاملًا على الأقل، وسط حديث عن قائمة تضم نحو 200 عامل مطلوبين أمنيًا. نُقل المقبوض عليهم إلى نيابة أمن الدولة العليا بالقاهرة، ووجهت إليهم تهم مثل “التحريض على التظاهر والتخريب وتعطيل الإنتاج”، في وقت كان المصنع متوقفًا بالفعل منذ أشهر بقرار إداري وفني.

رغم هذا القمع، واصل العمال اعتصامهم وصمودهم. استمرت الحركة الاحتجاجية أكثر من شهر، مدعومة بتضامن من قوى عمالية وسياسية وحقوقية، ونشرات صحفية أبرزت أن العمال لا يطالبون بزيادة رواتب بل بالدفاع عن وجود المصنع ذاته. تحت هذا الضغط، في مارس 2021، أعلن وزير قطاع الأعمال العام هشام توفيق التراجع الكامل عن قرار النقل، والالتزام بتطوير المصنع في موقعه الحالي بطلخا، ثم جاء قرار الجمعية العمومية غير العادية في 28 أبريل 2021 ليُرسّخ هذا التراجع رسميًا، ويكلّف لجنة فنية باختيار مكتب استشاري لفحص الحالة التقنية للمصانع وإعداد دراسة جدوى بنكية تُحدد مصادر التمويل. احتفل العمال بقرار وزير قطاع الأعمال وصلّوا صلاة شكر جماعية داخل الشركة، في لحظة نصر نادرة في سياق عام شديد القمع على الحركة العمالية.

هذا الانتصار كان ذروة لمسار طويل من تنظيم القاعدة العمالية، من التسعينيات مرورًا باعتصامات 2011–2012، وتأسيس النقابة المستقلة، ومواجهة التزوير والخصخصة، وانتهإً بمواجهة مباشرة مع مشروع تصفية مصنع استراتيجي تحت غطاء “الحفاظ على البيئة” و”تعظيم الاستفادة من الأصول”.

2022 إلى 2024: سنوات التوقف الطويلة، الدراسات، والتجاوزات

دراسة الجدوى البنكية التي أوصت بها جمعية 2021 كان مصيرها مثيرًا للدهشة، فهي لم تُنفَّذ قط، وفق ما يسجله تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات صراحةً. كان هذا الإجراء الذي أوجبته الجمعية العمومية الغير عادية لتحديد مصادر التمويل هو أول ما تساقط على طريق “سنوات الدراسات”.

بدلًا من انطلاق سريع في مشروع تطوير واضح، استغرقت الفترة حتى فبراير 2022 في دعوة بيوت الخبرة المتخصصة لإعداد دراسات تطوير مصانع الشركة. وبعد مقارنة العروض، جرى التعاقد في التاسع من أغسطس 2022 مع شركة تيسين كروب الألمانية لأعمال التفتيش الميكانيكي الشامل على المصانع بتكلفة نحو 30.809 مليون جنيه (22.5 مليون جنيه و155 ألف يورو)، وإن كان العقد لم يدخل حيز التنفيذ الفعلي إلا في الثامن من نوفمبر 2022 متأخرًا عن موعده. في مايو 2023، سلّمت الشركة الألمانية تقرير التفتيش النهائي الذي كشف عن حال معدات المصنع البالغ عددها نحو 543 معدة: منها 205 في حالة جيدة، و268 تحتاج إلى إصلاحات تتراوح بين البسيطة والجسيمة التي تستلزم شحن المعدات إلى مصنعها الأصلي خارج مصر، أما نحو 70 معدة فيجب استبدالها كليًا. كما أوصى التقرير بتغيير المحور الأولي التالف -وهو إجراء يستغرق نحو أربع سنوات- فيما أكدت شركة وود المصنّعة للمحور أنه يمكن إعادة تأهيله في نحو عامين.

في غضون ذلك، جرى في السادس من فبراير 2022 التوقيع على عقد دراسة FEED للتصميم الهندسي الأمامي لمصنع الأمونيا، مع شركة وود الألمانية -التي أصبحت تعمل لاحقًا تحت اسم أودا- بقيمة 4.5 مليون يورو (80% بالجنيه و20% باليورو) بإجمالي نحو 258.436 مليون جنيه، لكن العقد لم يدخل حيز التنفيذ الفعلي إلا في الثامن عشر من مارس 2024. وفي الثامن والعشرين من أغسطس 2023، أُبرم عقد منفصل مع شركة ستاميكاربون لدراسة تطوير مصنع اليوريا بقيمة 227,696 دولارًا، أوصت بزيادة طاقة الإنتاج من 1,725 طنًا يوميًا إلى 2,250 طنًا (زيادة 30%)، وإضافة وحدة تحبيب جديدة.

في الثامن عشر من ديسمبر 2024، جاءت النتيجة الأثقل: قدّرت دراسة FEED النهائية تكلفة تطوير مصنع الأمونيا وحده بـ273.809 مليون يورو (شاملةً 20% احتياطي مخاطر)، تعادل نحو 13.964 مليار جنيه، وذلك لإنتاج 1,300 طن يوميًا بكفاءة طاقة محسّنة تصل إلى 32-34 مليون وحدة حرارية للطن، على مدى 30 شهرًا. وجاءت تكلفة تطوير مصنع اليوريا بدورها نحو 155.546 مليون يورو، تعادل حوالي 8.393 مليار جنيه. إذا قارن المرء هذين الرقمين بقرار مجلس الإدارة الأول في يوليو 2020 بالتطوير الشامل لكل خطوط الإنتاج بـ350 مليون دولار، تظهر الصورة في كامل قسوتها: خمس سنوات من الانتظار تحوّل خلالها تطوير مصنعين وحدهما إلى ما يفوق تكلفة تطوير كل الخطوط وفق الأسعار الأصلية.

أمام هذه الأرقام المتضخمة، أقرّ مجلس الإدارة في يناير 2025 -وصادقت الجمعية العمومية في مارس 2025- على تحويل المسار نحو ما يمكن تسميته “استراتيجية إعادة التشغيل بأقل كلفة”: مرحلة أولى تقتصر على صيانات ضرورية لإعادة الإنتاج بشكل آمن ومتوافق بيئيًا، تليها مرحلة ثانية لرفع الطاقات باستقطاب مستثمر استراتيجي. لكن تقرير الجهاز يُسجّل تحفظًا جوهريًا على هذا التحول: شركة أودا صرّحت بوضوح أنها لن تضمن أداء المصنع بشكل متكامل إلا إذا نُفّذ التطوير الشامل دفعةً واحدة، فضلًا عن أن مصنع اليوريا كان يمكن تحقيق ربح تشغيلي سنوي يقارب 20 مليون دولار من تخفيض استهلاك البخار، و266 طنًا يوميًا كإنتاج إضافي بتكلفة هامشية، وفق الخيار الذي جرى التخلي عنه.

أما تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات فيكشف حقبة أخرى موازية تسير بمحاذاة هذه اللجان والدراسات: حقبة تعاقدات دون منافسة، وتضخم أسعار ممنهج. فعلى مدار فترة التطوير، حظيت شركة صان مصر المحلية بعقود مباشرة -بلا طرح- لأعمال صيانة ميكانيكية وإصلاح محولات وإصلاح أنابيب المبادلات الحرارية. وحين تقدمت بعروض لمكونات أبراج التبريد، كانت أسعارها أعلى بنسبة 172% من عروض شركة منافسة اسمها ABD -وفق ما وثّقه تقرير الجهاز- ومع ذلك وافق مجلس الإدارة على عروضها. وفي عقود بطانة خزانات معالجة المياه، اختارت الشركة ناروبين (نصر للمطاط) بسعر أعلى بـ75 جنيهًا للمتر من عرض منافس، ما رتّب تكلفة إضافية بلغت 2.7 مليون جنيه؛ بينما في تأجير السقالات دفعت 67,214 جنيهًا للمتر مقابل عرض منافس بـ51,508 جنيهًا. كذلك عقدت الشركة مع سان مصر عقد صيانة صمامات بتكاليف تتراوح بين 57,000 و410,000 جنيه للصمام الواحد، مقابل نحو 62,000 جنيه عند المنافسين، وفشلت في إلزام الشركة بغرامات التأخير.

المشهد ذاته تكرّر في المناقصات التي أُجريت فعليًا: مواصفات تتغير في منتصف الطرح دون إخطار المتنافسين، ولوائح دعوة توزَّع عبر واتساب، ومهل تقديم عروض لا تتجاوز 48 ساعة، فضلًا عن تعاقد مباشر بـ108.13 مليون جنيه دون طرح عام. وفي ملف الاستشارات الإنشائية، ألغت الشركة مناقصة جرى الإعلان عنها وأسندت العمل مباشرةً لمكتب الدكتور علي النجار بـ200,000 جنيه شهريًا زائد مصاريف وزيارات غير محددة، رغم غياب خبرة المكتب في الصناعات الكيماوية، بل رفض المستشار تقديم ضمان نهائي مما اضطر الشركة إلى تسويات مالية معه بطريقة ملتوية.

أما على صعيد التلاعب المالي الأعمق، فيرصد تقرير الجهاز ما وصفه بـ”رسملة زائفة للأجور”: ففي الفترة من يناير إلى مايو 2025، رُحِّل ما يعادل 95% من إجمالي الأجور -أي نحو 178.49 مليون جنيه- إلى حساب “مشروعات تحت التنفيذ” دون تحديد هوية العمال المشتغلين فعليًا في أعمال العمرة، ما يعني عمليًا تجميل القوائم المالية بإخفاء الخسائر التشغيلية وراء أرقام استثمار رأسمالي وهمية. إضافة إلى ذلك، خصّصت الشركة 7.3 مليون جنيه لمشروع ERP و241,000 دولار لترخيص برنامج SAP حوّلته إلى الشركة القابضة في أبريل 2020 -أي بعد أسابيع من التوقف الكامل- بما يُثير تساؤلات جدية حول جدوى هذا الإنفاق في ظل مصنع عاطل.

وتتضح ثغرة أخرى في ملف شركة ستاميكاربون: بعد إبرام عقد تطوير مصنع اليوريا وبدء سريانه، جُمِّد النطاق ثم عُدِّل من جانب واحد، فأوقفت الشركة التزاماتها بسبب تعثر المدفوعات، وحذّر المستشار القانوني للشركة في رأيه الصريح من أن العقد بات نافذًا قانونيًا من لحظة التوقيع وأن الفواتير مستحقة السداد وفق جداولها الزمنية مع فوائد تأخير، وأن الاستمرار في التجميد قد يعرّض الشركة لتحكيم دولي وادعاءات بالإخلال بالعقد. لكن هذا التحذير القانوني الداخلي، الذي وثّقه تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات، لم يغيّر مسار القرار.

في سياق تعاقدات الصيانة المتوازية لهذه الفترة، تبرز ثغرة لا يمكن تجاهلها تتعلق بملف شركة صان مصر تحديدًا. ففي عام 2024، شكّلت الشركة لجنة فنية متخصصة لتقييم العروض المقدّمة لعقد الصيانة الميكانيكية الشامل؛ وجاء تقرير اللجنة صريحًا في رفض اعتماد صان مصر، مستندًا إلى الفارق الجوهري في الأسعار مقارنةً بالمنافسين، إلى جانب ملاحظات تقنية تتعلق بأسلوب التنفيذ. ما جرى بعد ذلك هو ما يرصده تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات: تجاوز توصية اللجنة والإسناد المباشر لعقد الصيانة إلى الشركة ذاتها التي رُفضت، دون إعادة طرح أو تبرير موثّق يتجاوز “وجهة نظر الشركة”. بهذا تكتمل دائرة: لجنة تقنية تقول “لا”، ومجلس إدارة يقول “نعم”، وعقد يُوقَّع، والجهاز المركزي للمحاسبات يسجّل الأمر في صفحات تقريره.

حين تُطرح الكفاءة على مذبح السيولة

القرار الأعمق أثرًا في مسار السنوات الأخيرة ليس قرار التعاقد مع صان مصر، بل القرار الاستراتيجي الأكبر: التخلي عن مسار التطوير الشامل الذي أوصت به دراسات FEED واستبداله بمسار الصيانة “قصيرة الأمد”، تحت مبرر رئيسي يتعلق بضيق السيولة وطول مدة التطوير. لكن تقرير الجهاز يطرح سؤالًا لم تجب عنه الإدارة بشكل كافٍ: هل كان الخيار بين التطوير والصيانة خيارًا ماليًا حقيقيًا، أم كان قرارًا بالتراجع عن التطوير رغم توافر التمويل؟

الوقائع التي يرصدها الجهاز المركزي للمحاسبات تُلقي بظلالها القاتمة على هذا السؤال: فبينما كانت الإدارة تُبرر التحوّل نحو الصيانة بأزمة السيولة، كان بنك استثماري بارز قد أبدى في مخاطبات رسمية -موثّقة في أوراق الشركة وفي ملف الجهاز ذاته- استعداده لتدبير التمويل اللازم بالعملة الأجنبية، وتقديم قرض لإنجاز مشروع التطوير الشامل في أعقاب استكمال الدراسات والحصول على الموافقات. غير أن الجهاز يُسجّل ما وصفه بـ”عدم وضوح الرؤية” حيال هذا العرض: لا يوجد في أوراق الشركة ما يُثبت أن العرض البنكي طُرح على مجلس الإدارة بصورة جدية ودُرس ووُجدت له استجابة رسمية، كما لا يوجد ما يثبت رفضه بمبرر موثّق. ما هو موجود -وهو ما يُقلق الجهاز- هو صمت. عرض تمويلي كان يمكن أن يُغير المعادلة، وقرار بالتحوّل نحو الصيانة التي قد تُعيد تشغيل مصنع هشّ بلا ضمان أداء متكامل، وبين الاثنين فجوة لا تفسيرها في الأوراق الرسمية.

الثمن الفني لهذا الاختيار أوضحته دراسات الشركة نفسها قبل أن يُلغيها القرار: خيار التطوير الشامل لليوريا -وفق التصميم منخفض الطاقة الذي كان مقررًا مع ستاميكاربون- كان يوفّر نحو 4.2 مليون دولار سنويًا من فاتورة البخار، ويُضيف نحو 266 طنًا يوميًا من الإنتاج الإضافي، ويُقلّص تكلفة صيانة واستبدال المعدات بنحو 20 مليون دولار. كل هذه الوفورات آثر قرار يناير 2025 تجاهلها، والاستعاضة عنها بصيانة ربما تُعيد ماكينة قديمة إلى العمل، لكنها لن تُعيدها إلى الكفاءة.

كذلك يرصد الجهاز غياب ما يُعرف بـ”مستشار إدارة المشروع” (PMC): فرغم أن الحاجة إلى طرف متخصص لإدارة عمليات التطوير الشاملة ظلت موضع توافق في كل وثيقة داخلية تقريبًا، إلا أن هذا الدور ألقي بالكامل على عاتق العضو المنتدب مباشرةً حتى تاريخ مراجعة الجهاز، بما يكشف عن فجوة حوكمة ليست هامشية في مشروع بهذا الحجم.

في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى ثغرة مالية يكشفها الجهاز وتبدو في ظاهرها تقنية لكنها في حقيقتها سياسية: دراسة الجدوى الداخلية التي استُند إليها لتبرير مسار الصيانة واستقطاب المستثمر الاستراتيجي افترضت تصدير 100% من الإنتاج بأسعار التصدير، متجاهلةً أن القانون -وتحديدًا قانون 26 لسنة 1966- يُلزم الشركة بتوريد 55% من إنتاج اليوريا للزراعة بأسعار مدعومة عبر منظومة KEFI. كما خلطت الدراسة بين سعر صرف اليورو والدولار في الحسابات، واعتمدت افتراضات متفائلة بشأن استهلاك الغاز الطبيعي. يخلص الجهاز إلى أن هذه الدراسة، المصوِّرة العائد بشكل مُبالَغ فيه، ليست تحليلًا اقتصاديًا محايدًا، بل ورقة مناصرة لقرار اتُّخذ قبل أن تُكتَب.

وإلى جانب كل ما سبق، يوثّق الجهاز مطلوبات متراكمة تُكشف عن أنماط هيكلية أعمق: فمنذ عام 2014 لم تُحوَّل رسوم نقابة المهن الزراعية المحصّلة من فواتير المبيعات إلى الجهة المستحقة، وبلغت هذه المتأخرات 11.162 مليون جنيه حتى ديسمبر 2023. كذلك لا تزال 6.66 مليون جنيه قيمة محفزات مُعارة لشركة النصر للأسمدة دون استرداد، فضلًا عن 46.7 مليون جنيه مستحقة من نصر تعثّرت منذ سنوات، وتسويات ضريبية مع شركة كيما معلّقة منذ 2022 على الأقل.

معنى تجربة سماد طلخا في تاريخ الحركة العمالية المصرية

بالنظر إلى هذا المسار الممتد منذ التسعينيات على الأقل، يمكن القول إن سماد طلخا تمثل نموذجًا مكثفًا لعلاقة الدولة المصرية بالقطاع العام والعاملين فيه. من ناحية، هو مصنع بُني في سياق مشروع تصنيع وطني يستهدف خدمة الزراعة والفلاحين، وتأمين سماد مدعّم، بدعم من مؤسسات تمويل عربية. ومن ناحية أخرى، هو ضحية واضحة لسياسات الدولة والإهمال الفني، والخصخصة الجزئية، والتعويم، وتقليص العمالة، وتغول الأجهزة الأمنية على المجال النقابي.

تاريخ الحركة العمالية في سماد طلخا يكشف عن مسار ثلاثي الأبعاد: احتجاجات مطلبية في التسعينيات والألفية الأولى ضد الأجور والسياسات الإدارية؛ ثم تطور تنظيمي مع تأسيس النقابة المستقلة واتحاد نقابات الدقهلية بعد 2011؛ ثم صراع وجودي في 2020–2021 ضد التصفية والنقل، نجح فيه العمال، رغم القمع، في فرض تراجع الدولة عن قرارها. هذه التجربة تضيف إلى سجل الحركة العمالية المصرية درسًا مهمًا: أن قوة التنظيم القاعدي، والذاكرة النضالية المتراكمة، يمكن أن تفرض نتائج مختلفة حتى في لحظة انكماش سياسي عام، إذا تركزت حول هدف واضح مثل منع بيع أو تصفية مصنع استراتيجي.

لكن الانتصار الذي احتفل به العمال عام 2021 يواجه اليوم اختبارًا من نوع مختلف. فالوثيقة الرقابية تقول بالأرقام ما لا تجرؤ الإدارة على إعلانه: أن الشركة تُنفق على الصيانة بمنطق المحسوبية لا الكفاءة، وأن قرار الإنقاذ ليس بالضرورة قرار النهوض، وأن تمويلًا كان في المتناول ربما يكون قد مرّ دون أن يُمسك به أحد.

في 30 مارس الجاري، حين تجتمع الجمعية العمومية، لن يكون على الطاولة ورقة واحدة، بل أوراق متشعبة: موازنة تقديرية تُبنى فوق مصنع لم يُنتج منذ ست سنوات، وعقود صيانة تستند إلى توصيات رُفضت ثم أُعيد اعتمادها، ومسار “إعادة تشغيل” قد يُعيد ماكينة قديمة إلى الدوران دون ضمان أدائها، وخلف كل هذا 3,500 عامل لا يزالون في انتظار إجابة لم تتأخر خمس سنوات فحسب، بل اكتشفوا الآن من تقرير الجهاز نفسه أن جزءًا من تلك السنوات كان يمكن أن يُختصر لو أن حق التأمين أُدير باحترافية، ولو أن دراسة الجدوى البنكية التي أوصت بها جمعية أبريل 2021 نُفِّذت، ولو أن عرض التمويل الذي أبداه البنك لم يُقابَل بصمت.

يُقدّم هذا الملف قصةً ليست فقط عن “شركة تتعطل عن العمل”، بل عن علاقة معقدة بين الصناعة والزراعة، وبين العمال والدولة، وبين الخصخصة والأمن الغذائي، وبين القمع الأمني وصمود نقابة تشكّلت واستمرت وتطورت في أشكال مختلفة حتى اليوم. وهي قصة تقول في نهاية المطاف إن الفشل لم يكن قدرًا، بل كان خيارات متراكمة يمكن رصدها وتحديد مسؤولياتها -وهذا تحديدًا ما فعله الجهاز المركزي للمحاسبات في وثيقة من داخل المصنع.