مدريد في وجه واشنطن.. سيادة وطنية أم تمرد أولي على التبعية الأوروبية؟

برزت إسبانيا كصوت رافض لتحويل أراضيها وأجوائها إلى ممرات لوجستية تخدم الحرب غير القانونية التي تشنها الولايات المتحدة على إيران. ففي تحدٍ لضغوط إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أعلنت الحكومة الإسبانية رفضها استخدام مجالها الجوي أو قواعدها العسكرية في هذه العمليات، في موقف يعيد طرح أسئلة السيادة الوطنية في مواجهة آلة الحرب الإمبريالية.
الموقف الإسباني لم يأتِ موارباً؛ إذ صرح رئيس الوزراء «بيدرو سانشيز» أمام البرلمان بأن بلاده رفضت كافة خطط الطيران المتعلقة بالعمليات في إيران، مؤكداً: «نحن دولة ذات سيادة ولا نريد المشاركة في حروب غير قانونية». وترافق ذلك مع إعلان وزيرة الدفاع «مارغريتا روبليس» إغلاق قاعدتي «روتا» و«مورون» العسكريتين أمام القوات الأمريكية في هذه المهمة، مشددة على أن إسبانيا تعتبر هذه الحرب «عملاً غير عادل وغير قانوني».
الرفض الإسباني يفرض تعقيدات لوجستية على الإدارة الأمريكية، مجبراً إياها على تغيير مسارات طائراتها عبر قواعد أوروبية أخرى، وهو ما يمثل إزعاجاً مستمراً لآلة الحرب الأمريكية، حتى وإن كان لا يعطلها.
لا تقف إسبانيا وحدها تماماً في هذا المربع، فقد ظهرت مؤشرات متفرقة على تململ دول أوروبية أخرى من استخدام أراضيها لخدمة الحملة الأمريكية. وفي هذا السياق، منع الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» عبور طائرة أمريكية محملة بمعدات عسكرية متجهة إلى الكيان الصهيوني، وهو ما قابله ترامب بتصريحات غاضبة واصفاً إياه بـ«غير المفيد»، بينما ردت تل أبيب بوقف صفقات أسلحة مع باريس.
كما رفضت إيطاليا عبر وزير دفاعها، «جويدو كروزيتو»، السماح للطائرات الأمريكية باستخدام قاعدة «سيغونيلا» الجوية في صقلية، رغم تبريرها ذلك بأسباب إجرائية تتعلق بعدم الإخطار المسبق، لتجنب الصدام المباشر مع واشنطن.
في المقابل، تستمر بريطانيا بقيادة «كير ستارمر» في تقديم ولاء أعمى للمحور الأمريكي، متجاهلة المطالبات الشعبية الواسعة بوقف الانخراط في هذا العدوان غير القانوني.
مقابل هذه المواقف الفردية، يعكس النهج المؤسساتي للاتحاد الأوروبي حالة من النفاق السياسي والانحياز الصارخ للسياسات الإمبريالية. ففي 30 مارس الجاري، وفي الوقت الذي كانت فيه القنابل الأمريكية والصهيونية تدمر المدارس والمراكز الصحية والبنية التحتية في إيران، قرر مجلس الاتحاد الأوروبي تمديد العقوبات على إيران لعام آخر متذرعاً بـ«حقوق الإنسان».
في الوقت ذاته، تغمض بروكسل عينيها تماماً عن جرائم الحرب الصهيونية الموثقة، وترفض فرض عقوبات مماثلة على تل أبيب، محتفظة بـ«اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي و”إسرائيل”» التي تعد شرياناً يغذي آلة الإبادة والاحتلال في المنطقة. وتجلى هذا التواطؤ في تصريحات رئيس المجلس الأوروبي «أنطونيو كوستا» أمس الإثنين، الذي أدان الضحايا في إيران دون أن يجرؤ على تسمية واشنطن وتل أبيب كجناة، مكتفياً بمطالبة طهران بوقف هجماتها واللجوء للدبلوماسية.
لذلك الموقف الإسباني، ورغم محدوديته في قلب موازين القوى، يفتح ثغرة في جدار الهيمنة الأطلسية، ويطرح أمام شعوب أوروبا، والعالم، سؤالاً ملحاً حول كلفة استمرار تحالف دولها مع مشروع عسكري أمريكي يجر العالم نحو حافة الهاوية.





