بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

اقتصاد

باسم «أزمة الخليج»:

المزيد من التقشف للفقراء.. والمكاسب لرأس المال

في مشهد يُلخّص طبيعة التحالف بين السلطة ورأس المال، ألقى رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي بياناً أمام مجلس النواب أمس الثلاثاء 21 أبريل، استعرض فيه تداعيات الحرب على إيران والتصعيد الإقليمي على الاقتصاد المصري. وبينما حمل البيان نبرة «مصارحة» بتحمل المزيد من الأعباء، جاءت تفاصيله لتؤكد أن هذه الأعباء لن تُوزّع بالتساوي، بل ستُحمَّل كالعادة على كاهل الطبقات العاملة والفقيرة، بينما تُحفظ مصالح الشركات الكبرى والقطاع الخاص.

حذّر مدبولي من أن التداعيات الاقتصادية للحرب «ستستمر حتى نهاية العام الجاري على الأقل»، مشيراً إلى ارتفاع تكلفة توليد الطاقة وتضرر السياحة. هذه “المصارحة” ليست إلا تمهيداً لفرض المزيد من إجراءات التقشف على الأغلبية الساحقة. فعندما تتحدث الحكومة عن ارتفاع تكلفة الطاقة، فإن الترجمة الفعلية لذلك هي ما ظهر في توجهات موازنة العام المالي القادم لتقليص مخصصات دعم الوقود بشكل حاد لتصل إلى 16.5 مليار جنيه انخفاضاً من 75 مليار جنيه. النظام يستخدم الأزمات الإقليمية كغطاء سياسي لتمرير سياسات رفع الدعم وزيادة الأسعار، محوّلاً الكلفة المباشرة للأزمة إلى جيوب المواطنين.

وما يُسميه مدبولي «مرونة الاقتصاد» وقدرة الجنيه على «امتصاص الصدمات»، ليس في واقعه سوى انهيار القوة الشرائية لأجور العمال وتآكل مدخراتهم. فالسياسة النقدية التي «تستهدف التضخم» والاحتياطيات الأجنبية «القياسية» لم تتحقق إلا عبر سحب السيولة من جيوب الأغلبية وإعادة تسعير قوة العمل بأبخس الأثمان، في ظل استمرار تهرّب قطاع واسع من القطاع الخاص من الالتزام حتى بالحد الأدنى الهزيل للأجور.

في مقابل التبشير بالأزمات للفقراء، حمل بيان مدبولي تطمينات قاطعة لرأس المال. فجهود وزارة البترول التي أشاد بها لإعادة جذب شركات النفط والغاز العالمية، تُرجمت إلى تعهد حكومي بإنهاء تسوية المستحقات المتأخرة للشركات الأجنبية بالكامل بحلول يونيو المقبل. هكذا تُرتّب الدولة أولوياتها: تُسدد ديون الشركات الأجنبية بالعملة الصعبة كاملةً وفي موعدها، بينما تُقنّن الإنفاق الاجتماعي وتُقلّص الدعم وتُوسّع القاعدة الضريبية أفقياً لتشمل صغار المنتجين والفئات الهشة بدلاً من فرض ضرائب تصاعدية بشكل له معنى على الثروات.

حتى عندما تحدث مدبولي عن أهداف الطاقة المتجددة، أشار بوضوح إلى أن القطاع الخاص هو الشريك الأساسي في تحقيق هدف الوصول بالطاقة المتجددة إلى %45 من مزيج الطاقة بحلول 2028، مع دخول سعات جديدة للخدمة هذا العام. هذا يعني استمرار نهج خصخصة قطاع الطاقة وتسليع الخدمات الأساسية، بحيث تتحول الأزمة البيئية وأمن الطاقة إلى فرص استثمارية لتعظيم أرباح القطاع الخاص المدعوم من الدولة.

حاول رئيس الوزراء تجميل الصورة بالحديث عن زيادة الإنفاق على الصحة والتعليم والمشروعات العامة، مشيراً إلى أن مخصصات العامين الماليين 2026 و2027 تتماشى مع «الاتجاه المتنامي». لكن هذا الخطاب مضلل ويتجاهل حقيقة أن هذه الزيادات يحتسب منها تسديد فائدة ديون تلك القطاعات ولا تعتبر انفاق فعلي، غير انها اسمية وتتبخر أمام معدلات التضخم وانهيار قيمة العملة، ولا تمس البنية المتردية لهذه القطاعات التي تخدم الأغلبية.

يتناقض هذا «الإنفاق المحسوب» على الخدمات العامة بشكل صارخ مع القفزات الفلكية في مخصصات مؤسسات السلطة. فكما كشفت أرقام الموازنة التقديرية للعام المقبل، قفزت مصروفات جهات مثل مجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية ومجلسي النواب والشيوخ بنسب تتجاوز %42، مع تضاعف بنود السلع والخدمات بأكثر من %100 في بعض هذه الجهات.

يُظهر بيان مدبولي كيف توظّف الرأسمالية التابعة في «الجمهورية الجديدة» الأزمات الخارجية لتبرير وتسريع سياسات إعادة الهيكلة النيوليبرالية. «توافق رؤى القطاع الخاص والدولة» الذي أُشير إليه كمؤشر إيجابي، هو في الحقيقة إعلان صريح عن انصهار جهاز الدولة مع مصالح رأس المال الاحتكاري.

النظام لا يحل الأزمة، بل يُديرها بطريقة تضمن تحميل كلفتها للطبقة العاملة عبر الإفقار الممنهج (التضخم، رفع الدعم، ثبات الأجور الحقيقية)، بينما يضمن تدفق الأرباح للشركات الكبرى (تسديد المستحقات، فرص الاستثمار في الطاقة والتعليم والصحة)، ويُحصّن أجهزته السيادية بميزانيات متضخمة. هذا ليس سوى تأكيد على أن التقشف ليس ضرورة اقتصادية حتمية، بل هو قرار سياسي طبقي بامتياز.