الإسكندرية بلا قطار ولا ترام

مع إزالة عربات ترام الرمل (المعروفة بالترام الزرقا) المميزة للاسكندرية، توالت المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تُودّع أحد معالم المدينة وأحد أعمدتها الأساسية في التنقل. بدأت الحكومة المصرية بالتعاون مع وكالة التعاون الفرنسية في عام 2019 خطة تطوير ترام الرمل، التي بحسب المحافظة خضعت لدراسات الأثر الاجتماعي والبيئي. فما المشكلة إذن؟ هل نحن ضد التطوير؟ هل لا يرى كل سكان المدينة المعترضين هؤلاء مشاكل الترام ولا يسمعون قعقعته؟
في الواقع، لا يوجد خلاف على حاجة مرفق الترام للتحديث والصيانة. لكن في تحليلنا تفتقد الخطة لعدة عوامل نجاح رئيسية: أولها المشاركة المجتمعية واستطلاع رأي سكان المدينة، وكذلك النظر للترام كمرفق نقل يتكامل مع باقي أنظمة التنقل في الاسكندرية، بالإضافة إلى احترام تاريخ المدينة وتراثها. في التحليل التالي نُفصّل أوجه العوار في خطط التطوير الحالية، ونشرح البدائل الممكنة.
مدينة على السكك: تاريخ قصير للترام وقطار أبو قير
الاسكندرية ليست مدينة جديدة على فكرة النقل الجماعي المنظّم بالسكك الحديدية؛ بل كانت رائدة في المنطقة بأسرها. ففي 16 أبريل عام 1862، تم تأسيس شركة الترام بين الإسكندرية والرملة (ترام الرمل) من قبل عدد من الخواجات المعروفة بأسمائهم محطات شولتز (شدس) وسيفر(صفر) وفيلمينج (فلمنج) وبولكلى (بوكله). وكان هدفه الأساسي وصل ضواحي الأثرياء سابقاً وكلية فيكتوريا بوسط البلد. بحلول عام 1901 كان الترام يعمل بالكهرباء بعد أن كانت تجره الخيول، وامتدت شبكته لتغطي المدينة بشريانين: ترام الرمل (الزرقا) على طول الكورنيش من محطة الرمل حتى فيكتوريا، وترام المدينة (الصفرا) في قلب الاسكندرية القديمة ومنطقة كرموز والمكس. كان الترام في ذروته يخدم أكثر من مئتي محطة، وكان المسافر (حتى العام السابق) يتعرف على المدينة من نافذته كما يتعرف المشاة على صورة الاسكندرية بوجوده.
أما القطار الداخلي (المسمى بقطر أبو قير) فقد أُنشئت خطوطه الأولى في أواخر القرن التاسع عشر أيضاً، وجرى توسيعه وتحديثه بشكل متقطع على مدار القرن العشرين. سار القطار على محور مختلف عن الترام، موازياً لطريق أبو قير الداخلي، ليخدم الأحياء الأكثر حاجة وبسعر تذكرة لا تُرهق جيوب ملايين العمال الذين قدموا من محافظات مصر وتركزوا في شرق وجنوب المدينة (قبلي السكة الحديد وأحياء المندرة وميامي وسيدي بشر والسيوف). حمل القطار الملايين من الطبقات العاملة والمتوسطة يومياً، وكان بالنسبة لكثيرين العمود الفقري لحياتهم اليومية. فالاسكندرية كمدينة حديثة قامت أصلاً على النقل الجماعي بالسكك الحديدية. فكيف وصلنا إلى لحظة يُزال فيها كلا الشريانين معاً في غضون سنتين؟
ما الذي تم دراسته؟ لا الزمان ولا المكان… ولا حتى السكان
المشكلة الصارخة الأكثر وضوحاً، التي يتداولها المواطن العادي في الشارع بينما فاتت على كل صناع القرار، أنه تم إزالة الترام في الوقت الذي فقدت فيه الاسكندرية شريانًا رئيسيًا آخر للتنقل هو قطار أبو قير، وذلك لاستبداله بخط مترو. ولشرح فجاعة الموقف يمكننا ببساطة النظر إلى الخريطة.
الإسكندرية مدينة شريطية طويلة تطورت بمحاذاة شاطئ البحر، وعليه فإن خطوط النقل والمواصلات الرئيسية في المدينة هي خطوط موازية لبعضها (ما عدا شبكة ترام المدينة أو الترام الصفرا في الاسكندرية القديمة).
إذا كنت تعيش في مركز ثقل السكان في شرق المدينة (أحياء المنتزه والرمل) وتتوجه يومياً إلى الخدمات الحكومية والجامعة في وسط المدينة وما حولها (من باب شرقي للمنشية)، وكنت من أبناء الـ 90% من الأسر المصرية التي لا تمتلك سيارة خاصة، فأمامك اختيارات تتسابق في السوء من الأسفلت إلى القضبان.
سيكون عليك الاختيار بين أن تركب مشروعاً (ميكروباص) على طريق البحر أو الكورنيش -المعروف أيضاً بشارع الجيش- أو تلجأ للترام القريب منه والموازي له، أو مشروع في المحور التالي ذي الأسماء المتعددة (طريق الحرية / شارع أبو قير/ جمال عبد الناصر)، أو تتوجه للقطار الداخلي الموازي له المعروف بقطر أبو قير.
على الأسفلت ستصطدم بشلل مروري في اتجاه واحد صباحاً والاتجاه العكسي مساءً. وعلى القضبان كان الترام يتهادى بثقل سنينه وناسه وتقاطعات لا حصر لها مع شوارع سيارات لا تعيره اهتماماً ولا احتراماً. بينما كان قطار أبو قير مُسعِفاً لملايين الطبقات الأقل دخلاً من سكان جنوب السكة الحديد، فإنه كان يعاني من مشاكل حقيقية في الأمان والصيانة.
في عام 2024 تمت إزالة قطار أبو قير لاستبداله بمترو (تحت الإنشاء)، وفي عام 2025 بدأ إيقاف ترام الرمل للتطوير واكتمل إيقافه في أبريل 2026. وعليه فإن الاسكندرية، المعروفة بالتكدس المروري أصلاً، مضطرة أن تتحمّل على طرقها عبء ثلث مليون رحلة يومية: كان القطار يحمل منها ما يُقدَّر بـ137 ألف راكب يومياً، بينما يحمل الترام 200 ألف راكب يومياً. كل هؤلاء يبحثون الآن عن بديل على الأسفلت المكتظ أصلاً.
الكباري التي تقتل المدينة وتقليل المحطات الذي يقتل الوصول
تتصل مشكلة التوقيت بمشكلة التصميم. فحتى حين يكتمل مترو أبو قير ويعود الترام المطوَّر إلى الشارع، ثمة تساؤلات جوهرية لم تُجَب عنها بعد. تكشف مخططات التطوير إلى تقليص عدد المحطات مقارنةً بمحطات الترام القديمة التي كانت تخدم مسافات معقولة وخدمات مرتبطة بها. المنطق الهندسي أن محطات أقل تعني سرعة أعلى. لكن المنطق الاجتماعي يقول أن محطات أقل تعني أن الراكب الذي كان يمشي عشر دقائق لمحطته سيمشي عشرين. وهذه العشر دقائق ليست متساوية الوطأة على الجميع؛ فهي أشد على المسنين والمرأة الحامل وعاملة المنازل التي تضع وقتها بالدقيقة والطلبة المرهقين أصلاً.
كما سيتم إلغاء وصلة سبورتنج سيدي جابر الشيخ وكيلوباترا حمامات مما يقلص طول الترام، وكذلك تم إلغاء محطات مهمة مثل محطة كلية الفنون الجميلة ومحطة كامب شيزار. بشكل إجمالي يقلص التطوير طول مرفق ترام الرمل حاليا من 20.7 كم إلى 14.4 كم، وعدد المحطات من 31 إلى 25 محطة.
الوضع الحالي للطرق في الاسكندرية مؤسف. فشارع البحر تم توسعة أجزاء منه عدة مرات وبناء كباري وجراجات على شط الإسكندرية الذي هو روحها، ما جعل المدينة أضحوكة في منصات الإعلام العالمية. والآن تقوم المحافظة بإزالة الرصيف من شارع أبو قير لتوسيع الطريق للسيارات. فهل يخدم هذا حركة النقل؟
في الواقع، العكس صحيح. فتداول صورة كوبري 45 على الكورنيش مكتظ بالسيارات بعد إهدار ملايين على بناءه دليل حي على نظرية عمرانية معروفة تسمى الطلب المستحث. فعندما تصمم المدينة حول حركة السيارات، تحث الناس على تفضيل استخدام السيارات الخاصة والتاكسي لقضاء مشاويرهم، وعندها يزيد التكدس مرة أخرى، فتفقد أي توسعات في الطريق جدواها. والحل التخطيطي لهذا أن تدعم المدن الوصول للنقل العام وقضاء المشاوير القصيرة بالمشي أو الدراجات في طرق آمنة ومخصصة لذلك.
ربما يتجه بناء المترو وتطوير الترام ناحية نقل عام أفضل للمدينة. لكن التطوير الذي يجعل الرحلة أسرع لمن يستطيع الوصول إلى المحطة، لكنه يُصعّب الوصول إليها أصلاً لا يقضي على المشكلة تماماً.
فماذا كان يمكن أن يُفعل؟
النقد السهل هو أن نقول “لا للتغيير”. لكن البديل الذي يطرحه المخططون العمرانيون وخبراء النقل المستقلون ليس الإبقاء على الترام القديم بعقله وصيانته القديمة. البديل هو:
أولاً: التتابع لا التزامن. إذا كان لا بد من إيقاف الترام للتطوير، فلا يحدث ذلك وقطار أبو قير مُزال بالفعل. الإيقافان المتزامنان تركا المدينة بلا أي شريان بديل.
ثانياً: المشاركة المجتمعية الحقيقية. لا تُحدَّد مواقع المحطات في مكاتب مغلقة. سكان الأحياء يعرفون أين يصعدون وأين ينزلون أكثر من أي دراسة استشارية من مكتب فرنسي.
ثالثاً: التكامل بين وسائل التنقل. المترو الجديد والترام يجب أن يكونا ضمن شبكة متكاملة للتنقل في الاسكندرية ويجب الوصل بينهما وبين محاور التنقل الأخرى بشكل آمن للمشاة والدراجات بحيث يغطي التنقل على الأقدام الفجوات في شبكة النقل العام بشكل آمن وعادل لكبار السن والمرضى أيضاً.
رابعاً: الدعم المادي العاجل أثناء مرحلة البناء. تكلفة نفس الرحلة بالمشروع على شارع البحر أو أبو قير ضعف تكلفتها نفسها بالترام و4 أضعاف القطار. إزالة الترام والقطار في حد ذاتها أثقلت العبء المادي للتنقل على الأسر السكندرية التي لم يتم استشارتها في تلك التغييرات الكبيرة. والآن مع ارتفاع أسعار الوقود بسبب الحرب على إيران، يجد السكندريين أنفسهم تحت ضغط مادي قاسي مضاعف. الطلبة الذين لا رواتب لهم والعمال الذين تقلصت قدرتهم على الشراء لا يجب أن يدفعوا ثمن قرارات غير مدروسة، ويكفينا أننا بشكل جماعي سندفع ديون تطوير الترام والمترو في الاسكندرية والقاهرة البالغة بشكل إجمالي 1.1 مليار يورو للبنوك الأوروبية ووكالات التنمية. فيجب على الدولة الآن توفير وسائل تنقل مدعومة للشرائح الأكثر تضرراً.
سلام أخير للترام
حين يودّع أهل الإسكندرية ترامهم على الفيسبوك، يُتّهمون بالنوستالجيا والتحسر على الماضي ومقاومة التطوير. لكن المودّعين الحقيقيين ليسوا عشاق الأبيض والأسود الذين يُعلّقون على ذكرى الصورة القديمة؛ بل هم الذين كانوا يصعدون الترام كل صباح بتذكرة رخيصة وينزلون أمام باب العمل أو الجامعة أو المستشفى.
قرار إيقاف الترام والقطار معاً في مدة متقاربة لم يُؤخذ في استفتاء ولا في اجتماع مفتوح ولا حتى في نقاش عام يُذكر. اتُّخذ في غرف مغلقة، وصِيغت له وثائق دراسة الأثر الاجتماعي لتبريره لا لتصحيحه في مدينة بنت هويتها على التنقل الجماعي منذ مئة وستين عاماً، باتت اليوم تدفع ثمن التطوير الذي لم يُستشر فيه من يركب الترام أصلاً.





