بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

وداعا المناضلة مها أبو خليل

في الدقائق المعدودة التي كانت تفصل جنوب لبنان عن وقف إطلاق النار، قرّر الطيران الحربي الإسرائيلي أن يؤدّي طقسه الأخير فوق مدينة صور. كان الاتفاق قد نصّ على بدء وقف الأعمال العدائية في السادس عشر من أبريل 2026، الساعة 17:00 بالتوقيت الشرقي للولايات المتحدة، أي منتصف الليل بالتوقيت المحلي. في تلك النافذة الزمنية الضيقة، سوّى العدو أربعة مبانٍ سكنية بالأرض في صور جنوب لبنان، واستُخرج من تحت الركام جثمان المناضلة مها أبو خليل البالغة من العمر ثمانين عاماً. أستشهدت مها في البيت الذي رفضت أن تتركه طوال خمسة وأربعين يوماً من القصف، مع جيرانٍ عرفتهم سنوات، في المدينة التي اختارت أن تُقفل فيها دائرة حياتها.
من منهجية هذا الاحتلال هو سرقة الذاكرة ومحوها مع سرقة الأرض. اختارت دولة الاحتلال لحظة قتل مها مؤكّده أنّ مشروع سرقة الشعوب من ذاكرتها وأجيالها فهو في تواصل و يتجاوز مواعيد الهدن.
و حين يُهجَّر مليون فلسطيني و ألاف اللبنانية من أرضهم، تُطمس أسماء القرى، وتُستبدل خرائط الجغرافيا، ويُعاد تأليف الرواية حتى يمحى تاريخ المقاومة و تراثه.
استهداف امرأة ثمانينية في مدينتها يعني استهداف خمسة عقود من المعرفة السياسية المحفوظة في ذاكرتها. الأرشيف الحيّ لعملية أثينا 1969، وتجربة “المجال الخارجي” للجبهة الشعبية تحت قيادة وديع حدّاد، وسنوات المنفى في براغ ، وتفاصيل الخلاف مع قيادة ياسر عرفات حول مسار التسوية، ووقائع الصمود في صور تحت موجات متعاقبة من القصف.
السرقة الممنهجة للذاكرة تتّخذ أشكالاً متعدّدة. في مطلع عام 1972، أصدرت رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير قائمة بتصفية عدد من الشخصيات الفلسطينية، شملت وديع حداد وكمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار وأنيس الصايغ وغسان كنفاني. تلك القائمة كانت برنامجاً سياسياً لإفراغ حركة التحرر الفلسطيني من عقولها المنظّرة ومن أيديها المنفّذة. الخيط الذي يربط هذه الاغتيالات، مروراً بأبو جهاد في تونس عام 1988، وصولاً إلى إسماعيل هنية في طهران ويحيى السنوار في رفح وحسن نصر الله في الضاحية الجنوبية في 2024، هو ذاته الخيط الذي قطعته غارة صور في 2026.
لفهم حجم الخسارة، يجب أن نتتبّع و نتعرف على ما عاشته مها منذ ولدت في 1946 حتى سقطت تحت ركام مدينتها في 2026. عمرها الشخصي هو في الوقت ذاته خطٌّ زمني كامل للحروب التي شنّتها الإمبريالية والصهيونية على المنطقة و هو تاريخ مقاومة الاحتلال الصهيوني والإمبريالية الغربية في المنطقة.
ولدت مها في صور قبل عامَين من النكبة حين طُرد أكثر من سبعمئة وخمسين ألف فلسطيني من أرضهم. في طفولتها الأولى، شهد جنوب لبنان تدفّق اللاجئين الفلسطينيين إلى المخيّمات المحيطة بمدينتها، فصار وجود القضية الفلسطينية جزءاً من جغرافيتها اليومية. مخيّمات صور، البصّ و الرشيدية وبرج الشمالي، كانت على بُعد دقائق من بيتها. أبناء صفد، يافا وعكا وحيفا والقرى المهجَّرة كانوا جيرانها وزملائها في المدرسة وأبناء جيلها.
في تلك الجغرافيا الصغيرة، تشكّلت في مها قناعةٌ مبكرة بأنّ الحدّ الفاصل بين اللبناني والفلسطيني في الجنوب هو حدٌّ زائف، صنيعة المحتل. القليلة وعكّا تعيشان على الإيقاع ذاته من تهديد المشروع الصهيوني، والدفاع عن والنضال لإحداهما هو دفاعٌ عن الأخرى.
بلغت العاشرة حين وقع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، والحادية والعشرين حين وقعت نكسة 1967، وهي اللحظة التي أنتجت جيلاً عربياً كاملاً اقتنع بأنّ الأنظمة القومية عاجزة، وأنّ طريق التحرر يمرّ عبر الكفاح المسلح من خارج مؤسسات الدولة العربية. في العام ذاته تأسّست الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة جورج حبش ووديع حدّاد ونايف حواتمة.
كانت الجبهة منذ ولادتها تنظيماً يحمل في برنامجه الفكري قناعةً بأنّ تحرير فلسطين شرطٌ من شروط تحرير المنطقة وأنّ تحرير المنطقة شرطٌ من شروط تحرير فلسطين. هذا الخطاب فتح أبواب التنظيم لعربٍ من خارج فلسطين، مصريين وعراقيين وأردنيين ولبنانيين. انخرطت مها في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وتحديداً ضمن ما كان يعرف بـ”المجال الخارجي” تحت قيادة المناضل الراحل وديع حداد، تمسكت مبكراً بالقضية الفلسطينية.
“المجال الخارجي” كان الذراع المُنفّذة للعمليات النوعية خارج فلسطين المحتلة، تحت قيادة وديع حدّاد. ضمّ التنظيم نخبةً صغيرة من المناضلين المختارين بعناية، يُدرَّبون على عمليات الاختطاف والاشتباك في عواصم العالم. اختيار مها للانضمام إلى هذه الذراع الصغيرة، وهي في مطلع العشرينيات.
في 1969، في ذروة النشاط الخارجي للجبهة الشعبية، كُلّفت مها وهي في السادسة والعشرين بمهمّة بالغة الخطورة والتنظيم. شاركت مع سامي فوزي عبود وعصام سليم دومط في محاولة خطف طائرة تابعة لشركة “إلعال” الإسرائيلية في مطار أثينا الدولي، في ما عُرف بعملية أثينا، التي استهدفت تنفيذ صفقة تبادل لتحرير أسرى فلسطينيين وعرب من سجون الاحتلال. حاول الثلاثة اختطاف الطائرة المتجهة إلى روما، واعتُقلوا في أثناء صعودهم إليها، ووُجّهت إليهم تهم من بينها حيازة متفجرات.
أُفرج عنها في 1970، بعد أن نجحت الجبهة الشعبية بالاشتراك مع جبهة النضال الشعبي في تحريرها مع رفاقها بعد خطف طائرة للخطوط الجوية اليونانية في 1970. الإفراج جاء عبر صفقةٍ نظّمها رفاقها، حريتها كانت حرّيةً مدفوعة الثمن، انتُزعت من العدوّ بفعلٍ منظَّم.
بعد الإفراج، عقدت مها مؤتمراً صحفياً في عمّان. كان هذا المؤتمر اللحظة التي خرج فيها صوتها الشخصي إلى العلن لأوّل مرّة، خارج بيانات التنظيم وخارج قاعة المحكمة. قالت ابنة الستة والعشرين عاماً إنّ نضالها ينبع من إيمان عميق بحقّ الشعب الفلسطيني وحقّ بلدها، وشدّدت على أنّ النتائج قد تظهر بعد سنواتٍ كثيرة .
“لأنني أؤمن بحق بلدي، ولأننا نؤمن بحق شعبنا. نؤمن بأن علينا أن نناضل ونواصل النضال. وربما لن نرى النتائج خلال عامين أو ثلاثة، وربما لن نشهدها بأنفسنا، لكننا سنستمر في النضال ولن نتوقف”.
كانت مها في وعي تام، أنّ الجيل الذي تنتمي إليه قد لا يقطف ثمار نضاله بنفسه، وأنّ الاستمرار رغم ذلك واجب. خمسة وخمسون عاماً بعد هذه الكلمات، حين قُتلت في صور، كانت قد عاشت بمقتضاها بحرفيّتها.
عام 1970، جاء سبتمبر الأسود مباشرة. سقط آلاف الفدائيين الفلسطينيين على يد الجيش الأردني، وانتقل ثقل المقاومة الفلسطينية إلى لبنان، إلى مسرح مها. ثمّ جاءت حرب اكتوبر 1973 وهي في أواخر العشرينيات، فاندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في 1975، ثمّ اجتياح الليطاني في 1978 حين عرفت بلدات صور وقراها طعم القصف الإسرائيلي المركّز للمرة الأولى على هذا النطاق. كانت مها حينها تُعدّ دكتوراة في الإعلام في براغ ، تتابع نكبة جنوبها عن بُعد.
جزء أساسي من هذا النضال كانت دراسة مها الإعلام و الصحافة. الأكاديميا والصحافة والإعلام كانت تُعتبر جبهات نضالية لا تقلّ أهمّية عن الكفاح المسلح. تخصّص مها في الإعلام كان ترجمة لقناعة بأنّ الرواية الفلسطينية مهدَّدة بقدر ما الأرض الفلسطينية مهدَّدة، وأنّ من يخسر معركة السرد يخسر معركة الوجود نفسها.
براغ في ذلك العقد كانت أكثر من مجرّد مدينة دراسية. كانت مع موسكو وبرلين الشرقية إحدى عواصم المعسكر الاشتراكي، تستقبل ثوّار العالم الثالث وتدرّبهم وتُؤوي مكاتبهم. عاشت مها هناك في تقاطع عالمين، عالم الجامعة الأكاديمية، وعالم حركات التحرر القادمة من فيتنام وجنوب أفريقيا والساندينيين في نيكاراغوا. تجربة علمية وفكرية عكست عمقها المعرفي وانفتاحها. هذا الانفتاح ترك أثره فيها لاحقاً، حين عادت إلى الجنوب اللبناني تحمل في رأسها مكتبةً من تجارب الثورات الأممية.
عندما عادت إلى الجنوب انخرطت في جبهة النضال الشعبي. أمضت نحو عشرين عاماً في الجنوب ضمن جبهة النضال الشعبي، ولاحقاً مع جبهة الإنقاذ التي جرى تأسيسها بعد الخلاف مع أبو عمار، الذي كان يتجه نحو التفاوض، في حين كانت الجبهة الشعبية وجبهة النضال وجبهة التحرير الفلسطينية ترفض الاعتراف بالعدو .
حين وقّع ياسرعرفات اتفاق أوسلو عام 1993، انقسمت الحركة الوطنية الفلسطينية على نفسها. كثيرون فضّلوا التماسك التنظيمي مع منظّمة التحرير، وكثيرون آخرون فضّلوا الانتقال إلى مواقع رسمية في السلطة الناشئة. مها اختارت البقاء على الموقف الرافض للتفاوض مع العدو، حتى لو كان ذلك يعني الخروج من الإطار الرسمي للحركة الوطنية الفلسطينية، والعمل في فصيلٍ أصغر.
عادت مها إلى صور إلى المدينة التي وُلدت فيها. تحوّلت ساحة عملها من العواصم العربية والأوروبية إلى أحياء صور وقُراها. عملت في مؤسسات الإمام موسى الصدر، وكان دورها في إدارتها جزءاً من قناعتها الراسخة بأن بناء الإنسان المثقف الواعي هو استمرار للمقاومة بأدواتٍ مختلفة .
كانت ملتزمة بقضايا الفقراء والمحرومين في الجنوب، والعمل التربوي مع كوادر التعليم. عملت لسنوات طويلة في مؤسسات اجتماعية وتربوية، وأسهمت في العمل الأهلي والعلاقات العامة وتوجيه الكوادر التعليمية، إلى جانب دورها في ترسيخ نهج إنساني في العمل المجتمعي.
هذه المرحلة من حياتها هي ما حوّل مها من مناضلة معروفة في دوائر اليسار العربي إلى شخصية محبوبة في صور والقليلة. كانت تحرص يومياً على مراسلة رفاقها ومتابعة مجريات الأحداث، لا تفصلها عن الواقع. الأهالي عرفوها قريبةً من عائلات الشهداء، حاضرةً في الأفراح والأتراح، تجلس مع المعلمات وتُوجّه الكوادر، وتحمل في تعاطيها مع الناس ما تركته فيها سنوات الجبهة الشعبية من احترامٍ للإنسان.
هؤلاء جميعاً، يشكّلون الحلقات التي يحاول الاحتلال تمزيقها من سلسلة المناضلين الذين يجمعون بين المعرفة المنظَّمة والكلمة الموجّهة والفعل السياسي المرتبط بالنظرية. مها كانت إحدى هذه الحلقات. جمعت بين العمل الفدائي في أثينا والأطروحة في براغ، بين العمل الإعلامي الأكاديمي والعمل التنظيمي في جبهة النضال الشعبي وجبهة الإنقاذ.
في إحدى المقابلات المتأخّرة، كثّفت مها فلسفتها السياسية، عبرت عن إيمانها بحتمية النصر، أكدت أن البندقية يجب أن تكون إلى جانب البرنامج السياسي، ولا يجوز الفصل بين الكفاح المسلح والعمل السياسي، فهما كطائر بجناحين وفصل أيٍّ من هذه الأجنحة عن الآخر يُسقط الطير.
كانت مها مشروعاً مركّباً يجمع كلّ أبعاد النضال من كفاح و بناء اجتماعي و تثقيف. و في صباح يوم استشهادها، أرسلت مها رسالتها اليومية الأخيرة على واتساب. كتبت كلمات تشي غيفارا: “كل الأشياء تُباع وتُشترى بذات العملة، إلا الوطن، يُباع بالخيانة، ويُشترى بالدم”. كلمات عاشت بها حتى يومها الأخير.
في هذا جواب على سؤالٍ كان يُطرح عليها كثيراً في شيخوختها: لماذا تواصلين، وأنت في الثمانين، الانخراط في النقاش السياسي اليومي، والمراسلة مع رفاقك، ومتابعة الأخبار؟
الجواب الذي تعكسه ممارستها هو أنّ المناضلة لا تتقاعد، لأنّ القضية لا تتقاعد. الجناحان يحتاجان إلى من يحرّكهما، وحركتهما هي شرط البقاء.

شيّعت بلدة القليلة جنوب لبنان يوم الأحد ٢٠ أبريل جثمان المناضلة اللبنانية مها أبو خليل، بمشاركة واسعة من الأهالي والفعاليات الشعبية والسياسية، حيث أُلقيت كلمات استذكرت مسيرتها الطويلة، من أوائل الفدائيات اللواتي انخرطن في العمل المقاوم، و استمر عطاؤها حتى آخر لحظات عمرها. نعت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الشهيدة وقالت إن مها أبو خليل ستبقى حاضرة في الذاكرة الوطنية، وفي سجل النساء المناضلات اللواتي قدّمن حياتهن في سبيل النضال والتحرر من العدو.