وتستمر "عسكرة الوظائف"
نضال المهنيين.. من قاعات المحاكم إلى سجن العاشر

في عنبر احتجاز بسجن العاشر من رمضان، لا في قاعة جمعية عمومية ولا على سلالم نقابة، يتكثّف أوضح مشهد في خارطة استهداف قيادات الاحتجاج المهني في مصر اليوم، حيث يقبع ثلاثة أطباء أسنان من دفعة 2023: طبيب الأسنان محمد أسامة السيد من المنصورة، المرشح لعضوية النقابة العامة لأطباء الأسنان “تحت السن”، وطبيب الأسنان مصطفى محمود عرابي من دمياط، ممثل دفعة 2023 بالنقابة، والصيدلي إيهاب سامح عبد الملك من الزقازيق.، لأنهم رفضوا قرار وزارة الصحة بتغيير قواعد تكليف خريجي الكليات الطبية في العمل بقطاعات وزارة الصحة من الزامي لكل الخريجين إلى “التكليف حسب احتياج”.
الثلاثة محبوسون احتياطيًا على ذمة القضية رقم 945 لسنة 2026، بتهم أمن دولة عليا تدور حول “إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وإذاعة أخبار كاذبة”، وجُدّد حبسهم حتى الآن أربع مرات متتالية بحد أدنى 15 يومًا في كل مرة.
المفاجأة، أن المرشح المحبوس محمد أسامة، في ظل تجفيف العمل السياسي والنقابي، حصل على ثلث الأصوات في انتخابات التجديد النصفي لنقابة الأسنان والتي جرت يوم 24 أبريل. المرشح الشاب حاز على ثقة وتضامن 2700 طبيب، لكنها لم تكن كافية، لكي يفوز بمقعد في مجلس الإدارة.
كان الأطباء الثلاثة قد اعتقلوا فجر الأحد 23 فبراير الماضي، أي قبل ساعات من ثالث جلسة كانت محكمة القضاء الإداري ستنظر فيها طعنه المُقام في 14 ديسمبر الماضي على قرار وزير الصحة بإلغاء تكليف خريجي كليات طب الأسنان دفعة 2023 بالنظام المعتاد.
ما الذي فعله هؤلاء الثلاثة حرفيًا حتى يجدوا أنفسهم في السجن؟ اعترضوا، بالكلمة وبالطعن القضائي وبالترشح النقابي، ولكن تهمتهم الأخطر، من وجهة نظر الأمن، انهم نسقوا بين خريجي الكليات الطبية المتضررة من قاعدة “التكليف حسب الاحتياج” بأثر رجعي. القاعدة التي تبنّاها مجلس الوزراء في نوفمبر 2022 أفضت إلى تقليص نسبة التكليف لتقتصر على 45% من خريجي الصيدلة، و40% من خريجي طب الأسنان، و25% من خريجي العلاج الطبيعي، في حين كان القانون رقم 29 لسنة 1974 يُلزم الدولة بتعيين كل الخريجين لمدة عامين في الوحدات الصحية الحكومية خلال سنة من التخرج. الدولة، التي كانت طيلة عقود تتعهّد بتوظيف كل الخريجين الطبيين، تخلّت عن هذا التعهد جزئياً لخفض فاتورة الأجور، ورَمَت بستين بالمئة من دفعة أطباء الأسنان في سوق عمل خاص لا يوجد فيه من يشتري خدماتهم بالأجر الذي كانوا ينتظرونه.
هؤلاء الخريجون، الذين اعتادوا منذ عام 1961 على تراتبية محددة للحصول على الخبرة اللازمة تؤهلهم للدخول إلى سوق العمل وبدء الدراسات العليا، وجدوا أنفسهم فجأة بلا وظيفة، مُلقَين في سوق لا يعرفونه، ومطالبين بالعمل بشروط لم يعتادوها.
نقابة الصيادلة، رفعت في خطاب رسمي إلى وزير الصحة يوم الإثنين 23 فبراير 2026، رفضَها الكامل لقرارات اللجنة العليا للتكليف، مطالبةً بتكليف دفعة 2023 بالكامل. وأيضاً رفع يوم 27 أبريل ممثلون عن دفعة 2023 بكلية علاج طبيعي دعوى قضائية ضد وزارة الصحة للمطالبة بتكليف الدفعة بالكامل.
لكن قضية الأطباء الثلاثة لا تُفهم بمعزل عن مشهد أوسع يُعيد تشكيل علاقة الدولة بموظفيها منذ سنوات، تعليمات صندوق النقد الدولي بتخفيض العمالة التي تعمل في القطاع الحكومي.
صحفيون ضد الفقر والتشريد وتآقيت العمل
وهي التعليمات التي أدت إلى وقف حركة التعيينات منذ عام 2014، ويدفع ثمنها اليوم، على سبيل المثال، المئات من الصحفيين والعمال والاداريين، في المؤسسات الصحفية الحكومية، إذ يعملون كعمالة مؤقتة، ويكتفون بالحصول على 1500 جنيه شهرياً، على أمل التعيين.
ولذلك ليس مفاجئاً أن تُكمل مؤسسة، “أخبار اليوم”، المشهدَ، حين أوقف رئيس مجلس إدارتها صحفياً وستة من عمال مطابع المؤسسة عن العمل لمدة شهرين، على خلفية وقفة احتجاجية نظّمها عمال المطابع للمطالبة بحقوق مالية متأخرة.
المؤسسة الواحدة عاقبت الصحفي والعامل المطبعي بالإجراء ذاته، لأنها ترى الفارق بينهما في الواقع أقل بكثير من الفارق الذي يراه الصحفي نفسه.
على هذه الخلفية وحدها يمكن فهم ما جرى لصحفيي جريدة “البوابة نيوز” على مدار الأشهر الأخيرة. في الربع الأخير من 2025 شرع نحو سبعين صحفيًا بالاعتصام داخل مقر الجريدة بالدقي، احتجاجًا على خفض رواتبهم إلى ما يصل إلى 1200 جنيه شهريًا في بعض الحالات، ثم 2000 جنيه بعد موجة احتجاج سابقة، في مخالفة صريحة لقرار المجلس القومي للأجور رقم 15 لسنة 2025، الصادر تنفيذًا لقانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025. استمر الاعتصام ستة وخمسين يومًا، قُطِعت خلالها الخدمات الأساسية عن المعتصمين، قبل أن يُفَضّ بالقوة في الخامس من يناير الماضي، فانتقل المعتصمون إلى مقر نقابة الصحفيين.
وبدل أن تُحاسَب الإدارة على مخالفتها، أُحيل تسعة من صحفيي وصحفيات الجريدة إلى المحاكمة، ومعهم اثنان من أعضاء مجلس النقابة، إيمان عوف ومحمود كامل، بتهمة “التظاهر غير المصرح به”، والسب والقذف، في قضية نظرتها جنح قصر النيل، وطالب فيها ممثّل الإدارة بتعويض مدني مؤقت قدره مئة ألف جنيه وجنيه واحد.
الصحفيون حصلوا على البراءة، لكن شبح السجن كان ماثلاً وبشدة أمامهم، ورغم ذلك واصلوا نضالهم القانوني.
وفي سابقة هي الأولى من نوعها، قضت المحكمة العمالية بتغريم مالك الجريدة المقرب من النظام عبد الرحيم علي، مبلغ 3.3 مليون جنيه لعدم الالتزام بتطبيق الحد الأدنى للأجور على العاملين بالمؤسسة، وهو ما يعد مكسب عمالي مهم يفتح الباب أمام العاملين بأجر للحصول على أحكام مماثلة في حالة عدم التزام جهة العامل.
الضبطية القضائية للمهندسين!
بالمخالفة لكل القواعد النقابية وجد المهندسون، نقابتهم ذاتها تتحوّل إلى أداة في يد الدولة لا أداة في أيديهم. ففي أغسطس 2025، نشرت الجريدة الرسمية قرار وزير العدل رقم 4805 لسنة 2025، بمنح أعضاء المجلس الأعلى لنقابة المهندسين ورؤساء النقابات الفرعية وأعضاء هيئة مكتب مجلس النقابة “صفة مأموري الضبط القضائي”، استنادًا إلى المادة 23 من قانون الإجراءات الجنائية. أي أن النقابة، التي يُفترض أن تكون أداة تفاوض بيد أعضائها، صارت ذراعاً إدارية في يد الدولة. قياداتها لم تعد تتكلّم باسم المهندسين فقط، بل صارت قادرة على تحرير محضر ضد أحدهم.
هذا التحول يكتسب دلالته من السياق: قبل عام، في سبتمبر 2024، كان نقيب المهندسين قد أعلن تضامنه مع الصحفيين في رفض قانون الإجراءات الجنائية نفسه.
بعد عام، استعيض عن هذا الصوت المحتمل بمنح قياداته مفاتيح الضبطية. وبين هذا وذاك، بقيت أوضاع مهندسي القطاع الخاص على حالها: لا حدّ أدنى مهني مُلزم، تعاقدات مشروع بمشروع، وفصل تعسفي يمرّ بلا صدى نقابي فعلي، فيما تضغط القيادة النقابية على رئيس الوزراء من أجل “بدل تفرّغ” لأعضاء الهيئات الاستشارية، دون أي تحرّك مقابل لمواجهة تآكل الأجر الهندسي في الشركات الخاصة، حيث يعمل مئات الآلاف من المهندسين الشباب بأجر أسبوعي يُقارب أجر أسبوع عامل تركيبات متخصص.
وبالرغم من كل ذلك، وفي مفاجأة كبيرة، منح المهندسون أصواتهم للمرشح المستقل محمد عبد الغني ليتغلب على الوزير والنقيب الأسبق هاني ضاحي مرشح حزب مستقبل وطن، بفارق 4 آلاف صوت في الانتخابات التي أجريت في شهر مارس الماضي.
ولكنها ليست المرة الأولى، التي تُفاجئ فيها نقابة المهندسين المشهد السياسي المصري. لكن ما جرى يوم 13 مارس يكتسب دلالة تتجاوز حدود الانتخاب النقابي حين يُقرأ بعيون تعرف أن السياسة ليست مجرد تنافس على المناصب، بل هي في جوهرها تنازع على من يملك القرار ولمصلحة من يُتخذ.
غير أن الانتصار الانتخابي لوحده لا يُشيّد مؤسسة راسخة. فالسؤال الأعمق الذي يطرحه هذا المشهد هو: كيف تحافظ مجموعة اجتماعية على وعيها بمصالحها الجماعية وتنقله عبر الأجيال؟
عبد الغني سيتولى النقابة بمجلس يهيمن عليه أعضاء ينتمون في غالبيتهم إلى قائمة مرشحي الأجهزة الأمنية. وهذا يعني أن المعركة لم تنتهِ عند باب مكتب النقيب بل ستنتقل إليه. والتاريخ يعلّمنا أن السلطة التي تخسر موقعاً لا تتخلى عن هدفها، بل تُعيد التموضع وتنتظر الفرصة. وهذا يستدعي من تيار الاستقلال أن يتحول من حالة المعارضة الانتخابية إلى حالة البناء المؤسسي الصبور، بناء لا يقتصر على من يجلس في المكتب بل يمتد إلى كل مهندس يعمل في كل موقع ويفهم لماذا تستحق نقابته أن يدافع عنها.
في لحظة يُقال فيها إن الفضاء العام المصري لا يتسع لخيارات مستقلة، جاءت صناديق المهندسين لتقول إن المجموعات التي تعرف مصالحها الجماعية وتتنظم من أجلها تستطيع أن تفرز إرادتها حتى في مواجهة آلات الحشد والموارد الضخمة. لكن الانتصار الانتخابي ليس سوى تذكرة الدخول. ما يأتي بعده أصعب وأطول وأكثر استنزافاً من كل معارك الاقتراع مجتمعة.
الصندوق قال كلمته. والنقابة الآن أمام استحقاق أصعب من الانتخاب: أن تكون على مستوى من صوّت لها.
المعلمون وحق التنظيم
ولا تكتمل خارطة المهن المكافحة، إلا بمن لا نقابة لهم أصلاً: المعلمون. هؤلاء هم الأهم من حيث الكمّ، والأشد هشاشة.
في 2025-2026، تعاقدت وزارة التربية والتعليم مع خمسين ألف معلم “بالحصة”، بأجر حصة قدره خمسون جنيهاً، لسد عجز المعلمين، دون أن يُمثّل ذلك تعييناً رسمياً.
هؤلاء الخمسون ألفاً ليسوا موظفي الدولة بالمعنى الكامل، بل هم عمال قطعة يومية بمهنة “معلم”، لا يملكون تأميناً صحياً ولا استقراراً وظيفياً، ولا يُصرف لهم أجرهم أحياناً لشهور متتالية، ما دفع بعضهم إلى تقديم شكاوى جماعية لمجلس الوزراء. هذا هو الشكل الجديد للعمل داخل الدولة المصرية نفسها: تفكيك الوظيفة المستقرة، واستبدالها بعقود قطعة، فئوية، متجددة، تُلقي أعباء المعيشة على عاتق العامل نفسه وتُحرّر الدولة من التزاماتها تجاهه. الحكومة أعلنت مؤخراً زيادة استثنائية للمعلمين تتراوح بين 1000 و1100 جنيه فوق الحد الأدنى للأجور تُصرف اعتباراً من يوليو 2026، لكن هذه الزيادة لا تشمل معلمي الحصة، لأنهم ليسوا “معينين” من الأساس.
ولمواجهة هذه الأوضاع الكارثية لمعلمي مصر واصلت قيادات المعلمين المستقلة النضال من اجل استعادة تنظيمهم النقابي. كان المعلمون قد تحركوا برفع دعوى قضائية لعزل الحراسة القضائية وتعيين حارس مؤقت لإدارة نقابة المعلمين 2016، ولكن اللجنة لم تقم بتنفيذ الحكم، بالإضافة إلى حكم قضائي في أكتوبر 2018 بإجراء انتخابات لاختيار مجلس إدارة للنقابة ولكن اللجنة لم تنفذ الحكم، ليتبعها عدد من المعلمين على رأسهم المرشح البرلماني السابق دكتور محمد زهران، أحد رموز تيار الاستقلال النقابي، بإقامة دعوى قضائية جديدة عام 2023 صدر الحكم فيها في 30 نوفمبر 2025 بإلزام القائمين على النقابة بالدعوة لإجراء انتخابات.
وقد حصل دكتور زهران خلال يناير الماضي على حكم يقضي بفتح باب الترشح لعضوية مجلس نقابة المهن التعليمية، لتكون ثالث قضية ترفع ضد لجنة الحراسة القضائية التي تسلمت مهامها في مارس 2014.
ولكن نقابة المعلمين، التي تسيطر عليها عناصر حكومية، عقدت جمعية عمومية طارئة يوم 7 مارس الماضي لتنفيذ الحكم القضائي الملزم، ورغم ذلك لم تحدد موعداً لإجراء الانتخابات.
وقد دعا زهران مؤسس تيار الاستقلال جموع المعلمين إلى عمل تفويض إليه وإلى كل من يختارونه في تمثيلهم لسحب الثقة من لجنة تسيير الأعمال داخل نقابة المهن التعليمية.
ولكن هذه الخطوة لم تكن بلا ثمن، فقد تم استدعاء زهران للتحقيق في نيابة أمن الدولة العليا يوم الأربعاء 25 مارس الماضي، في القضية 1813 لسنة 2026، بعد بلاغات من ثلاثة معلمين، اتهموه فيها بنشر أخبار كاذبة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك “لإثارة الفوضى في البلد والنيل من نقابة المعلمين ومؤسسات الدولة” وأوضحت النيابة خلال التحقيق أن تحريات قطاع الأمن الوطني بوزارة الداخلية بشأن البلاغات المذكورة أثبتت صحة الواقعة.
ولكن نيابة أمن الدولة قررت إخلاء سبيل زهران بكفالة عشرة ألف جنيه على ذمة القضية، بعدما اتهمته بإذاعة أخبار وبيانات وشائعات كاذبة خارج وداخل مصر “من شأنها الإضرار بالمصلحة العامة وإضعاف هيبة الدولة”.
استمر التحقيق مع زهران نحو خمس ساعات، ناقشته خلالها النيابة في عمله النقابي الممتد منذ أكثر من 15 سنة وما اتخذه من إجراءات قانونية خلال هذه الفترة، إلى جانب سؤاله حول مقصده من عدد من منشوراته على صفحته الشخصية على “فيسبوك”. وفي نهاية التحقيق سلم زهران ودفاعه للنيابة عشر حوافظ تضم عدد من المستندات التي تثبت عمله النقابي.
جدير بالذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها زهران للملاحقة القانونية على خلفية ممارسته لحقه الدستوري في العمل النقابي والتعبير عن الرأي، إذ سبق وحققت نيابة أمن الدولة العليا مع المعلم النقابي وأمرت بحبسه على ذمة القضية 880 لسنة 2020، والقضية 2123 لسنة 2023 قبل إخلاء سبيله.
زهران بعد أن كان قد لوح باعتزال العمل العام، عاد مجدداً ليستكمل كفاحه وسط المعلمين لانتزاع نقابتهم من براثن الدولة، وسط دعوات بتفويضه ليكون نقيباً للمعلمين.
عسكرة الوظائف
ويواصل النظام وضع الجيش في قلب التعيين المدني. ومنذ خطاب دوري أصدره أمين عام مجلس الوزراء اللواء أسامة سعد في أبريل 2023، بتوجيه رئاسي، صار على كل راغب في التعيين بأي وظيفة حكومية أن يخضع لدورة تأهيل داخل الكلية الحربية لمدة ستة أشهر، كشرط أساسي للتعيين. لم يعد الجهاز المدني للدولة يُوظّف بنفسه؛ بل صار التعيين يمرّ عبر بوابة الجيش.
وفي يناير 2025، فُرضت على القضاة الجدد رسوم تدريب بلغت 112 ألف جنيه للذكور و120 ألف جنيه للإناث مقابل الإقامة والتدريب في الأكاديمية، وصار “الدفع شرطًا للتعيين”، بعبارة الموظف المختص في الأكاديمية لمتدربة استفسرت عن التظلم: “ادفعي الأول وبعدين اشتكي”.
ثم جاء القرار الجمهوري رقم 429 لسنة 2025 ليستبعد قرابة مئة مستشار من الترقية في هيئة قضايا الدولة لعدم اجتيازهم دورة الأكاديمية، ما أدى إلى غضب قضائي واسع، حيث دعا نادي قضاة مصر إلى جمعية عمومية طارئة في 6 فبراير الماضي، وأعلن “حالة الانعقاد الدائم” دفاعاً عن استقلال القضاء.
وفي يناير الماضي استبعدت الأكاديمية العسكرية 179 إمامًا وخطيبًا من “دفعة الإمام حسن العطار” بوزارة الأوقاف، رغم اجتيازهم اختبارات استمرت عامين.
وخرجت دفعات أخرى من مقاعد الكلية الحربية: الملحقون الدبلوماسيون دفعة 57 بوزارة الخارجية، أعضاء هيئة الرقابة الإدارية، مهندسون جدد في وزارتي الري وتخطيط استخدامات أراضي الدولة. وفي يناير الماضي أيضاً، تسرّب توجّه بإلغاء مقابلات التفتيش القضائي لتعيينات النيابة العامة، وإسناد التعيين والترقية بالكامل إلى الأكاديمية العسكرية، مع إلزام المتقدمين بدورة ستة أشهر شرطاً للتعيين.
هذه البنية تعني شيئاً واحداً: الشريحة المهنية، التي كانت تحظى بفضل وظائفها بقدرٍ من الاستقلال المادي والرمزي عن الجهاز الأمني للدولة، باتت اليوم تُستتبع له مباشرة.
والآن، بعد استعراض خارطة الطبيب والصحفي والمهندس والمعلم، يصبح السؤال مشروعاً: لماذا “باتوا أقرب إلى العمال”؟ الإجابة المختصرة هي أنهم كانوا دائماً يعيشون على أجر، وما يجري اليوم هو أن الظروف المادية التي كانت تُغطّي هذه الحقيقة بدأت تتبخر. الأجر الحقيقي تآكل، الضمانات الوظيفية نُزعت، النقابات دُجّنت، وأصبح التعيين الحكومي يمرّ بـ”رسوم إقامة” في الكلية الحربية.
هذه عملية إعادة ضمّ واسعة: إزالة الامتيازات الوسيطة التي كانت تُميّز شريحة كاملة عن بقية العاملين، وإعادتها إلى ما كانت عليه دائماً في حقيقة الأمر.
المهمة السياسية في هذه اللحظة هي بناء أفق يوحّد المطالب: الحد الأدنى للأجور فعلياً لا حبراً على ورق، التعيين كحقّ لا كمنحة، استقلال النقابات عن الجهاز الأمني للدولة، حق التنظيم الجماعي، والحماية من الفصل التعسفي.
وهذه، بالضبط، هي المطالب التي ترفعها كل الاحتجاجات العمالية التي يرصدها الجزء الإحصائي في مقال آخر.
يبقى، إن ما تقدّم لا يدّعي أن المهنيين يقودون الطبقة العاملة. المقال الأوسع، الذي يرصد الاحتجاجات العمالية خلال الشهور الأربعة الأولى من العام الجاري ودوافعها وأشكالها، يضع المهنيين في موضعهم: شريحة تلتحق بموجة أكبر منها بكثير، تنبع من عمق المصانع والمزارع والعشوائيات. لكن وجود هذه الشريحة في الموجة، يعيد تعبيد الفجوة، التي حرصت الأنظمة المتعاقبة على توسيعها بين العمال اليدويين وبين العمال الذهنيين لإضعاف جبهة العاملين بأجر.





