بناء البشر قبل الحجر
ذا سباين مدينتي.. الفقاعة العقارية ووهم النجاة

لا يمكن النظر إلى مشروع The Spine أو ذا سباين، الذي تم طرحه مؤخراً كقمة مشروعات هشام طلعت مصطفى، باعتباره مجرد مشروع عقاري ضخم، أو باعتباره مجرد مبالغة جديدة في ولع السلطة المصرية بالخرسانة. فالمشروع، في جوهره، ليس حدثًا عمرانيًا بل حدث سياسي-اقتصادي؛ تكثيف مكاني لنمط كامل من التراكم الرأسمالي قائم على الديون، والمضاربة، ونزع الملكية. ما يرتفع في الصحراء ليس فقط أبراجًا، بل ما يشبه هرمًا جديدًا من رأس المال الوهمي، يتراكم في قمته الربح وفي قاعدته الدَّين.
من منظور ماركسي، لا يظهر هذا المشروع كاستثناء، بل كمرحلة متقدمة من منطق مألوف: حين يعجز رأس المال عن تحقيق الربحية في الاقتصاد المنتج، يهرب إلى المجال المالي والعقاري، إلى ما وصفه ديفيد هارفي بـ”التثبيت المكاني”، أي استخدام العمران كوعاء لامتصاص أزمات التراكم مؤقتًا. بهذا المعنى لا يمثل ذا سباين تنمية، بل تأجيلًا للأزمة عبر تحويل الأرض نفسها إلى أداة مالية.
- موقع مشروع ذا سباين
المشروع، الذي يُقام شرق القاهرة ضمن امتداد مشروعات “مدينتي” وبالقرب من العاصمة الإدارية الجديدة، يأتي بحجم استثماري ضخم يُقدَّر بنحو 1.4 تريليون جنيه (حوالي 27 مليار دولار)، وهو ما يعادل قرابة 7% من الناتج المحلي الإجمالي لمصر. ووفق ما أُعلن، يمتد المشروع على مساحة تقارب 2.4 مليون متر مربع، ويضم أكثر من 160 برجًا متعدد الاستخدامات، في إطار مدينة متكاملة تجمع بين السكن والخدمات والأنشطة المالية والتجارية. إلا أن الأهم من حجم المشروع نفسه هو الإطار الذي يُبنى داخله؛ إذ يتم تطويره بالشراكة مع البنك الأهلي المصري بحصة تبلغ 24.5%، وضمن نموذج “منطقة استثمارية خاصة” يتيح حزمة من التسهيلات التنظيمية والضريبية لجذب رؤوس الأموال.
بهذا المعنى، لا يمكن فصل المشروع عن البنية التحتية العامة التي أُنشئت خلال السنوات الماضية في شرق القاهرة، من شبكات الطرق إلى مشروعات النقل، والتي موِّلت إلى حد كبير عبر الإنفاق العام والدَّين السيادي. فالمشروع لا يبدأ من الصفر، بل يبني على استثمارات عامة ضخمة ترفع من قيمة الأرض، قبل أن تُترجم هذه القيمة إلى عوائد خاصة.
- صورة اعلانية لمشروع ذا سباين
لا يُطرح المشروع فقط كاستثمار عقاري ضخم، بل كنموذج مؤسسي خاص للتنمية؛ إذ حصل سريعًا على موافقة مبدئية للعمل بنظام “المنطقة الاستثمارية الخاصة”، بما يتيح له حزمة واسعة من الحوافز الضريبية والجمركية والتنظيمية. وتشمل هذه الحوافز خصومات ضريبية قد تصل إلى نسب كبيرة من التكلفة الاستثمارية، إلى جانب تسهيلات في استيراد المعدات، وإمكانية إنشاء دائرة جمركية مستقلة داخل المشروع، فضلًا عن آليات سريعة لاستخراج التراخيص وإدارة التشغيل بشكل شبه منفصل عن البيروقراطية التقليدية.
والأهم أن هذه الامتيازات لا تقف عند حدود الإعفاءات، بل تمتد إلى إمكانية تحمل الدولة جزءًا من تكاليف البنية التحتية والمرافق، وتقديم تسهيلات في سداد قيمة الأراضي قد تصل إلى التأجيل لما بعد التشغيل. كما تضمن الأطر القانونية الحاكمة لهذه المناطق استقرار هذه الحوافز لفترات طويلة، مع صعوبة التراجع عنها لاحقًا. ويحدث هذا في ظل توصيات متكررة من مؤسسات دولية بضرورة تقليص الإعفاءات الضريبية وزيادة كفاءة التحصيل، يبدو هذا النموذج كحالة معاكسة، تعمّق تآكل القاعدة الضريبية بدلًا من توسيعها.
في هذا السياق، لا يبدو المشروع مجرد استثمار خاص يتحمل مخاطره، بل ترتيبًا مؤسسيًا تُعاد من خلاله صياغة العلاقة بين الدولة ورأس المال؛ حيث تُخفَّض الأعباء الضريبية وتُؤمَّن البيئة الاستثمارية لصالح المشروع، بينما تتحمل المالية العامة جزءًا من التكلفة المباشرة وغير المباشرة. وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول توزيع المخاطر والعوائد: من يدفع فعليًا ثمن هذا النموذج، ومن يستفيد منه؟
وهذا هو سر العلاقة العضوية بين هذا المشروع وبين نموذج الديون الذي يحكم الاقتصاد المصري كله. فالدولة تقترض لتشييد بنية تحتية هائلة – محاور، مونوريل، شبكات طاقة، ومدن جديدة – لا تخدم أساسًا إعادة إنتاج المجتمع، بقدر ما ترفع القيمة التبادلية/السوقية لأراضي المطورين. الدَّين العام هنا لا يُستخدم لبناء رفاه اجتماعي، بل لتصنيع ريع خاص. إنها عملية نقل للثروة من العام إلى الخاص عبر وسيط الدولة.
- ابراج العاصمة الادارية الجديدة
لكن هذه ليست مجرد قصة نيوليبرالية بالمعنى التقليدي، بل قصة نمط من الرأسمالية الريعية المُمَولنة، حيث لا يأتي التراكم أساسًا من التوسع الإنتاجي، بل من المضاربة على الأرض، وتدوير الديون، واستخراج الريع عبر التحالف بين الدولة ورأس المال العقاري. في هذا المعنى، لا يبدو كبار المطورين العقاريين مجرد مستثمرين، بل جزءًا من كتلة سلطة أوسع، تتقاطع فيها مصالح البيروقراطية، والمؤسسة العسكرية، ورأس المال الخاص، في نمط يمكن وصفه بـ”التحالف العقاري-العسكري”. ليست الدولة هنا حكمًا بين المصالح، بل طرفًا داخل عملية التراكم نفسها. وهذا ما يفسر لماذا تتحول مشاريع كالعاصمة الإدارية وThe Spine إلى ما يشبه مشاريع دولة، لا مجرد استثمارات خاصة.
هنا يتبدى المشروع كحلقة ضمن اقتصاد ريعي مالي: قروض تمول بنية تحتية، بنية تحتية تولّد مضاربة عقارية، المضاربة تُستخدم كضمان لمزيد من القروض. دائرة مغلقة لا تنتج سوى تضخم الأصول وتضخم المديونية. ويصبح السؤال هنا ماديًا ومباشرًا: من يتحمل تكلفة هذه الدائرة؟ فالمليارات التي تُنفق على البنية التحتية لهذه المشروعات، من طرق ومحاور وشبكات نقل، لا تُموَّل من فراغ، بل من موارد عامة ودين سيادي يتحمله المجتمع ككل. وفي المقابل، لا يوجد ما يضمن أن تتحول هذه الاستثمارات إلى استخدام فعلي أو طلب حقيقي، خاصة في ظل تجربة قائمة بالفعل لمدن ومشروعات تعاني نسب إشغال منخفضة، وملايين الوحدات السكنية المغلقة. فوجود ما يقارب 12.8 مليون وحدة سكنية مغلقة أو شاغرة ليس مجرد رقم إحصائي، بل فضيحة سياسية. فهو يكشف أن الأزمة ليست أزمة إسكان، بل أزمة تحويل السكن إلى أصل للمضاربة. الشقق لا تُبنى ليسكنها الناس، بل لتخزين القيمة في ظل تآكل العملة.
الرأسمالية المصرية لا تبني للبشر؛ إنها تبني للتحوط. ولهذا لا يبدو ظهور يوسف بطرس غالي في هذا المشهد تفصيلًا ثانويًا. عودة الرجل ليست عودة شخص، بل عودة مدرسة كاملة: مدرسة الخصخصة، وتوريق الأصول، وإخضاع المجتمع لمنطق السوق. إنها عودة “الحرس القديم” لا بوصفه ماضيًا، بل باعتباره مستقبلًا يُعاد فرضه. وكأن مشروع جمال مبارك لم يُهزم، بل أعيدت هندسته. لكن ما يميز هذه المرحلة أن النيوليبرالية لم تعد تكتفي ببيع القطاع العام؛ بل باتت تبيع المدينة ذاتها.
وهنا يكمن جوهر ما سماه هارفي التراكم عبر نزع الملكية. فتمويل مدن النخبة الجديدة لا يجري في الفراغ، بل عبر اقتطاع المدينة القائمة. القاهرة التاريخية، بأحيائها ومبانيها التراثية وجباناتها، لا تُهدم رغمًا عن المشروع، بل من أجله. المحاور التي تشق نسيج المدينة، إزالة المقابر التاريخية، تآكل وسط البلد، ليست آثارًا جانبية للتحديث، بل جزء من هندسة تحويل المجال الحضري لصالح التراكم. ويمكن قراءة العديد من هذه المحاور، مثل محور الفردوس وغيره من الطرق السريعة التي تخترق النسيج العمراني القائم، ليس فقط كمشروعات لتخفيف الكثافة المرورية، بل كجزء من شبكة أوسع تهدف إلى ربط المدينة القديمة بمراكز العمران الجديدة شرقًا. بهذا المعنى، لا تعمل هذه الطرق على خدمة الأحياء التي تمر بها بقدر ما تعمل على تسهيل تدفق الحركة والأهم من ذلك رأس المال، نحو مدن النخبة الجديدة.
- هدم جبانات القاهرة التاريخية لعمل طرق ومحاور تخدم شرق القاهرة
بمعنى آخر: تُهدم المدينة التي يعيش فيها الناس لتُموَّل المدينة التي تُباع للمضاربة. فالمونوريل الذي يُقدَّم كرمز للحداثة ليس مجرد وسيلة نقل؛ إنه بنية تحتية لتدفق الريع. والمحاور ليست طرقًا، بل قنوات لتسريع حركة رأس المال نحو الضواحي المغلقة. ليست صدفة أن يُعاد توجيه الموارد العامة إلى هذه الجيوب العمرانية بينما تتآكل البنية الأساسية للأحياء الشعبية. ما يعني عمليًا أن تكلفة هذا النموذج تُوزَّع على المجتمع، بينما تتركز عوائده في يد فاعلين محددين داخل السوق العقاري.
نحن لا نشهد توسعًا عمرانيًا، بل إعادة توزيع طبقي للمجال. ولهذا يصبح ذا سباين ذروة نظام فصل طبقي (أبارتهايد) مكاني: مدينة للأصول، ومدينة للبشر. ولأن هذه العملية لا تُدار بالقوة المادية وحدها، فهي تحتاج إلى غطاء رمزي يشرعنها. هنا تؤدي ناطحات السحاب وظيفة أيديولوجية. البرج لا يُقدَّم كبناء، بل كصورة للمستقبل، والمشهد العمراني يُستخدم بوصفه وعدًا بالتقدم، حتى حين يُبنى هذا “التقدم” فوق دين عام متضخم وتفاوت اجتماعي متسع. لكن هذا بالضبط هو منطق الفقاعة. ولهذا تبدو المقارنة بأزمة 2008 دالة؛ ليس لأن مصر تعيد إنتاج التجربة نفسها حرفيًا، بل لأن المنطق متقارب: تضخم قيم عقارية منفصلة عن الاقتصاد الحقيقي، توسع يقوم على الائتمان، وإيمان بأن أسعار الأصول يمكنها الصعود إلى ما لا نهاية. وهي أوهام مألوفة في تاريخ الرأسمالية.
- مشروع المونوريل اثناء التشغيل التجريبي
في هذا المعنى، قد لا يكون ذا سباين علامة قوة، بقدر ما يكون التعبير الأقصى عن تناقضات نموذج اقتصادي يحاول الهروب من أزماته بإعادة تدويرها في شكل عقارات. فكلما ارتفعت قيمة الأرض بسبب المضاربة فقط، ابتعد العمران أكثر عن وظيفته الاجتماعية. وكلما تمددت مدن النخبة، اتسعت المسافة بينها وبين المدينة التي يعيش فيها معظم الناس. وهنا يظهر التناقض الذي لا تستطيع الخرسانة إخفاءه. المشروع الذي يُسوَّق باعتباره مستقبلًا قد يكون محاولة لتأجيل مواجهة الحاضر.
من هنا يبدو المشروع على النقيض من أن يكون عمود فقري لمصر جديدة، فهو على الأرجح هرم ديون جديد، ذروة نموذج يرى في الأرض ضمانًا ماليًا، وفي المدينة أصلًا استثماريًا.
لكن المدن ليست محافظ استثمار. والمدينة، كما أصر لوفيفر، ليست ما ينتجه المطورون، بل ما يصنعه سكانها بحقهم فيها. ولهذا فالسؤال الحقيقي ليس كم سيبلغ ارتفاع الأبراج، بل إلى أي مدى يمكن لتحالف الريع والدَّين والسلطة أن يستمر قبل أن يصطدم بحدوده التاريخية.
لن تُقرأ هذه الأبراج اليوم بوصفها رموزًا للصعود بل سيُنظر إليها غدًا باعتبارها آثار مرحلة راهنت على قيمة الأرض أكثر مما راهنت على البشر.





