بعد واقعة "الوزير" والمهندس
أين دور نقيب تيار الاستقلال من عسكرة العمل الهندسي؟
خرج علينا الفريق كامل الوزير وزير النقل والمواصلات أول أمس أمام كاميرات التلفزيون المصري مفتتحًا محورًا جديدًا في أسيوط، ما فعله من إهانة وتوبيخ لأحد مهندسين مشروع محور دريوط لم يكن زلة لحظية ولا انفعالًا عارضًا. بل كان إعلانًا أمام الملايين عن مدى إحتقاره للمهنيين المدنيين، قال لمهندس شاب “امشي” خمس مرات متتالية ثم خرج ليفسر ما فعله ب “منطق الأب وأبنائه” أو بشكل أوضح “منطق الضابط وجنوده”. هذا ليس غضبًا، هذا إعلان تم تأكيده مئات وآلاف المرات عن هوية وعن علاقة السلطة بالمجتمع.
هذا الوزير نفسه هو من وقف أمام كاميرات الأمة عقب كارثة قطاري سوهاج التي قتلت 19 مصريًا وأصابت 185، واعترف بأنه هو شخصيًا من أعطى السائقين تعليمات بتعطيل نظام الأمان الإلكتروني تفاديًا للتأخير في المواعيد، ثم طالب المصريين في المؤتمر الصحفي ذاته بأن “يستحملوه” حتى ينتهي التطوير، وانتهز الفرصة لمناشدة الباعة الجائلين بالالتزام بالضوابط، في اللحظة التي كانت فيها الجثث تُنتشل من بين الحديد المتشابك. وبعد حادث الطريق الإقليمي الذي أودى بحياة 19 فتاة في ريعان شبابهن، خرج ليُعلن بلا اكتراث أنه “مش هسيبها وامشي، أنا فيها لغاية ما أموت”.
نحن لا نُناقش هنا كفاءة وزير، ولا نُحاكم خطأ مهندس. نحن نُسجّل، للتاريخ وللرأي العام، أن إهانة عاملٍ أمام الكاميرات جريمة أخلاقية ومهنية لا يُسوّغها أي مبرر، وأن تغليفها بخطاب “التعليم” و”التحفيز” لا يزيدها إلا فضاحة. ونُسجّل كذلك أن الصمت عنها ليس حيادًا، الصمت عنها تواطؤ.
لهذا تتوجه حركة الاشتراكيين الثوريين بهذا البيان مباشرةً إلى نقابة المهندسين العامة وإلى نقيبها الجديد الدكتور محمد عبد الغني. الدكتور عبد الغني خاض انتخاباته أمام عشرات الآلاف من المهندسين على قاعدة واحدة واضحة: أن كرامة المهندس حق أصيل لا يقبل التأجيل، وأن الاستقلال النقابي الحقيقي يعني الوقوف في وجه الوصاية أيًا كان مصدرها ومهما علت رتبتها. هذه الكلمات لم تُقَل في قاعة مغلقة، قِيلت وعدًا أمام الجمعية العمومية، وصوّت عليها المهندسون. واليوم حان موعد الوفاء بها.
نطالب النقابة العامة للمهندسين بإصدار بيان رسمي يستنكر ما جرى، ويُؤكد بلا مواربة أن كرامة المهندس في موقع عمله خط أحمر لا يتجاوزه وزير ولا فريق ولا غيرهما. ونطالب الدكتور عبد الغني شخصيًا بأن يجعل من هذه الواقعة قضية نقابية بامتياز. لأن النقابة المستقلة التي صوّت لها المهندسون لا تُقاس بما تقوله في اللحظات الآمنة، تُقاس بما تفعله في اللحظات الصعبة. وهذه بكل وضوح لحظة صعبة.





