بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

بسبب الاستبداد

تقرير عربي: النقابات العمالية وصلت لمرحلة “الموت السريري”

أصدر الاتحاد العربي للنقابات تقريره السنوي للعام 2025 تحت عنوان “المؤشر العربي للحريات النقابية”، كاشفاً عن منظومة متكاملة من الانتهاكات الممنهجة بحق حقوق العمال ونقاباتهم عبر المنطقة العربية. لا تُقرأ هذه الأرقام بوصفها إحصاءات جافة، بل بوصفها شهادة موثّقة على أزمة بنيوية عميقة تعصف بحق التنظيم النقابي في سياقات سياسية واقتصادية متباينة، لكنها متشابهة في نتائجها القمعية.

يُفصح التقرير في رقمه الأول أن 73% من الدول العربية شهدت حالات طرد تعسفي للنقابيين بسبب نشاطهم، وهو رقم يكشف أن الانتماء النقابي بات في حد ذاته سبباً كافياً لإنهاء مسيرة العامل المهنية. يُضاف إلى ذلك أن 67% من هذه الدول تلجأ إلى القضاء أو القوانين الجنائية لملاحقة النقابيين، في توظيف صريح للمنظومة القانونية أداةً للقمع بدلاً من العدالة.

وفي امتداد لهذا النهج، يرصد التقرير أن نصف الدول العربية تستخدم قوانين الجرائم الإلكترونية لملاحقة النقابيين بسبب منشوراتهم وتصريحاتهم، مُجرِّمةً بذلك حق التعبير بوصفه خطراً أمنياً لا رأياً مشروعاً. هذا التوظيف الممنهج للتشريع يُحوّل دولة القانون إلى أداة في يد السلطة لإسكات أصوات العمال.

على مستوى البنية التنظيمية، يُثبت التقرير أن أكثر من نصف الدول العربية لا تسمح بحرية التنظيم النقابي الكامل، وأن 60% منها تفرض قيوداً قانونية أو إجرائية صريحة على حق الإضراب، وهو حق يُمثّل الأداة الأساسية التي يملكها العامل في مواجهة رأس المال. أما ثلثا الدول العربية فتشهد تدخلاً حكومياً مباشراً في شؤون النقابات، يتجاوز الإشراف التنظيمي إلى الهيمنة والتوجيه.

يتجلى البُعد الاجتماعي للأزمة في أن أكثر من 70% من العمال في بعض الدول العربية يعملون خارج نطاق الحماية النقابية والضمان الاجتماعي، وهو ما يعني أن هؤلاء يواجهون ظروف العمل القاسية دون أي سند قانوني أو تنظيمي. ويبلغ هذا الواقع ذروته المأساوية في دول النزاع العربية، حيث يقترب العمل النقابي، وفق عبارة التقرير، من الموت السريري، في ظل انهيار المؤسسات وتصاعد العنف.

من أبرز ما يسجّله التقرير أن الحق النقابي في المنطقة العربية بات في كثير من الحالات حقاً دستورياً بلا تطبيق فعلي، وهي مفارقة تعكس الهوّة الواسعة بين الخطاب القانوني الرسمي والممارسة السياسية الفعلية. الدساتير تُقرّ بالحق، والتشريعات الفرعية والممارسات التنفيذية تنقضه.

ولا تنفصل مصر عن المشهد العربي العام الذي يرصده التقرير، بل تُمثّل في كثير من ملامحه نموذجاً مكثّفاً له. فعلى الرغم من أن الدستور المصري يكفل حق تكوين النقابات والانضمام إليها، يظل الواقع العملي محكوماً بمنظومة تشريعية مقيِّدة، في مقدمتها قانون النقابات العمالية رقم 213 لسنة 2017 وتعديلاته، الذي يمنح وزارة القوى العاملة صلاحيات واسعة في الإشراف على النقابات وتشكيلها، مما يُفضي عملياً إلى هيمنة الاتحاد العام لنقابات عمال مصر — الكيان الرسمي الموالي للدولة — على المشهد النقابي بأسره. وقد واجهت النقابات المستقلة التي نشأت في أعقاب ثورة يناير 2011 موجات متعاقبة من الضغط القانوني والإداري، حدّت من قدرتها على التوسع والتأثير. ويتقاطع الوضع المصري مع مؤشرات التقرير بوضوح: توظيف القضاء لملاحقة الناشطين العماليين، وتقييد حق الإضراب في القطاعات الاستراتيجية، فضلاً عن اتساع القطاع غير الرسمي الذي يضم ملايين العمال خارج أي مظلة نقابية أو تأمينية. في هذا السياق، تغدو الأرقام الواردة في المؤشر العربي 2025 انعكاساً أميناً لتجربة العامل المصري الذي يجد نفسه محاصراً بين دستور يعده بالحماية وواقع يحرمه منها.

وختاما، تُشكّل أرقام هذا التقرير صورة متكاملة عن منطقة تعاني فيها الحركة العمالية من حصار ممنهج على مستويات متعددة: قانوني، وأمني، وهيكلي، واجتماعي. ومع تسجيل آلاف التحركات الاحتجاجية العمالية في بعض البلدان خلال عام واحد، يتضح أن هذا القمع لا يُخمد الحراك، بل يُؤجّج التوتر الاجتماعي. المطلوب مواصلة الكفاح العمالي المنفتح على كل قوى المجتمع من أجل للضغط من أجل إصلاح تشريعي جوهري يُعيد للعمال حقوقهم المكفولة دولياً، لا استمرار منظومة تحوّل النضال النقابي المشروع إلى جريمة يُعاقب عليها القانون.