بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لماذا نحمل الراية الحمراء؟

في عام 1913، وقبل عامين من إعدامه على يد سلطات ولاية يوتا الأمريكية إثر قضية ملفقة، كتب المناضل العمالي جو هيل أغنيته الشهيرة: «هل سأصبح يومًا جنديًا؟». وجاء في لازمتها:

إن أصبحتُ يومًا جنديًا
فسأقاتل تحت الراية الحمراء،
وإن حملتُ السلاح يومًا،
فسيكون لتحطيم جبروت الطغاة.

كان جو هيل، ومعه اتحاد «العمال الصناعيين في العالم» الذي انتمى إليه، يعتبران الراية الحمراء رمزًا للاشتراكية الأممية، ودلالةً على أن الدم ذاته يجري في عروق البشرية جمعاء. وقد جاءت الأغنية في زمن يشبه إلى حد بعيد عالمنا الراهن؛ زمن تصاعد التوترات الإمبريالية واقتراب العالم من حرب مدمّرة. ففي غضون سنوات قليلة، كان الملايين من أبناء الطبقة العاملة سيُساقون إلى مذابح حرب الخنادق خلال الحرب العالمية الأولى. أما “الحريات الوطنية” التي طالبت الدول المتحاربة العمال بالتضحية من أجلها، فقد انتهت إلى معسكرات اعتقال، ورقابة مشددة، وتجنيد إجباري.

وفي خضم ذلك الرعب الشامل، تحولت الراية الحمراء إلى رمز للأمل بالنسبة لعمال العالم. فعلى عكس الأعلام القومية التي تُقسّم البشر وتُخاض تحتها الحروب الإمبريالية، أصبحت الراية الحمراء التعبير الأوضح عن رفض العمال للنزعات القومية وتبنيهم لفكرة التضامن الأممي. ففي بتروغراد، وريغا، وهلسنكي، وفيينا، وبراغ، وبودابست، وكذلك في كيل وبرلين، ارتفعت الراية الحمراء بوصفها شعار التمرد العمالي ضد المذبحة الإنسانية الكبرى.

كما رُفعت الراية الحمراء في أستراليا، حيث أعادت الصحف العمالية نشر قصة البحّارة الألمان الذين رفعوا الراية الحمراء في نوفمبر/تشرين الثاني 1918، مدفوعين بما وصفوه بـ«الروح العمالية وروح العدالة»، ورفضوا الاستمرار في تنفيذ الأوامر العسكرية، الأمر الذي أنقذ آلاف الأرواح على جانبي الحرب وأسهم في إنهاء الحرب العالمية الأولى.

وفي الوقت الذي استلهم فيه العمال الأستراليون الثورة الروسية ورفعوا الراية الحمراء فوق مقرات النقابات في مختلف أنحاء البلاد، قامت الحكومة الأسترالية بتجريم رفعها، وفرضت عقوبات تصل إلى السجن ستة أشهر بحق من يرفعها. وقد سُجن عشرات الاشتراكيين بسبب ذلك، كما تم ترحيل ناشطين من أصول روسية، بينما مارست جماعات يمينية متطرفة وإعلام تحريضي حملات عنف وتحريض ضد النقابيين والاشتراكيين المناهضين للحرب.

ولأن الراية الحمراء ترمز إلى تجاوز الانقسامات القومية، فقد أثارت دومًا غضب الطبقات الحاكمة وعدائها الهستيري. وكما قال الاشتراكي الأمريكي يوجين دِبس: «إن الراية الحمراء تُحدث في الطغاة الأثر ذاته الذي يحدثه اللون الأحمر في الثور الهائج».

ورغم أن بعض المؤرخين يربطون الراية الحمراء بجذور تاريخية أقدم، فإن حضورها السياسي الحديث يعود إلى الثورة الفرنسية عام 1789. ووفقًا للاشتراكي الفرنسي جان جوريس، فقد رُفعت الراية الحمراء بدايةً من قبل الحكومة الملكية المعتدلة عام 1791 كإشارة إلى فرض الأحكام العرفية. لكن بعد عام واحد فقط، حملها عمال باريس الثائرون و«السان كيلوت» باعتبارها رمزًا لـ«الأحكام العرفية التي يفرضها الشعب صاحب السيادة ضد تمرد السلطة التنفيذية»، أي ضد تآمر الملك الفرنسي مع القوى الأجنبية لإجهاض الثورة. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الراية الحمراء «راية الشعب».

وفي عام 1831، سار عمال مناجم الفحم في مدينة ميرثر الويلزية خلف الراية الحمراء احتجاجًا على خفض أجورهم. وقد قُتل أربعة وعشرون عاملًا على يد الجيش، فيما أُعدم آخرون أو نُفوا إلى أستراليا. أما وزير الداخلية البريطاني الذي أشرف على قمع الانتفاضة، فكان اللورد ملبورن، الذي حملت إحدى المدن الأسترالية لاحقًا اسمه.

ثم عادت الراية الحمراء لتتقدم نضالات الحرية والعدالة والسلام في كومونة باريس عام 1871، وفي الصين عام 1927، وخلال انتفاضات عام 1968 التي اجتاحت أنحاء العالم. وخلال الإضرابات العامة الأخيرة في إيطاليا وإسبانيا واليونان، رُفعت الراية الحمراء للمطالبة بوقف الإبادة الإسرائيلية في فلسطين، وللتصدي لصعود اليمين المتطرف.

وفي مختلف أنحاء العالم، يواصل الاشتراكيون رفع الراية الحمراء بوصفها امتدادًا لتقليد التحرر الذاتي للطبقة العاملة. فعندما نناضل من أجل فلسطين، وضد سباقات التسلح والحروب، ومن أجل الأجور العادلة والسكن العام، فإن الراية الحمراء ترمز إلى أن معاركنا ليست معارك منفصلة، بل جزء من نضال عالمي من أجل إنسانية مشتركة، ومن أجل إنهاء نظام طبقي يقوم على الكراهية والجشع والخوف.

*المقال مترجم من جريدة الراية الحمراء الأسترالية