يا الدفع.. يا وقف الصيد
صيادو بحيرة ناصر يرفضون اتاوة “مستقبل مصر”

منذ انتهاء موسم الحظر الرسمي للصيد في الخامس عشر من مايو، يرابط مئات الصيادين في موانئ بحيرة ناصر بلا تراخيص، وبلا دخل، في انتظار بروتوكول يرفضونه جملةً وتفصيلاً. الأزمة التي كشف تفاصيلها تحقيق «زاوية ثالثة» تعكس نمطاً متكرراً من استيلاء الكيانات العسكرية على قطاعات إنتاجية يشغلها منتجون مستقلون، ومصادرة فائضهم دون تحمل أي تكاليف إنتاجية.
جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة»، المُنشأ بقرار رئاسي رقم 591 لسنة 2022، والتابع للقوات الجوية المصرية، استلم إدارة بحيرة ناصر خلفاً لشركة «مصر أسوان لتصنيع الأسماك» في نهاية عام 2024، بعد انسحاب 14 جهة حكومية من تملكها وتحويلها إلى صندوق مصر السيادي. وبموجب قرار رئيس الوزراء رقم 1797 لسنة 2025، أضيف الجهاز إلى عضوية اللجنة التنسيقية الدائمة للترخيص بممارسة الأنشطة في البحيرة، ليُصبح شريكاً إلزامياً في كل عملية صيد.
البروتوكول الذي يُصرّ الجهاز على توقيعه ينص على:
– 40% من صافي قيمة الأسماك لجهاز «مستقبل مصر»
– 20% لطرف وسيط (مسوّق)
– 40% فقط تبقى للصياد صاحب الرخصة والمركب والشباك والعمال
ويأتي هذا الاقتطاع، وفق تصريحات كبار الصيادين لـ«زاوية ثالثة»، دون أن يتحمل الجهاز أي تكاليف تشغيل. لا وقود، ولا صيانة، ولا أجور عمال. ورفض 234 صياداً من أصحاب الرخص الموروثة التوقيع على البروتوكول، فجاء الرد بتجميد تجديد نحو 2800 رخصة صيد بعد انتهاء موسم الحظر رسمياً، في استخدام سلطة الترخيص أداةً للإخضاع.
إسقاط البروتوكول المقترح على الاقتصاديات اليومية للصياد يكشف حجم الاستخلاص الريعي. متوسط إنتاج المركب الواحد يتراوح بين 30 و50 كيلوجراماً يومياً بسعر بيع من 30 إلى 55 جنيهاً، ليبلغ صافي دخل الصياد بعد كل التكاليف ما بين 200 و250 جنيهاً يومياً. اقتطاع %40 من هذا الدخل لصالح جهة عسكرية لا تُشارك في أي من تكاليف الإنتاج يعني أن الصياد سيحصل فعلياً على نحو 120 جنيهاً فقط في ظروف معيشية تفتقر إلى الكهرباء والرعاية الصحية وتغطية شبكات المحمول، وسط مخاطر طبيعية من تماسيح وثعابين وعقارب.
وهذا الإفقار يأتي فوق ضغط يستمر سنوياً من مارس إلى مايو بلا أي دخل خلال موسم حظر الصيد، في منطقة حدودية تغيب عنها أبسط شبكات الحماية الاجتماعية.
الكيان العسكري يستخدم سلطة الدولة وأدواتها من قرارات رئاسية، وقرارات مجلس الوزراء لانتزاع حق إلزامي في فائض القيمة المنتَج من قِبل عمال مستقلين موروثة لديهم وسائل الإنتاج من مراكب، وشباك، وحقوق تاريخية.
ما الذي يُنتجه «مستقبل مصر» هنا بالضبط؟ لا شيء. فهو لم يُنشئ مصانع تصنيع، ولا مفرخات، ولا بنية لوجيستية فعلية لصيادي البحيرة بحسب ما أكده الصيادون أنفسهم. ما يملكه الجهاز ليس رأس مال إنتاجي بل سلطة ترخيص وإدارة مستمدة من القرار الرئاسي.
يستحضر هذا النمط في التاريخ المصري لحظتَي نقيض: الأولى هي دولة عبد الناصر التي أنشئت الجمعيات التعاونية لصيادي بحيرة ناصر وحمتها بنصوص دستورية (المادة 37 التي يتمسك بها الصيادون اليوم)، والثانية هي إعادة التقسيم عام 2004 التي فتحت البوابة لرجال الحزب الوطني للاستيلاء على مناطق الصيد. «مستقبل مصر» ليس أكثر من تكرار مؤسسي لهذا النهج، لكن بعباءة “الأمن القومي” و”التنمية المستدامة” بدلاً من الشبكات الحزبية.
اليوم يستعد الصيادون للتصعيد على مسارين متوازيين: رفع دعاوى قضائية أمام مجلس الدولة دفاعاً عن تراخيصهم الموروثة، وتكثيف الضغط البرلماني عبر تواصلهم مع عدد من النواب، وإن كان نقيب الصيادين في أسوان إسماعيل الحجاجي اكتفى بتعليق مبهم بأن “الأمور في طريقها للحل”، فيما رفض نقيب عمال الزراعة والصيد أن يقول أي شيء.
غياب صوت النقابات الرسمية في هذه الأزمة ليس مفاجئاً، بل هو أحد أشد عوامل ضعف العمال المصريين في مناخ عمل نقابات لا تمثل العمال في مواجهة رأس المال، بل تُشكّل جزءاً من منظومة الضبط والسيطرة. وهذا بالضبط ما يجعل استجابة الصيادين الجماعية المستقلة عبر جمعياتهم التعاونية نقطة مقاومة حقيقية تستحق الدعم.





