بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بروفات ثورية (3) | إيران 1979: هل انتصرت الثورة أم الإسلام السياسي؟

« السابق التالي »

الثورة الصاعدة

مع تعمّق الأزمة الاقتصادية، تجددت المعارضة الشعبية. فابتداءً من أوائل صيف عام 1977، دفعت موجات متتالية من المظاهرات والإضرابات الجماهير الإيرانية إلى الأمام، وفي كل مرحلة كانت تُعمِّق الحركة الثورية وتُعزِّز أساليب نضالها. لقد أصبح نظام الشاه غير محتمل. وبدأ الناس يكسرون الحواجز التي تفصلهم عن الحياة السياسية، ويضعون الأسس الأولى لنظام اجتماعي جديد.

بدأت المظاهرات في يونيو 1977 بمسيرة سلمية لسكان الأحياء العشوائية في طهران. وكان الجيش، تنفيذًا لقرارات تخطيط المدينة، قد دخل لهدم منازلهم بالجرافات. فأطلقت قوات الشاه والشرطة النار على المتظاهرين وقتلت عددًا كبيرًا منهم.

في الشهر السابق، أصدر خمسون محاميًا بيانًا علنيًا احتجاجًا على تدخل السلطة التنفيذية في الشؤون القضائية. وفي يونيو، دعا أربعون كاتبًا إلى حرية التعبير وإلغاء الرقابة. وفي يوليو، وجّهت مجموعة من المثقفين رسالة مفتوحة إلى الشاه تطالبه بإنهاء الاستبداد. وبدأ سيل متزايد من المقالات والمنشورات والنشرات يتداول علنًا.

مثّلت هذه الأنشطة نقطة تحوّل في الحياة السياسية للبلاد. فحتى ذلك الحين، كانت الاحتجاجات تقتصر على إضرابات معزولة وأعمال تخريب في المصانع، أو هجمات من مجموعات حرب عصابات في المدن، أو احتجاجات طلاب ومثقفين في الخارج. وبعد فترة طويلة كان فيها جهاز السافاك يقمع المعارضين بلا رحمة داخل إيران وخارجها، بدأت المعارضة تستعيد حياتها. وأصبح رفض الشاه يُعبَّر عنه الآن بصوت عالٍ وواضح في كل مكان.

تحت هذه الضغوط، أطلق النظام «برنامج تحرير» على أمل تخفيف التوتر. واستمر السافاك في مراقبة الحركات المختلفة عن كثب، لكنه خفّف من مضايقاته المباشرة. كما حدث تخفيف طفيف للرقابة. لكن مع كل تنازل، كانت المعارضة تزداد قوة. وكان الخميني، وهو لا يزال في المنفى، يبعث برسائل دعم من النجف، المدينة المقدسة في العراق، تُوزَّع بين الناس عبر أشرطة كاسيت مُهرَّبة.

في أوائل نوفمبر 1977، نظمت رابطة الكُتّاب سلسلة من أمسيات الشعر العامة، حضرها كل ليلة ما بين 10,000 و20,000 شخص. وفي الليلة العاشرة حاولت الشرطة تفريق التجمع، فتحولت الأمسية فورًا إلى مظاهرة جماهيرية تهتف ضد النظام. وقُتل كثيرون في الاشتباكات اللاحقة مع الشرطة.

وفي 6 ديسمبر، جرت مظاهرة جماهيرية أخرى للاحتفال بيوم الطالب (16 آذرـ يوم الطلبة الغير رسمي)، وقُتل خلالها المزيد. وبدا أن السافاك لم يعد قادرًا على ترهيب المحتجين، في حين كان «برنامج التحرير» نفسه يحفّز النشاط السياسي ضد النظام.

وفي الشهر نفسه، زار الرئيس الأمريكي كارتر الشاه في طهران. وقبل وصوله بيومين، أُغلِق الطريق السريع من مطار مهرآباد إلى قصر الشاه، واحتلت الشرطة جميع المنازل والشقق على طول الطريق. وفي نهاية زيارته، صرّح كارتر للصحفيين بأنه «يُعجب بالتقدم السريع لإيران وبالملك المستنير الذي يتمتع بثقة شعبه الكاملة».

في منتصف يناير 1978، عشية شهر محرّم، دعا الخميني من منفاه رجال الدين والمؤمنين إلى الاحتجاج ضد القمع. وعندما نُظِّمت مظاهرة في مدينة قم المقدسة، هاجمتها الشرطة والجيش وقتلوا عدة أشخاص. وأدى ذلك إلى سلسلة جديدة من الاحتجاجات كل أربعين يومًا، وفقًا للتقليد الإسلامي الإيراني في إحياء ذكرى الموتى بعد أربعين يومًا. وبما أن كل مظاهرة كانت تخلّف ضحايا جدد، تكررت الاحتجاجات بهذا الإيقاع المنتظم.

في هذه الأثناء، كانت الحركة الثورية تنتشر بسرعة بين قواها المختلفة: العمال الصناعيون، الفقراء في المدن، الطلاب والمثقفون من الطبقة الوسطى الحديثة، ورجال الدين وأنصارهم من الطبقة الوسطى التقليدية في البازار.

في تبريز، إحدى المدن الصناعية الرئيسية وعاصمة أذربيجان، في فبراير 1978، ردّ المتظاهرون لأول مرة على هجوم الشرطة، بعد أن قُتل طلاب شباب. هاجم المتظاهرون، وهم يهتفون «الموت للشاه»، مراكز الشرطة ومقار حزب «النهضة» الرسمي، والبنوك، والفنادق الفاخرة، ودور السينما المخصصة لعرض أفلام جنسية. وكان كثير من هذه المنشآت مملوكًا للشاه وعائلته.

في مواجهة المعارضة المتزايدة، حاول النظام بناء قاعدة اجتماعية جديدة عبر تبنّي سياسات لصالح البرجوازية الصغيرة من البازار ورجال الدين. فأُوقفت «حرب مكافحة التضخم» ضد صغار التجار، وتخلّت الحكومة عن خطط إنشاء أسواق حكومية ضخمة، واعتذرت لرجال الدين لهجومها على منازل بعضهم وتعديها على بعض الاحتجاجات الدينية، وأعلنت حظر الأفلام الإباحية. بدأ الشاه والإمبراطورة سلسلة من الزيارات العلنية إلى الأماكن الدينية، بينما نشرت وسائل إعلامهما صوراً لهما وهما يصلّيان، حيث كانت الإمبراطورة ترتدي الشادور (الحجاب الإسلامي الطويل).

في عام 1971، احتفالاً بمرور 2500 عام على الملكية، كان الشاه أمر بإلغاء التقويم الإسلامي واستبداله بتقويم ملكي؛ أما الآن، في عام 1978، تم التراجع عن هذا القرار لاسترضاء رجال الدين. وأُطلق سراح رجال الدين رفيعي المستوى الذين كانوا قيد الاعتقال منذ أوائل الستينيات.

أمر الشاه بخفض الدعم المقدمة لحزبه «النهضة». وأغلق 57 كازينو للمقامرة مملوكة لمؤسسة بهلوي (الأسرة الملكية)، وأرسل أفراد أسرته الأكثر فسادًا بشكل علني  في إجازات طويلة إلى الخارج. لتهدئة المتطرفين الإسلاميين، ألغى منصب وزير شؤون المرأة في الحكومة، واستبدله بوزارة الشؤون الدينية. وكتنازل محدد للخميني، أطلق حملة ضد الديانة البهائية، وأمر الشرطة بشن هجمات على القوميين الليبراليين في الجبهة الوطنية، وأحزاب اليسار والمثقفين. وداهمت سافاك منازلهم، وضربتهم وهاجمت  اجتماعاتهم.

كان هدف الشاه هو تقسيم قوى المعارضة لنظامه. وفي مقابلة أجريت في 26 يونيو 1978، أعلن:  «لا أحد يستطيع الإطاحة بي. لدي دعم 700 ألف جندي، ومعظم الشعب، وجميع العمال… ونأمل أن نصبح في غضون عشر سنوات كما هي أوروبا اليوم…» ونأمل أن نصبح في غضون عشرين عاماً أمة متقدمة بالكامل.[1]

مع ازدياد قوة الحركة المناهضة لنظام الشاه، سعى الخميني إلى تحقيق أقصى استفادة منها. فقد تم سحق الجبهة الوطنية وحزب توده بعد انقلاب عام 1953. وقد شنت المنظمات الفدائية عمليات مسلحة بين عامي 1971 و1975، لكن النظام هزمها هي الأخرى. وكان شريعتي، الذي تضمنت أفكاره عناصر من الإسلام والليبرالية والفانونية والماركسية، قد لعب دوراً مهماً باعتباره وصفه بؤرة جذب للمعارضة، خاصة وأن النظام كان دائماً أكثر تسامحاً مع خصومه الدينيين مما كان مع خصومه اليساريين. بعد وفاة شريعتي، تمكن الخميني من كسب أتباعه، الذين رأوا فيه من يقبل النسخة الليبرالية للإسلام التي نادى بها شريعتي. نفى الخميني أن يكون لديه أو لدى أي رجل دين آخر أي رغبة في حكم إيران، ووافق على أنه يجب أن تكون هناك جمعية تأسيسية منتخبة بحرية  لصياغة دستور جديد بعد رحيل الشاه،  وأعلن أنه – بما أن النساء والرجال متساوون في عيون الإسلام – يجب أن يكون للنساء الحق في التصويت وأن يتمتعن بحقوق متساوية مع الرجال.

في أوائل نوفمبر 1978، غادر طهران كلا من كريم سنجابي ومهدي بازارغام،  قائدا «الجبهة الوطنية» و«حركة التحرير» الإيرانية على التوالي، وهي هيئة أنشئت عام 1961 على يد أنصار د. مصدق الدينيين وأنصار «الجبهة الوطنية»، للانضمام إلى الخميني في  باريس. وهناك أعلنا تحالفهما الصريح مع الخميني وصرحا بأن «الحركات الجماهيرية التي شهدها العام الماضي أظهرت أن الشعب يتبع آية الله الخميني وأنه يريد استبدال الملكية بنظام حكم إسلامي».[2]

أما التنظيمات الفدائية، التي تكبدت خسائر فادحة بسبب تعذيب وقتل أعضائها في سجون الشاه، فقد قامت بتغيير تكتيكاتها. ففي إيران، تبنى المتعاطفون معها العديد من أفكار شريعتي، أما في الخارج، فقد كثفوا أنشطتهم ضمن الحركة الطلابية. وعندما أجبرت الحركة الجماهيرية، في أواخر عام 1978، النظام على الإفراج عن العديد من السجناء السياسيين، تحركت التنظيمات الفدائية إلى العمل، وجندت أعضاء جدد، ونشرت منشورات وصحفاً وقاتلت جيش الشاه والشرطة. وفي الوقت نفسه، وبما أنها لم تكن قد بنت أي قاعدة بين العمال وفقراء المدن في السنوات الأولى من نشاطها الفدائي، فقد قبلت هي الأخرى قيادة الخميني. بدأ الخميني الآن في إصدار دعوات للإطاحة بالشاه والنظام الملكي برمته.

[1]   مجلة يو إس نيوز آند وورلد ريبورت، 26 يونيو 1978، مقتبسة في فريدون هويدا، سقوط الشاه (لندن 1979)، صفحة 6.

[2]. أبراهاميان، مصدر سبق ذكره، الصفحة 520.

« السابق التالي »