بروفات ثورية (3) | إيران 1979: هل انتصرت الثورة أم الإسلام السياسي؟
أُجبِر الشاه في السادس عشر من يناير عام 1979 على مغادرة إيران بعد ثمانية عشر شهرًا من الصراع المرير. ضجت الاحتفالات إثر رحيله وأحدث حالة من الابتهاج الشعبي. ووقف الناس محتشدين في الشوارع لحظة بث الإذاعة الرسمية للخبر، وهم يهتفون “شاه راف” (رحل الشاه). تعانق الغرباء، وأطلقت السيارات أبواقها فرحًا. كما قدمت محال الحلويات الحلوى للحشود احتفالًا بهذه المناسبة، وفق العادات الإيرانية القديمة.
اختلط الحشود مع الجنود، وألقت عليهم الزهور؛ وناشدوهم “لا تقتلوا إخوانكم وأخواتكم”. وبكى الجنود (ذوي التجنيد الإلزامي) – معظمهم من الفلاحين- وعانقوا الناس من حولهم. وأسقط المتظاهرون تماثيل الشاه ووالده.
في محاولة أخيرة لإنقاذ النظام الملكي، أصبح شابور بختيار العضو في الجبهة الوطنية القديمة رئيسًا للوزراء. لكنّ البلاد بأكملها رفضت الاعتراف به؛ وخرجت مظاهرات حاشدة على الفور تطالب باستقالته. وفي الوقت نفسه، كان ضباط الجيش يناقشون سرًا مع مستشاريهم الأمريكيين إمكانية القيام بانقلاب عسكري.
عاد آية الله الخميني في الأول من فبراير، من منفاه الأخير في باريس. وبعد خمسة أيام، أعلن نفسه رئيسًا للسلطة، وأصدر مرسومًا بتعيين مهدي بازركان وزيرًا للجمهورية. كان بازركان عضوًا بارزًا في حركة التحرير والجبهة الوطنية. وفي ذات السياق الزمني، شكّل الخميني مجلسًا ثوريًا سريًا، ضمّ عددًا من رجال الدين، بالإضافة إلى أعضاء من الجبهة الوطنية وحركة التحرير، للتفاوض مع رئيس أركان الجيش.
وجد ضباط الجيش، الذين اهتزت ثقتهم برحيل الشاه، أنهم يفقدون دعم الجنود العاديين. كما شعروا بالضيق أيضًا لرحيل الجنرال الأمريكي روبرت هويزر، نائب قائد قوات الناتو، الذي غادر إيران في الثامن من فبراير بعد شهر من المفاوضات مع قيادة الجيش، أثناهم فيها عن محاولات الانقلاب. في هذه الأثناء، نصحت واشنطن الشاه بأخذ إجازة طويلة خارج البلاد. وبات جليًا للولايات المتحدة الأمريكية آنذاك، أنه لمواجهة الحركة الثورية، وإذا أرادوا حماية مصالحهم في إيران، فما عاد بإمكانهم الاستمرار في دعم الشاه. وحينها أعلنت أمريكا – على أمل الحفاظ على مصالحهم مؤمنة – نيتها الرسمية للتعاون مع الحكومة الانتقالية. كان ضباط الجيش منقسمين ومترددين. لكنهم قرروا في النهاية البقاء على الحياد وبدء المفاوضات مع الحكومة الانتقالية.
وبينما كانت هذه التطورات تجري في الخفاء، انخرطت التنظيمات الفدائية، جنبًا إلى جنب مع فنيي القوات الجوية وطلابها العسكريين الذين انضموا إلى الثورة، في معركة مفتوحة مع آخر القوات الموالية للشاه، الحرس الإمبراطوري، وهزموهم ووُزعوا السلاح على جميع السكان. وبلغ القتال ذروته في 11 فبراير، عند سيطر الشعب المسلح على مستودعات الأسلحة والثكنات الشرطية، إلى جانب الحامية العسكرية الرئيسية في طهران والأكاديمية العسكرية.
مع اشتداد القتال، حاول ممثلو رجال الدين تفريق المسلحين تحت مسمى “التوجيه الإسلامي”. زاعمين أنّ “هذا ليس وقت المواجهة المسلحة، إذ لم يصدر الخميني الفتوى بعد”. لكنّ رجال الدين لم يكونوا قادرين على السيطرة على الحركة بعد، فبعد يومين من القتال العنيف، تمكنت التنظيمات الفدائية، التي انضم إليها عدد كبير من المتطوعين المتحمسين والمسلحين والطامحين إلى التغيير، من إيصال الانتفاضة إلى غايتها، ودمرت بشكل تام الملكية التي دامت 2500 عام[1]. فُتحت أبواب السجون؛ وأعلنت الإذاعة والتلفزيون، الذين استولى عليهما الثوار: “هذا صوت الثورة ووجهها” معلنين للعالم نهاية الملكية وانتصار الثورة.
انتقلت السلطة إلى أيدي الشعب مع تفكك دولة الشاه. إذ أُعيد تشكيل لجان الإضراب في جميع المصانع، المنشآت، المكاتب، المدارس، الجامعات وأماكن العمل الأخرى؛ بدأت تعم كمجالس (شورى)[2]: مجلس شورى العمال، الطلاب، وموظفي المكاتب. وأنشأ الفلاحون في القرى مجالس الشورى مجالس الفلاحية. كما انتقلت السلطة في المدن إلى هيئات محلية مؤقتة تُسمى “كميته” (أي لجان). تألفت عضوية تلك اللجان بشكل رئيسي من مؤيدي التنظيمات الفدائية، ولكنها شملت أيضًا رجال دين محليين وغيرهم من المؤيدين المتعصبين لفكرة الجمهورية الإسلامية. أما بين الأقليات القومية وقعت السلطة في أيدى مجالس الشورى المحلية لتلك الأقليات.
أحتل العمال المصانع وسيطروا على الإنتاج. وبدأ الفلاحون، بمساعدة مجالس الشورى الخاص بهم، بالاستيلاء على الأراضي من كبار ملاك الأراضي. واستولى اليسار الإيراني على مكاتب ومباني جهاز السافاك (منظمة الاستخبارات والأمن القومي)، بالتعاون مع المجاهدين وبمساعدة مجالس الطلاب، لتبقى مقرّات لهم. ومن قواعدهم الجديدة، نظّموا اجتماعاتٍ ومسيرات.
وفي قطاع النفط وغيره من الصناعات العريقة، لعب العمال ذوي الخبرة التنظيمية (أو الذين ورثوا خبراتهم من آبائهم أو أقاربهم) دورًا رائدًا في تأسيس مجالس العمال. أما في الصناعات الأحدث، التي كان معظم عمالها من المهاجرين الريفيين الجدد، فلم يكن لظهور مجالس العمال فيها يعود إلى تقاليد الطبقة العاملة السابقة أو لتأثير منظمات اليسار. ففي هذه الصناعات الأحدث، كانت الخبرة الحديثة التي اكتسبها العمال في تطوير لجان الإضراب الانتفاضية وإدارتها، إلى جانب كراهيتهم للنقابات التي فرضها عليهم سافاك الشاه، هي الدافع الرئيسي وراء تأسيسهم لمجالس شورى عمالية خاص بهم.
أصبح آية الله الخميني رئيسًا جديدًا لإيران؛ يعود ذلك في معظمه إلى الضعف التنظيمي والأيديولوجي لجميع جماعات المعارضة الأخرى، القائمة آنذاك. مع ذلك، لم تكن سلطته مضمونة على الإطلاق طوال الأشهر الثمانية التي تلت انتصار انتفاضة فبراير. ففي الواقع، كان هناك فراغ سياسي تام في الحياة السياسية الإيرانية. خلال هذه الفترة أن كان على مجالس العمال المُنشأة حديثًا، المعروفة باسم “الشورى”، أن تلعب دورًا سياسيًا واقتصاديًا بالغ الأهمية. فما دامت هذه المجالس محافظة على زخمها، لم يكن الخميني قادرا على ترسيخ سلطته.
[1] في عام 1971، أحتفل محمد رضا بهلوي، شاه إيران، بمرور 2500 عام على تأسيس الامبراطورية الفارسية، التي بدأها كورش الكبير.كان احتفال أسطوري كلف الملايين ليستضيف ملوك ورؤساء العالم، في حين كان يعاني ملايين الإيرانيين الفقر والجوع والأمية. [المترجمين]
[2] كلمة “شورى” في الفارسية، تعني مجلس أو تجمع، وهي من الأصل العربي لكلمة “الشورى”. خلال هذا الكراس تم ترجمة Workers’ shoras بمجالس شورى العمال، وكذلك كلمة Shoras ترجمة مجالس شورى العمال، بينما ترجمت Islamic Shoras بالمجالس الإسلامية. حيث المجالس الإسلامية تم إنشاءها لمعارضة ومزاحمة مجالس شورى العمال. [المترجمين]






