بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بروفات ثورية (3) | إيران 1979: هل انتصرت الثورة أم الإسلام السياسي؟

« السابق التالي »

نضال العاطلين عن العمل

كان على العمال أيضًا مواجهة مشكلة خطيرة تتمثل في البطالة. فوفقًا للإحصاءات الحكومية، تم تشغيل 50٪ فقط من الوحدات الصناعية، ولم تعمل إلى بنسبة80 ٪ من طاقتها الإنتاجية. ألقت ظلال الحماس الثوري على الأوضاع؛ لم يكن أصحاب رأس المال الخاص يشعرون بالأمان ولا كانوا مستعدين للاستثمار، كما أن الحكومة نفسها كانت تفتقر إلى الوسائل اللازمة لتمويل إعادة بناء الاقتصاد.

وعليه، جعل انخفاض الإيرادات النفطية، المقترن بتضخم على المستوى العالمي والمحلي، الأزمة الاقتصادية مستعصية على الحل بصورة خاصة. وكانت إيرادات إيران النفطية تمول جزئيًا وارداتها من الغذاء والمواد الخام والسلع والخدمات، بالإضافة إلى رواتب الخبراء الأجانب والعمال الوافدين. وقد أدى سقوط الشاه إلى تحقيق بعض الادخارات الضرورية، من خلال تقليص الفساد وتوفير الأموال التي كانت تُنفق سابقًا على الأسلحة الباهظة الثمن، والمشاريع الاستعراضية المفرطة في البهرجة. لكن هذه الادخارات لم تكن كافية لتحقيق أوضاع اقتصادية أفضل للجماهير الشعبية: إذ ظلت إيران تعتمد بشكل كبير جدًا على الإيرادات النفطية، مما حال دون تحقيق هذه الإصلاحات للأثر المطلوب.

كان رد الحكومة على الأزمة الاقتصادية هو المصانع المؤممة حديثًا، وتسريح جزء من القوى العاملة، وخفض الأجور، وقطع الخدمات في مقار العمل مثل دور الحضانة ومرافق الاستحمام والمقاصف؛ كل هذا في الوقت الذي كانت فيه الحكومة تَعِدُ بصوت عال ببناء مساكن جديدة للفقراء، وبدء صرف إعانات البطالة، وحتى وعدت برفع الأجور في المستقبل القريب.

تحمل العمال العاطلون عن العمل، بشكل خاص، العبء الأكبر من الأزمة المالية. ففي أعقاب الثورة، بقيت تلك الفئة، التي وفقًا للأرقام الرسمية تقدر – بحوالي أربعة ملايين من أصل قوة عاملة تقدر بعشرة ملايين ونصف المليون – في المدن الكبرى. وكان أكثر المتضررين هم البنائين، الذين شكلوا العدد الأكبر من العاطلين عن العمل. وقد تضرروا بالفعل في السنة الأخيرة من حكم الشاه بسبب تراجع وتيرة البناء واسع النطاق – وهو العامل ذاته الذي ساهم في خلق الظروف الثورية.

غالبًا ما كان العاطلون عن العمل من المهاجرين الريفيين السابقين، ذوي مهارة ودخل محدودين. وبشكل عام، كانوا يُستأجرون يوميًا، ولذلك تبين الصعوبة البالغة في تنظيمهم خلال فترة حكم الشاه. لكن شهور التعبئة ضد الشاه كان لها تأثير هائل على وعي العاطلين. إذ انضموا بعيْد الثورة، إلى الاجتماعات السياسية التي نظمها الطلاب ومختلف المنظمات السياسية اليسارية ودعموها، وشاركوا في اجتماعات المصانع التي نظمها العمال الموظفون. وقاموا هم أنفسهم بتنظيم مظاهرات مختلفة في المدن الكبرى احتجاجًا على البطالة، مطالبين بالوظائف أو بإعانات حكومية.

في أصفهان، إحدى كبريات المدن الإيرانية الصناعية في الجنوب الإيراني، هُجمت مظاهرات العاطلين عن العمل من قبل “الحرس الثوري” الموالي للخميني، وقتل عامل واحد. وتسبب هذا الفعل الشائن إلى المزيد من المظاهرات والاعتصامات في مدن أخرى. وفي طهران، احتل المتظاهرون العاطلون عن العمل مبنى وزارة العدل ووزارة العمل. مطالبين بث أخبار احتجاجاتهم عبر الإذاعة والتلفزيون، ورفع الرقابة التي فرضها حديثًا صادق قطب زاده، رئيس هيئة الإذاعة، المعين من قبل الخميني. بل وأرسلوا رسالة مفتوحة إلى الخميني، جاء فيها “لُقد أطلق النار علينا من قبل اللجان التابعة للحرس الثوري واتُهمنا بأننا عناصر تخريبية. نحن عمال عاطلون عن العمل، صنعنا الثورة ونريد الآن إعادة بناء بلدنا. سنواصل احتجاجاتنا حتى نحصل على ما نريد.”[1] وقال أحد العمال المعتصمين بمبنى وزارة العمل:

“أقترح أن نبقى في هذا المكان حتى تتحول وزارة الرأسماليين هذه إلى وزارة للعمال. على وزير العمل أن يعلم أنه وزير في حكومة مؤقتة، وهو نفسه مجرد وزير مؤقت، ليس دائم. من واجبه أن يقول لأرباب العمل ومديرين الإدارة: إنهم نهبوا على مدى 25 عامًا الملايين والملايين، فكيف أصبحوا الآن فجأة مفلسين؟ لا نريد وعودكم، نريد فعلاً. لا تتهمونا بأننا غير مؤمنين. حققوا مطالبنا، وسنصلي 37 مرة في اليوم بدلاً من 17.”[2]

في السياق ذاته، حوّل العاطلون عن العمل المقرات السابقة للنقابات التي كانت تسيطر عليها السافاك في طهران إلى مركز لاجتماعاتهم. مطلقين على المبنى اسم “خانه كارگر” (أي بيت العمال). كان العمال العاطلون عن العمل من مختلف المدن يرسلون يوميًا مندوبين إلى “خانه كارگر” لمناقشة مشاكل البطالة المحلية، وتحديد الإجراءات التالية، والمشاركة في الاعتصامات والمظاهرات. كما أرسل مندوبون عن الشورى في المصانع المختلفة مندوبين إلى “خانه كارگر” لإعلان تضامنهم مع العاطلين عن العمل ودعوتهم للانضمام إلى الكفاح للدفاع عن الشورى.

لعب العمال العاطلون عن العمل أيضًا دورًا رئيسيًا في مظاهرات الأول من مايو (عيد العمال). إذ مثلت هذه المظاهرات اختبارًا للقوة بين الحركة العمالية والحكومة الانتقالية. ودعا على إثره المجلس التأسيسي للاتحاد الوطني للعمال الإيرانيين جميع العمال الموظفين والعاطلين للاحتفال بعيد العمال، وللانضمام إلى مسيرة عمالية تنطلق من “خانه كارگر”.

في ذلك اليوم، قاد المسيرة رجال ونساء عاطلون عن العمل مع أطفالهم، حاملين لافتاتهم وهنأ أحدهم الآخر بمناسبة عيد العمال. تبعهم العمال الموظفون، كل مصنع أو صناعة ممثلة بلافتاتها الخاصة. كما دعم المسيرة طلاب المدارس والكليات والمنظمات السياسية.

كانت مظاهرة العمال هائلة: حتى استغرق مرور مليون ونصف المليون متظاهر في شوارع طهران ست ساعات. وانطلقت أصوات هتافات باللغات الفارسية والعربية والكردية والأذرية معبرين عن مطالب المسيرة:

“تعليم للأطفال، لا لتشغيل الأطفال”،

“تأميم جميع الصناعات”،

“لا يوجد رأسمالي طيب في العالم”،

“تحيا النقابات الحقيقية والشورى الحقيقية”،

“الموت للإمبريالية والموت لأمريكا”،

” ادفعوا أجور العمال”،

و”أجر متساوٍ للرجال والنساء”،

“اليوم هو رأس السنة العمالية: في عامنا الجديد الأول، نذكر كل الذين ضحوا بحياتهم من أجل الثورة”،

“الوحدة هي كل شيء، والفرقة لا شيء”،

“حرية التعبير، صحافة حرة”،

“يسقط قانون العمل القديم، أعدّوا قانونًا جديدًا بمشاركة العمال”،

” أيها العمال والفلاحون، اتحدوا وقاتلوا”،

و”عمل للعاطلين عن العمل”.

وفي بعض الأحيان، تعرضت المسيرة أحيانًا لمضايقات من قبل مجموعات صغيرة من البلطجية الإسلاميين الذين كانوا يهتفون بشعارات معادية للشيوعية ومؤيدة للإسلام. رد المتظاهرون بأنّ “العمال سينتصرون، والرجعيون سيهزمون”. عندما هدد المسلحون باستخدام العنف، قرر منظمو المسيرة والجماعات السياسية عدم مواجهتهم لأنهم “مجرد مجموعة صغيرة”؛ بل وافقوا حتى على تغيير مسار المظاهرة لمنع المواجهات مع العملاء التابعين للنظام. لكن الجماعة الإسلامية اعتبرت ذلك انتصارًا لها؛ فمزقوا اللافتات والشعارات، صارخين “يعيش الخميني، يعيش الإسلام، الموت للشيوعيين”. وهكذا، وعلى الرغم من الحجم الهائل لمظاهرة العمال، سمح المنظمون، جزئيًا، بانتقال المبادرة السياسية  إلى خصومهم الأقل عددًا بكثير.

خلال هذه الأثناء، نظم حزب الجمهورية الإسلامية المنشأ حينها حديثًا، تجمعًا منفصلاً انطلق من “ميدان الإمام الحسين” في شرق طهران. فاقدين لقدرات الحشد إلا بضعة آلاف من المتظاهرين، وعبرت شعاراتهم عن الطابع المعادي للطبقة العاملة مثل:

“أيها العمال والفلاحون، الإسلام هو داعمكم الحقيقي، أيها العمال المسلمون، يجب أن نعمل بجد اليوم، الانشقاق والتحريض هما مهمتا الخونة، نحن أتباع القرآن، لا نريد الشيوعية، الإسلام منتصر، المتآمرون سيهزمون”.

رفض المجاهدون حينها الانضمام إلى مسيرة العمال المستقلة، خوفًا من أن يبدو ذلك معارضة للجمهورية الإسلامية. ونظموا هم أيضًا مظاهرة منفصلة خاصة بهم في كرج، بالقرب من طهران، لكن لم ينضم إليها سوى بضعة آلاف، معظمهم من أعضائهم وأنصارهم. وظهر وقتها موقفهم المتناقض متجليًا في الأفق، إذ سعت شعاراتهم إلى التوفيق بين نقيضين: “ادعموا الخميني” و”ادعموا الشورى”؛ “ادعموا الحكومة المؤقتة” ولكن أيضًا “ادعموا تأميم جميع الصناعات”.

[1]  أيانديغان، 11 أبريل 1979.

[2]  بايغام إمروز، 6 مارس 1979. (عدد ركعات المسلم في الصلوات الخمسة المفروضة هي 17 ركعة.

« السابق التالي »