بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بروفات ثورية (3) | إيران 1979: هل انتصرت الثورة أم الإسلام السياسي؟

« السابق التالي »

احتلال السفارة الأمريكية

في 4 نوفمبر 1979، قامت «حركة الطلاب المسلمين السائرين على خط الإمام الخميني» باحتلال السفارة الأمريكية في طهران. ونظم النظام مظاهرات «ضد الإمبريالية»، فالقى معارضيه المحليين داخل إيران في ارتباك تام. وتحوّل كل الاهتمام والنشاط السياسي نحو الحملة «المناهضة للإمبريالية». تخلت الجماعات السياسية اليسارية، التي كانت في حيرة شديدة بشأن ما يجري، عن نشاطها المستقل ضد النظام الإسلامي، وبدأت في خوض نقاشات ساخنة حول الطبيعة ”المناهضة للإمبريالية“ لحكومة الخميني.

نسي اليسار الإيراني أنه، على الرغم من انتصار الثورة وهدم النظام الإمبريالي للشاه، بقيت أجزاء كبيرة من آلة الدولة القديمة في مكانها. وفقاً لتقدير الحكومة الأمريكية[1] تمت إقالة 30 في المائة من ضباط الشاه، بقي 70 في المائة. كانت هناك بعض عمليات التأميم للبنوك وشركات التأمين وبعض المؤسسات الصناعية الخاصة، ولكنها كانت تحت سيطرة القوانين الإسلامية والمنظمات الإسلامية بدلاً من سيطرة العمال. ونُقضت الوعود السابقة المتعلقة بمطالب الأقليات القومية: لم تترك الشوفينية الفارسية، إلى جانب أسلمة المجتمع في ظل الحكم الشيعي، أي مجال لحقوق الأقليات.

كان استغلال الخميني للقضية الدينية قد أدى بالفعل إلى انقسام خطير في صفوف المعارضة؛ والآن، مع احتلال السفارة الأمريكية، لعب الخميني ورقة القومية المتشددة لإكمال إرباكهم. وقد تمكن من شق صفوف المعارضة اليسارية تمامًا. أعلن الخميني آنذاك أن جميع المشاكل الناشئة في المصانع، وبين النساء، وبين الأقليات القومية، كانت بسبب الإمبريالية الأمريكية. فالإمبريالية الأمريكية هي التي تحارب الحكومة في كردستان، وفي تبريز، وفي تركمان صحرا، وفي خوزستان. وإن النساء المعارضات للقوانين الإسلامية عميلات للولايات المتحدة والصهيونية. وإن العمال الذين يقاومون مجالس الشورى الإسلامية عملاء للإمبريالية.

انضم حزب توده إلى خطاب الخميني، ودعم موقفه. كما انسحبت أكبر المنظمات اليسارية – الفدائيين والمجاهدين وبايكار [2]– من النضال، تاركة العمال المناضلين والنساء والأقليات القومية، الذين كان لها وجود مهم بينهم.

في محاولة لتبرير موقفهم، قالت جميع الأحزاب اليسارية حينها إن العمال يعانون من «انخفاض مستوى الوعي». فهي، كما ادعت (بشكل غير دقيق على الإطلاق)، أن مطالب مجالس شورى العمال لم تكن سوى مطالب اقتصادية. وأعلنت منظمتا «الفدائيين» و«بايكار» أن المجالس بحاجة إلى أن تُقاد، تحت إشراف الأحزاب اليسارية، نحو مطالب سياسية. قد يبدو هذا منطقاً اشتراكياً، إلا أن المطالب السياسية المقترحة لم تكن سوى مطالب قومية. كان موقف المجاهدين تجاه مجالس الشورى هو أنه يجب بناء جسر بين سيطرة العمال والأيديولوجية الإسلامية، بحيث يمكن الجمع بين اشتراكية السوفييتات والإسلام. وفي ظل ظروف احتلال السفارة الأمريكية، وافق اليسار على أنه يجب توحيد جميع القوى مع «البرجوازية التقدمية المعادية للإمبريالية».

أتاحت التعبئة الوطنية حول احتلال السفارة الأمريكية للخميني مناخًا سياسيًا مواتيًّا لإسكات المعارضة. فاغتنم الفرصة بكلتا يديه. وأُعلن عن استفتاء جديد على الدستور الإسلامي المقترح. وتم وصم أي شخص يعارض الاستفتاء بأنه صهيوني وعميل للإمبريالية.

أيدت جميع المجموعات السياسية اليسارية الاستفتاء «حتى لا تعرض النضال ضد الإمبريالية للخطر». لكن في تبريز، موطن الأتراك الأذريين، نظم أنصار آية الله شريعتمداري، أحد أبرز ممثلي رجال الدين الليبراليين، إضرابًا عامًا ومظاهرة جماهيرية ضد الدستور الإسلامي للخميني. وقد تم قمع هذا الحراك بوحشية. وبهذه الأساليب، تم إجبار كل من رجال الدين والبرجوازية الليبرالية الذين عارضوا الدستور الجديد على الصمت.

وفقاً للدستور الجديد، تم ضمان الحرية الشخصية وحرية الصحافة والتجمع والتعبير والدين (باستثناء الديانة البهائية)[3] والحقوق المماثلة دستورياً، ولكن فقط وفقاً لـ«المعايير الإسلامية». وكان على النساء اللواتي يظهرن في الأماكن العامة ارتداء الزي الإسلامي. تم حظر الموسيقى والكحول. وتم حظر أي شيء ينتقد الجمهورية الإسلامية أو الإسلام من الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى. تم السماح بالديانات الأخرى إلى جانب الإسلام الشيعي – باستثناء الديانة البهائية – ولكن يجب على أتباعها التصرف وفقًا للقواعد الإسلامية، على سبيل المثال فيما يتعلق بالمرأة والكحول والموسيقى. سُمح بوجود قوميات أخرى، ولكن لم يتم الاعتراف بلغاتها وثقافاتها.

في المصانع، تم المضي قدماً في برنامج الأسلمة، باستخدام الشورى والجمعيات الإسلامية. اندلعت موجة من الإضرابات الشرسة مرة أخرى، مطالبة بمصادرة رأس المال الخاص، وخاصة رأس المال المشارك في مشاريع مشتركة مع رأس المال الأجنبي. تم اعتقال العديد من قادة مجالس العمال، ومصادرة أموال الإضراب الخاصة بهم من قبل المجالس الإسلامية.

وبمجرد التصديق على الدستور الإسلامي، كانت الخطوة التالية هي إنشاء الرئاسة والبرلمان. وكانت هذه بداية اندلاع صراع بين الفصائل داخل النظام. وكانت هناك قوتان مؤثرتان بشكل خاص تتنافسان مع بعضهما البعض. فمن جانب كان التيار القومي الليبرالي، بقيادة مستشار الخميني السابق ووزير خارجيته، بني صدر، الذي كان لديه برنامج لإعادة بناء برجوازية تقليدية نسبيا. وعلى الجانب الآخر كان هناك تيار داخل حزب الجمهورية الإسلامية، بقيادة آية الله بهشتي، الذي كان يسعى إلى رأسمالية الدولة لحل مشاكل إعادة البناء الاقتصادي؛ وكان حزب الجمهورية الإسلامية هو الذي شارك بنشاط في الصراع داخل المصانع، ووضع مجالس الشورى الإسلامية تحت سيطرته.

وفاز في الجولة الأولى من الصراع على السلطة بني صدر، الذي انتُخب رئيساً في يناير 1980، ويرجع ذلك أساساً إلى أن حزب الجمهورية الإسلامية كان منقسماً داخلياً وغير قادر على الاتفاق على مرشح رئاسي واحد. وقد رشحت منظمة مجاهدي خلق (المجاهدين) زعيمها، مسعود رجوي، لمنصب الرئاسة، ببرنامج يدعم حقوق النساء والأقليات القومية، ومجالس الشورى العمالية. لكن الحكومة أُجبرت رجوي على سحب ترشيحه بحجة أنه “وفقاً للدستور، فهو ليس مسلماً حقيقياً، بل هو في الحقيقة معادٍ للثورة”. ثم تبنى بني صدر برنامج المجاهدين، بما في ذلك دعم مجالس العمال، وعلى هذا الأساس حقق النصر.

بعد انتخابه، اشتد الصراع بين بني صدر وحزب الجمهورية الإسلامية . فقد حشد الحزب أنصاره في البرلمان ومجلس الوزراء لإضعاف موقعه. وفي المصانع، أصبحت مجالس الشورى الإسلامية الخاضعة لسيطرة حزب الجمهورية الإسلامية أيضًا أدوات لتوطيد سلطة رجال الدين. فقد عارضت كلًا من الإدارات الليبرالية ومجالس شورى العمال، وأدخلت “الإدارة المكتبية” (إدارة إسلامية)، والتي قامت مع الشورى الإسلامية بحملة ضد مجالس شورى العمال.

تم استبدال وزير العمل في حكومة بني صدر، محمد مير صادقي، الذي كان يؤيد الاعتراف بحقوق النقابات العمالية في إطار الديمقراطية البرجوازية، بتوكلي وهو متعصب إسلامي وعضو في فصيل الحجّتيّة داخل حزب الجمهورية الإسلامية. لم يوافق توكلي حتى على مجالس الشورى الإسلامية في المصانع بحجة أن «الممتلكات والمصانع والحكومة وكل شيء ملك لله ونبيه والإمام الثاني عشر؛ وفي غياب هذا الإمام فإنها ملك لنائب الإمام» – بمعنى آخر، للخميني.

خلال هذه الفترة، تم إغلاق العديد من مجالس شورى العمال في المصانع، ومن بينها مجالس مصانع صناعة المعدات، ومصانع «ليفت تراك»، و«بومب إيران»، و«كومبيدور» في تبريز، واتحاد مجالس شورى عمال جيلان (الذي يضم 30 ألف عامل)، واتحاد مجالس عمال غرب طهران، ومجلس صناعة النفط في الأهواز، ومجلس عمال السكك الحديدية. وأصبح «خانه كارغار»، الذي كان في السابق المقر المستقل لاجتماعات العمال، مركزاً للمجالس المؤيدة للحزب الإسلامي الإيراني والجمعيات الإسلامية.

في أغسطس 1980، ألغى النظام قانون تقاسم الأرباح السابق. كان هذا أحد الإصلاحات الصناعية التي قام بها الشاه، والتي من خلالها كانت الشركات تدفع جزءًا من أرباحها لعمالها. كما قال أحد العمال في طهران: «كان هذا جزءًا من أجورنا، الذي كان النظام السابق يدفعه لنا كل عام باسم تقاسم الأرباح. والآن يأخذ النظام الإسلامي حتى هذا منا».

استمرت النزاعات العمالية في الازدياد. وكانت القضايا الرئيسية هي إغلاق مجالس شورى العمال وفصل العمال بسبب معارضتهم لإدارات «المكتبية/الإسلامية». ورغم أن هدف النظام كان القضاء التام على كل أثر لمجالس الشورى العمالية، فإن المقاومة المستمرة للعمال جعلت هذه المهمة صعبة. وفي أغسطس 1980، صادق البرلمان الإيراني على قانون بشأن مجالس الشورى الإسلامية، مانحاً إياها دوراً استشارياً فقط. رفضت غالبية العمال الاعتراف بهذا القانون، واحتجوا بشدة. في استطلاع أجرته صحيفة «كيهان»، إحدى الصحف الوطنية، أعرب العمال عن اعتراضهم الشديد على القانون الجديد. قال أحدهم: «نحن لا نعترف بهذا القانون، نريد قانونًا يمنحنا السيطرة على الإنتاج والتوزيع والإدارة».  وقال آخر:

يهدف هذا القانون إلى إضعاف سلطة العمال؛ وهذا في الواقع اعتراف بحقوق نصف نقابية، لا تحافظ إلا على حقوق الرأسماليين. مجالس شورى العمال هي أساس قوتنا في المصانع. ومن الواضح الآن أنه طالما أن الرأسماليين يديرون المصانع، فإنهم سيستمرون في إضعاف قوتنا.[4]

في سبتمبر 1980، بدأ الغزو العراقي لإيران. وأدى ذلك إلى إعطاء دفعة قوية للجمهورية الإسلامية المعادية للثورة في إيران. وأصدرت مجالس الشورى الإسلامية قرارات أعلنت فيها: «نحن في حالة حرب، وعلينا التضحية والتوحد» و«علينا العمل حتى في عطلة نهاية الأسبوع من أجل الفوز في الحرب». أطلق الخميني «ثورته الثقافية» لإضفاء الطابع الإسلامي على جميع المؤسسات التعليمية والثقافية. هاجم الحرس الثوري واللجان اليسار في آخر معاقله، الجامعات، التي أُغلقت إلى أجل غير مسمى. أصبح ارتداء الحجاب إلزامياً؛ وتعرضت النساء غير المحجبات للضرب، وكُسر عظامهن وحُرق وجوههن بالحمض.

تفتت اليسار وانقسم. وتحالفت منظمة المجاهدين مع بني صدر، الذي كان يمثل، في أحسن الأحوال، البرجوازية الليبرالية. وانقسمت منظمة الفدائيين إلى جناحين: انضمت الأغلبية إلى حزب توده، بحجة أن نظام الخميني كان مناهضًا للإمبريالية وبالتالي تقدميًا؛ بينما رأت الأقلية أنه نظام رأسمالي رجعي. ترافق إضعاف اليسار ومجالس شورى العمال وحتى القوميين الليبراليين، مع ازدياد قوة الجمهورية الإسلامية.

في يونيو 1981، أُقيل بني صدر من منصب الرئاسة. وبدأت حملة حرب العصابات في المدن على مستوى البلاد ضد نظام الخميني، أطلقتها بشكل رئيسي منظمة مجاهدي خلق (المجاهدين)، ولكن أيضاً قلة من مجموعة الفدائيين. قتلت قنبلة 72 من كبار قادة الحزب الإسلامي الإيراني، بمن فيهم الآية الله بهشتي. هرب بني صدر وزعيم المجاهدين، رجوي، إلى فرنسا. قتلت قنبلة أخرى الرئيس الجديد، رجائي، إلى جانب رئيس وزرائه، باهنر. شكلت حملة حرب العصابات والحرب، ذريعة نهائية للنظام لبدء عسكرة جميع المصانع وتصفية كل عنصر معارض لا يزال باقياً هناك.

لم يتبق شيء من مكاسب ثورة فبراير 1979 الشعبية. تم سحق الحركة العمالية الإيرانية. وانهار اليسار عائداً إلى أخطائه القديمة: إما الدعم غير النقدي لنظام قاتل معادٍ للطبقة العاملة، أو الانعزالية الرهيبة الملازمة لسياسة حرب العصابات.

[1] نقله فريد هاليداي في تقرير MERIP رقم 88، يونيو 1980، الصفحة 4

[2] كانت منظمة بايكار ثالث أكبر منظمة في اليسار الإيراني، بعد الفدائيين والمجاهدين. وقد مثلت انشقاقًا ماويًا معاديًا للإسلام عن المجاهدين. وكانت منظمتهم هي الأكثر نشاطًا في أماكن العمل. وكان من المقرر حل المنظمة بعد تكبدها خسائر فادحة في سجون الخميني.

[3] منذ وصول الخميني إلى السلطة، أُعدم العديد من أتباع الديانة البهائية بسبب معتقداتهم الدينية.

[4]  آصف بيات، مرجع سبق ذكره.

« السابق التالي »