بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

غزة في ليلة العيد: الركام يسبق الزينة والشهداء يملؤون المشهد

في ليلةٍ كان يُفترض أن تضيئها تكبيرات العيد وتزدحم فيها الأسواق بوجوه الأطفال وحقائب الملابس الجديدة، غرقت غزة مجددًا تحت وابلٍ من القصف الإسرائيلي، في مشهد دموي صدعت منه أصوات الموت بدلًا من ضحكات فرحة العيد.

وفي واحدة من أعنف الغارات التي شهدتها مدينة غزة عشية عيد الأضحى، استهدفت طائرات الاحتلال عمارة “عجور” في مفترق بالميرا، أحد أكثر المفارق اكتظاظًا في حي الرمال غربي المدينة، بثلاثة صواريخ متتالية، ما أدى إلى تدمير المبنى بالكامل فوق رؤوس من بداخله، إضافة إلى تضرر واسع في المحال التجارية والمقاهي ومحال الملابس المحيطة بالمكان.

جاء القصف بصورة مفاجئة في ذروة حركة المواطنين والأسواق، بينما كان الأهالي يستعدون لما تبقى من طقوس العيد وسط حرب إبادة مستمرة منذ أكتوبر 2023. وتحول المفترق الذي اعتاد أن يكون وجهة للعائلات والمتسوقين إلى ساحة من الركام والدخان والصراخ.

ونشر جيش الاحتلال الإسرائيلي وجهاز الأمن الداخلي “الشاباك” بيانًا مشتركًا يفيد بأن الغارة استهدفت محمد عودة، اخر قيادات الصف الأول لكتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس.

وقال البيان إن الطائرات الحربية هاجمت عدة مبانٍ في قلب مدينة غزة كانت تُستخدم “مخابئ” لعودة، كما استهدفت شقة مجاورة تعود لأحد عناصر حماس ممن شاركوا في هجوم السابع من أكتوبر وكان ضمن دائرة مساعديه.

وكانت قوات الاحتلال قد اغتالت قائد القسام السابق عز الدين الحداد قبل أيام، ليتسلم عودة راية القيادة من بعده. كما شغل عودة سابقًا منصب رئيس هيئة الاستخبارات التابعة للحركة.

في المقابل، لم تصدر كتائب القسام أو حركة حماس أي بيان رسمي يؤكد أو ينفي ما أعلنه الاحتلال بشأن اغتيال عودة.

وفي هذا السياق، نشر عدد من الصحفيين الغزيين، منهم محمد هنية وأبو بكر عابد، أن مصادر عائلية أكدت استشهاد عودة وزوجته.

ميدانيًا، أفاد أحد مراسلي الجزيرة نقلًا عن مصادر في مستشفى الشفاء بارتقاء ثلاثة شهداء وإصابة أكثر من عشرين آخرين جراء الغارات على حي الرمال، فيما أعلن الدفاع المدني في غزة أن المنطقة تعرضت لـ”حزام ناري” وأن طواقمه تواصل عمليات البحث عن ضحايا ومفقودين تحت الأنقاض.

ولم يكن حي الرمال وحده تحت النار. ففي مخيم النصيرات وسط القطاع، سُوِّي مربع سكني كامل بالأرض بعد قصف عنيف طال نحو عشرين منزلًا، بينما امتد القصف إلى خيام النازحين في منطقة المواصي بخان يونس، حيث استشهدت سيدة وطفلة وأصيب آخرون إثر استهداف خيمة تؤوي نازحين.

وفي مخيم المغازي وسط القطاع، استشهد أربعة فلسطينيين إثر قصف صهيوني استهدف مجموعة من المواطنين صباح الثلاثاء، بينهم الشاب فادي المغاري، الذي وثقت مقاطع مصورة لحظات وداع والده له داخل المستشفى.

وفي الوقت الذي كان العالم الإسلامي يستعد لاستقبال عيد الأضحى، ظلت غزة بلا أضاحٍ، ولا أسواق، ولا صور عائلية كما في أعوام ما قبل الإبادة، بل اكتظت الخيام المهترئة بالفقد، وعجّت المشافي بالجرحى، واختلطت أصوات التكبير بأزيز الطائرات.

ويأتي هذا العيد في ظل انهيار شبه كامل لمظاهر الأضاحي والأسواق. فمع إغلاق المعابر وارتفاع أسعار المواشي إلى مستويات غير مسبوقة، اضطرت المؤسسات الخيرية إلى استبدال الأضاحي الحية بتوزيع لحوم مجمدة، في وقت باتت فيه غالبية العائلات عاجزة حتى عن شراء الحد الأدنى من احتياجاتها الأساسية.

وفي أسواق غزة، وصف التجار الحركة التجارية بأنها “الأضعف منذ سنوات”، بينما يدخل كثير من المواطنين المحال للسؤال عن الأسعار فقط قبل المغادرة بصمت وصدمة.

وهكذا، تستقبل غزة عيدًا آخر تحت القصف؛ عيدًا تغيب عنه الزينة والضحكات، وتحضره أسماء الشهداء وصور الأطفال الخارجين من تحت الركام.