بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

اقتصاد

لا عزاء لمحدودي الدخل

منظمة حقوقية: الديون تلتهم 80 % من حصيلة الضرائب في موازنة العام المالي الجديد

صدر تقرير «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية» في يونيو الجاري بعنوان «تسوية الدفاتر لا تكفي»، ليكشف عن موازنة دولة التهمت فيها الديون وفوائدها ما يقارب ثلثي الإنفاق العام قبل أن يتبقى شيئا للتعليم أو الصحة أو الأجور أو الدعم، وكلها مجتمعة تحصل على ما يقل عن نصيب خدمة الدين وحدها.

المفارقة الجوهرية التي يرصدها التقرير هي أن الحكومة تُعلن إنجازها «الفائض الأولي» البالغ 5% من الناتج المحلي، وهو المؤشر الذي يهتم به صندوق النقد الدولي، والذي يُحسب باستبعاد فوائد الديون من المعادلة. لكن حين تُعاد الفوائد إلى الحساب، يتبدّد الفائض ويتحول إلى عجز كلي بنحو 1.2 تريليون جنيه، أي نصف قيمة الفوائد وحدها (2.4 تريليون جنيه)، مما يعني أن الاقتراض ذاته صار يُولّد ديوناً جديدة أكبر من العجز الذي جاء ليسدّه.

الدولة تقدم أرقام نظيفة على الورق، وتخفي أزمة هيكلية تحت السطح. فوائد الديون المحلية والخارجية وحدها ستلتهم في 2026/2027 ما يعادل 60% من الإيرادات العامة المتوقعة البالغة 4.05 تريليون جنيه، كل جنيه تجمعه الحكومة من ضرائبنا، نحو 80 قرشاً منه يذهب لمدفوعات الفوائد لمقرضين في الداخل والخارج.

بعد عشر سنوات من اتفاقيات التمويل المتتالية مع صندوق النقد الدولي، منذ 2016، المعادلة التي حاولت الدولة أن تقنعنا بها، تخفيض الدعم ورفع الفائدة لمحاربة التضخم والوصول للاستقرار المالي، أثبتت فشلها.

نصيب خدمة الدين من إجمالي الإنفاق كان 44.8% في موازنة 2016/2017، وبلغ 63.9% في موازنة 2026/2027 — زيادة 20% خلال عقد واحد.

دعم الطاقة تقلّص من 21% إلى 10% من مجمل الإنفاق، لكن مدفوعات الديون سارت في الاتجاه المعاكس تمامًا.

رغم انخفاض أسعار الفائدة مقارنةً بذروتها عام 2024، رفع البنك المركزي مستهدفه للتضخم إلى 16-17% لعام 2026، في حين تفترض الموازنة تضخماً لا يتجاوز 9.3%، ما يجعل كل تقديرات الدعم والأجور والإنفاق الاجتماعي مرشحةً للتآكل إذا سارت الأسعار بالسيناريو الأكثر واقعية.

يُضاف إلى ذلك أن الجنيه المصري انزلق من 47.7 إلى نحو 52 جنيهاً للدولار، جزئياً بسبب خروج الأموال الساخنة في أعقاب الحرب الأمريكية-الصهيونية على إيران وتداعياتها على مضيق هرمز وأسعار الطاقة العالمية.

إلا أن في مشهد يُلخّص التناقض الطبقي في توزيع الموارد، دافع وزير النقل كامل الوزير عن مشروع المونوريل قائلاً إنه تكلّف 2.8 مليار دولار (ما يعادل نحو 149 مليار جنيه بالسعر الحالي). هذا الرقم، الذي تشير تقديرات أخرى إلى أن التكلفة الفعلية تقترب من ضعفه، يساوي تقريبًا نصف الميزانية الكاملة لقطاع الصحة، و40% من ميزانية التعليم بأكملها، وفق موازنة السنة الجديدة.

وبينما تتجاهل الموازنة الجديدة الالتزام الدستوري بتخصيص 6% من الناتج المحلي للتعليم و3% للصحة، لجأت الحكومة إلى حيلة محاسبية، كالمعتاد، لتحميل ميزانيتَي التعليم والصحة بأنصبة من فوائد الديون التي لم تستفد منها أصلاً، لتُظهر التزاماً شكلياً بالنسب الدستورية. نصيب التعليم الفعلي من الناتج لم يتجاوز 1.49%، ونصيب الصحة 1.2% فقط.

في المقابل، استحوذ قطاع الخدمات العامة (الرئاسة والوزارات والمجالس التشريعية وكبار الموظفين) على 25% من ميزانية الأجور الكاملة البالغة 820.7 مليار جنيه، رغم محدودية عدد العاملين فيه نسبياً. ومخصصات أجور هذا القطاع ارتفعت بنسبة 40% في موازنة 2026/2027، في حين ارتفعت أجور قطاع الصحة بـ 16% وقطاع التعليم بـ 17% فقط.

تخفيض دعم الوقود 79% في الموازنة الجديدة، في لحظة ترتفع فيها أسعار النفط العالمية فوق 100 دولار للبرميل (بينما تُقدّره الموازنة بـ 75 دولاراً)، لا يُبشّر بمعادلة رشيدة بقدر ما يُبشّر بموجة رفع أسعار بترولية جديدة قادمة. أما دعم الأسر الأشد فقراً عبر «تكافل وكرامة»، فلم يزد إلا بنسبة 2% في موازنة 2026/2027، في مقابل معدل تضخم رسمي بلغ 11.3% خلال العشرة أشهر الأولى من السنة المالية الجارية.

يتجلى التحيز الطبقي في بنية الدعم ذاتها. 20% من ميزانية «الدعم» تذهب لسداد مديونيات حكومية لصن١اديق التأمينات، وليس لأسر فقيرة. و25.9 مليار جنيه تحصل عليها الشركات الكبرى تحت مسمى «دعم الأنشطة الصناعية»، إضافةً إلى 48 مليار جنيه لتنشيط الصادرات الذي يستفيد منه بالأساس كبار التجار والمصدرين. وفي المقابل، لا تحصل دعم المزارعين الصغار (عبر قروض البنك الزراعي) على أكثر من مليار جنيه واحد.

مَن يُموّل مَن؟ الضرائب الباهظة على الأفقر
تكشف الموازنة عن بنية ضريبية مقلوبة، 44% من الحصيلة الضريبية تأتي من المستهلكين والعاملين بأجر (ضريبة القيمة المضافة وضريبة المرتبات)، في حين لا تتجاوز مساهمة الشركات الهادفة للربح 14%. والضرائب العقارية، التي تستهدف الثروة الأكثر تركزاً في مصر، لا تُنتج أكثر من 0.5% من إجمالي الحصيلة الضريبية، وهو رقم يتراجع فعلياً في الموازنة الجديدة.

الجهاز الضريبي في مصر يُعيد توزيع الأعباء من الثروة إلى الدخل، من الربح إلى الاستهلاك، ومن القادرين إلى العاملين. 79.5% من حصيلة الضرائب المتوقعة ستذهب لسداد فوائد الديون، أي أن دافعي الضرائب يموّلون أرباح مقرضي الدولة من بنوك ومؤسسات وأفراد ميسورين، بأكثر مما يموّلون مدارسهم ومستشفياتهم.

موازنة 2026/2027 ليست خطأ سياسياً عارضاً بل هي تعبير عن خيارات طبقية ممنهجة. تجميد الحماية الاجتماعية وتقليص الخدمات العامة لحماية الفائض المحاسبي الذي يُطمئن الدائنين الدوليين. السيسي الذي دعا في مايو الماضي الدول الأفريقية إلى «كسر الحلقة المفرغة» للديون السيادية، يرأس في الوقت ذاته دولةً تُنفق على فوائد ديونها أكثر مما تُنفقه على التعليم والصحة والأجور والدعم مجتمعين، وهو بالضبط النموذج الذي وصفه.