بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

اقتصاد

لا للدعم النقدي

كيف تُصفِّي الحكومة آخر شبكات أمان الفقراء

في يوليو 2025، أطلقت الحكومة المصرية ما وصفته بـ”إصلاحاً تاريخياً” في منظومة الدعم، إذ بدأت تطبيق تجريبي في محافظة بورسعيد لاستبدال الدعم العيني للسلع التموينية والخبز بمبلغ نقدي ثابت قدره 300 جنيه شهرياً للفرد. القرار تقدّمه الحكومة باعتباره خطوة نحو “العدالة ومنع التسريب”، غير أنه في حقيقته ليس إصلاحاً بقدر ما هو تصفية ممنهجة لآخر ما تبقى من شبكات الأمان الاجتماعي للفقراء المصريين، وذلك في إطار التزامات مصر ببرنامج صندوق النقد الدولي.

الوصفة الجاهزة من واشنطن
لا يمكن فهم هذا القرار خارج سياقه الحقيقي: اتفاقية القرض التي أبرمتها مصر مع صندوق النقد الدولي في مارس 2024 بقيمة ثمانية مليارات دولار، والتي تشترط جملة من “الإصلاحات الهيكلية” التي يصفها الصندوق بالضرورية لاستعادة “الاستدامة المالية”. وقد توصّل الصندوق إلى اتفاق مع مصر بشأن المراجعتين الخامسة والسادسة لهذا البرنامج في ديسمبر 2025، مما أتاح صرف نحو 2.3 مليار دولار إضافية. ومن بين شروط الصندوق الراهنة أيضاً رفع أسعار المحروقات والكهرباء تدريجياً حتى تصل إلى سعر التكلفة خلال العام المالي 2026-2027، تمهيداً لتحويل قطاع الطاقة إلى شركات رابحة قابلة للبيع لاحقاً. الصورة إذن واضحة: تصفية الدعم ليست خياراً سياسياً مصرياً، بل إملاء خارجي يُصادق عليه الداخل.

ثلاثمئة جنيه في مواجهة جهنم الأسعار
الحجة الرسمية الكبرى لهذا التحول هي “الاستهداف الدقيق” و”إيصال الدعم لمستحقيه”. لكن ثمة سؤال جوهري يتجاهله المسؤولون: ما قيمة 300 جنيه في سوق يتحرك يومياً؟ منذ تعويم الجنيه في مارس 2024، فقدت العملة المصرية نحو نصف قيمتها، وتراوحت معدلات التضخم في مستويات قياسية طوال عام 2024 و2025. في هذا السياق، تحويل الدعم إلى مبلغ نقدي ثابت لا يتغير يعني عملياً أن قيمته الشرائية الحقيقية ستتآكل مع كل موجة غلاء جديدة، في حين كانت السلعة العينية — رغيف الخبز أو الزيت أو السكر — تُقدَّم بسعر ثابت بصرف النظر عن تقلبات السوق. والحكومة تعلم هذا جيداً؛ فهي لم تنتزع من المواطن سلعة لتعطيه نقوداً معادلة لها، بل انتزعت منه ضماناً وأعطته وهماً.

فقر مُخفى وأرقام مُحجوبة
تتحدث الحكومة عن “رفع كفاءة منظومة الدعم”، لكنها تتحاشى سؤالاً أكثر إلحاحاً: كم يبلغ عدد من يحتاجون هذا الدعم أصلاً؟ آخر إحصاء رسمي منشور — وهو بحث الدخل والإنفاق عن الفترة 2019/2020 — سجّل نسبة فقر بلغت 29.7% من إجمالي السكان. لكن هذا البحث لم يُحدَّث رسمياً منذ خمس سنوات، رغم صدور نسخة 2021-2022. وتشير بيانات غير رسمية مسرّبة من داخل الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن نسبة الفقر في تلك النسخة المكتومة بلغت 34%، في حين تقدّر خبيرة من الجهاز ذاته أن الفقر تصاعد حتى بلغ 35.7% من السكان عام 2023. ويذهب بعض المحللين أبعد من ذلك، إذ يرون أن نحو 60% من المصريين إما واقعون تحت خط الفقر أو على حافته، إن أُخذت في الحسبان تأثيرات التضخم المتراكم وتراجع القوة الشرائية للأجور. الخلاصة: الحكومة تُصفّي دعم الفقراء بينما تُخفي أعداد الفقراء.

موازنة الديون.. حين تأكل الفوائد الإيرادات
لفهم لماذا تسير الحكومة في هذا الطريق، يكفي النظر إلى أرقام الموازنة. في العام المالي 2025-2026، بلغت فوائد الدين وحدها 3.57 تريليون جنيه، تلتهم ما يقارب 74% من إجمالي إيرادات الدولة. بعبارة أخرى: كل ما تجمعه الدولة من ضرائب وعائدات — والضرائب تمثل 84% من هذه الإيرادات — يذهب شبه كامل لخدمة ديون متراكمة، قبل أن تُصرف جنيه واحد على مستشفى أو مدرسة أو خبز. وفي موازنة العام التالي 2026-2027، تستمر الفوائد في استنزاف 54% من المصروفات الكلية للحكومة. هذا النزيف لا تتوقف أسبابه عند الإنفاق الرأسمالي أو التنمية، بل يمتد إلى ديون خارجية متفاقمة؛ فقد ارتفع الدين الخارجي لمصر إلى 163.7 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025 وفق بيانات البنك الدولي، فيما تواجه مصر سداد نحو 50.8 مليار دولار من استحقاقات هذا الدين خلال الأشهر التسعة المنتهية في سبتمبر 2026. في هذا الواقع، لم تعد الموازنة العامة أداةً للتوزيع الاجتماعي، بل صارت ماكينة لتحويل عرق المواطنين إلى دائنين دوليين.

دوامة البيع والاقتراض
في مواجهة هذا المأزق، لا تملك الحكومة سوى مساريْن: الاقتراض الجديد لسداد الاقتراض القديم، أو بيع الأصول لتوفير سيولة عاجلة. وكلا المساريْن يسلكهما في آنٍ واحد. ومفارقة لافتة رصدتها التقارير المالية هي أن مصر في النصف الأول من 2026 سدّدت للصندوق نفسه ما يزيد على 1.6 مليار دولار أقساطاً وفوائد ورسوماً، بينما تنتظر شريحة بمليار وستمئة مليون دولار من الصندوق ذاته. أي أنها تقترض لتسدد ما اقترضته، في حلقة مفرغة لا مخرج منها في ظل الاستراتيجية الراهنة. وبدلاً من الاستثمار في توسيع الطاقة الإنتاجية وتشغيل المصانع المعطلة وزيادة الصادرات وتقليص الواردات، تلجأ الحكومة إلى ما هو أسهل: بيع ما بناه أجيال.

الفقراء ليسوا عبئاً، السياسة هي العبء
ثمة خطاب رسمي يُسوَّق بهدوء مفاده أن دعم الفقراء هو السبب الرئيسي للأزمة المالية، وأن “الحل القاسي والمؤلم” ضرورة لا مفر منها. هذا الخطاب مغلوط في جوهره. دعم السلع التموينية والخبز في موازنة 2025-2026 لا يتجاوز 160 مليار جنيه، أقل من 5% من إجمالي المصروفات، في مقابل 3.57 تريليون جنيه تُدفع فوائدَ للدائنين. القرار الفعلي الذي أوصل مصر إلى هذا المكان لم يكن رغيف الخبز المدعّم، بل كان الاختيار السياسي بالاقتراض المفرط وتأجيل الاستحقاقات وإهمال البناء الإنتاجي على مدى سنوات. وها نحن اليوم نرى ثمرة هذا الاختيار تُحصَد من طاولات الفقراء.

التحول إلى الدعم النقدي ليس تحديثاً، وليس عدالة، وليس إصلاحاً. إنه تنصّل من مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها الأكثر هشاشة، يُغطَّى بلغة تقنية، ويُسوَّغ بمتطلبات دائنين في واشنطن. والرصاصة الحقيقية لا تُطلق على التسريب، بل تُطلق على الفقراء أنفسهم.