بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

في ضوء تفشي الإهمال الطبي

الصحة حق للسجين.. أيضًا

بداية تنص المادة 55 من الدستور المصري الحالي (المعدل في 2014) على الآتي: ​”كل من يُقبض عليه، أو يُحبس، أو تُقيد حريته تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامته، ولا يجوز تعذيبه، ولا ترهيبه، ولا إكراهه، ولا إيذاؤه بدنيًا أو معنويًا. ​ولا يكون الحجز، أو الحبس إلا في أماكن مخصصة لذلك لائقة إنسانيًا وصحيًا، وتلتزم الدولة بتوفير وسائل الإتاحة للأشخاص ذوي الإعاقة. ​ومخالفة شيء من ذلك جريمة يُعاقب فاعلها وفقًا للقانون. ​وللمتهم حق الصمت، وكل قول يثبت أنه صدر من محتجز تحت وطأة شيء مما تقدم، أو التهديد بشيء منه، يُهدر ولا يُعول عليه.”

تخضع الرعاية الطبية للسجناء في مصر لإطار قانوني محدد ينظمه قانون تنظيم السجون رقم 396 لسنة 1956 والتعديلات اللاحقة عليه، وأبرزها القانون رقم 14 لسنة 2022، والذي تم بموجبه تحويل مسمى “السجون” إلى “مراكز الإصلاح والتأهيل المجتمعي”، حيث حدد الفصل السابع من القانون التزامات مصلحة السجون مثل ضرورة وجود طبيب مقيم على الأقل داخل السجن لمتابعة الحالة الصحية للسجناء والإشراف على إجراءات الوقاية وايضًا الإشراف على المطعم وغيره. كما يعطي القانون هذا الطبيب سلطة تقديرية للإشراف على مدى ملائمة الحالة البدنية للسجين لأي مهمة أو عمل يقوم بها المسجون، وفي حال مرض السجين وعدم توفر العلاج الكافي بالسجن، يكون من حق الطبيب (التوصية) بنقله إلى أي مستشفى جامعى او حكومي تحت الحراسة.

كما تمنح لائحة السجون رعاية خاصة للسجينات الحوامل والمرضعات بما في ذلك حق المتابعة الدورية وتخفيف وتيرة العمل ونوعيته وحقهن في الانتقال إلى مستشفى خارجي أثناء الولادة مع السماح بإبقاء الطفل رفقة أمه حتى سن عامين.

كما انه في حال إصابة المسجون بمرض يهدد حياته أو يصيبه بالعجز كليًا عن إكمال مدته يحق له أو من ينوب عنه طلب تشكيل لجنة طبية لفحص حالته ثم التوصية بأحقيته في العفو الصحي.

وهذا يعني أن نص القانون رغم بعض الانتقادات على عدد الأطباء المتواجدين مقارنة بعدد النزلاء، ولحجم صلاحية وسلطات الطبيب داخل السجن التي تظل إشرافيه أكثر منها ملزمة، وايضًا مدى ضمان استقلالية قرار طبيب السجن حمايته من التهديد أو الضرر، ولكن يظل نص القانون مقبول عمليًا وسهل التطبيق ولكن ما الذي يمنع هذا؟!
الحقيقة أن هناك فجوة بين نصوص القانون وبين ممارسته على أرض الواقع، حيث تشير تقارير حقوقية عديدة إلى وجود تمايزات وفجوات في تطبيق القانون وفقا لتصنيف المسجون (سياسي أم جنائي) ( فقير ام غني) (رجل أم امرأة) سجلت الكثير من المنظمات الحقوقية مثل منظمة العفو الدولية ومركز النديم والمبادرة المصرية للحقوق والحريات وهيومان رايتس ووتش وجود حالة من الإهمال الطبي المتعمد داخل السجون المصرية خاصة مع أصحاب قضايا الرأي كما دونت العديد من الحالات التي تم التعنت معها ورفض الاستجابة للطلبات الطبية المستعجلة الخاصة بحالتها، كما سجلت ايضا العديد من حوادث صعوبة الحصول على إذن بالنقل للمستشفيات الخارجية للحالات الحرجة (خاصة للمعتقلين السياسيين ومن على ذمة الحبس الاحتياطي الذي قد يتجاوز السنتين بالمخالفة للقانون) وإلزامهم بضرورة انتظار موافقات أمنية مطولة من جهاز الأمن الوطني كما ناقشت عدة تقارير حقوقية ايضاً وجود الكثير من التفاوت في شكل الرعاية الصحية ومدى جديتها بين السجن الحربي والسجون العمومية، وحتى بين مراكز الاحتجاز الأولية المؤقتة سواء في أقسام الشرطة او مقار أمن الدولة التي لا يتواجد بها أصلا طبيب مقيم، وبين السجون المركزية التي يتم بها تنفيذ الأحكام.

حتى على مستوى تشكيل اللجان الطبية الخاصة بالنظر في الأحقية في العفو الصحي والإجراءات الاستثنائية التي تتم للعفو عن بعض المسجونين تحت لافتة العفو الرئاسي (لأسباب صحية) فهناك تمييز صارخ بين الجنائيين والسياسيين، والقرار لا يتم وفقا لآلية عادلة على الإطلاق، حيث تستخدم السلطة هذا العفو الصحي كاداة للثواب أو الرشوة لبعض الجنائيين مثل حبيب العادلي، هشام طلعت مصطفي، محسن السكري، صبري نخنوخ وغيرهم ممكن قد لا تنطبق عليهم شروط العفو الصحي بشكل كامل وفي المقابل لا تقوم باستخدام نفس الآلية بحق المعارضين السياسيين كنوع من أنواع العقاب وهناك أسماء كثيرة حالتها الصحية شديدة التدهور ولم يتم إصدار عفو صحي عنهم مثل المستشار محمود الخضيري والمحامية الحقوقية هدى عبد المنعم والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح والدكتور صلاح سلطان، والذين تنطبق عليهم شروط العفو الصحي تماما.

لا يمكن فصل الأزمات الصحية لسجناء الرأي والسجناء عمومًا عن حال الصحة في مصر، الواقع الصحي في مصر من سيء إلى أسوء، خاصة بين الفئات الضعيفة داخل المجتمع كالفقراء والسيدات وبالطبع المسجونين وفي أدنى هذا السلم سجناء الرأي، كما لا يمكن فصله عن مجمل الوضع السياسي في مصر الذي يسود فيه الفكر الإقصائي والمناخ المشبع بالروح الانتقامية والمعادلات الصفرية من السلطة بحق المعارضة. وأعتقد أنه لا نية للسلطة الحاكمة في تغيير هذا، بالعكس هي تتوسع في استخدام هذا التنكيل داخل المعتقلات كنوع من الردع المجتمعي الرمزي لكل من يفكر في الانضمام لصفوف المعارضة للنظام.

وعليه فهناك دور كبير يقع على كل مؤسسة مستقلة داخل المجتمع سواء النقابات او منظمات المجتمع المدني في الرقابة على هذا القطاع الذي يعاني قاطنوه غياب الحرية وغياب الحق في الصحة وغياب التغطية الإعلامية بالإضافة للوصم الاجتماعي.

وهنا يأتي الدور المهم لنقابة الأطباء المصرية ككيان مستقل عن الدولة، ولكنه الرقيب الأساسي على الأداء المهني لكل طبيب يعمل على الارض المصرية، كما ان النقابة قادرة -ان ارادت- ان تقوم بضبط الأداء المهني داخل السجون عبر الرقابة المباشرة على أداء الأطباء المقيمين العاملين هناك.

كما يمكنها الرقابة عبر نفس الأطباء على مستوى الخدمة الطبية المقدمة للمساجين ومدى اتساقها مع المفهوم العالمي للحق في الصحة ومدى اتساقها ايضا مع أخلاقيات المهنة والقسم الطبي.

كما أنه يمكن عبر تفعيل لجنة الحريات بنقابة الأطباء استقبال شكاوى واستغاثات أهالي المحتجزين بشأن حالتهم الصحية والتحرك الفوري لمحاولة ضبط الوضع ومخاطبة وزارة الداخلية والنائب العام بما تراه في مصلحة السجين ويتسق مع الممارسات المهنية للأطباء العاملين داخل السجون.

كما يمكن للنقابة عبر تفعيل لجنة آداب المهنة وضع رقابة صارمة على الأطباء العاملين بقطاع السجون والبت في أي شكوى من تقصير او إهمال منهم ومن ثم محاسبة الطبيب المتسبب في هذا التقصير أو من يشارك في إخفاء وضع صحي متدهور داخل السجن.

واخيراً نرى ضرورة أن يتحرك المجتمع المدني ويضغط بكل قوة حتى يتم تغيير نص القانون الذي يمنح الإشراف الإداري والتنفيذي عن المرضى داخل السجون إلى وزارة الداخلية والدور الرقابي إلى النيابة العامة، بينما يقتصر دور وزارة الصحة في تقديم الشق الفني والوقائي!!

يتوجب على كل مؤمن بالحق في الصحة المطالبة بتشكيل لجنة مشتركة مستقلة تضم نقابة الأطباء ووزارة الصحة ووزارة الداخلية والنيابة العامة ومنظمات المجتمع المدني غير التابعة للدولة. تكون هيئة رقابية بصلاحيات واسعة في البحث والتحقيق واتخاذ القرار في شأن الحالة الصحية للمساجين بما يضمن العدالة والشفافية ويحقق اعلى قدر من الرعاية الصحية لكل سجين بصرف النظر عن نوعية التهم الموجهة إليه أو الحكم الصادر عليه. فالصحة حق لكل فرد في المجتمع.

كما أنه من غير المنطقي أن يحتكر ضباط وزارة الداخلية ومندوبو النيابة العامة والهيئات القضائية الإشراف والرقابة على الخدمة الصحية داخل السجون، بينما تستثنى من هذا نقابة الأطباء التي تمنح ترخيص مزاولة المهنة لكل الأطباء ولديها لجنة آداب المهنة، ووزارة الصحة المسئول الرئيس عن تقديم ومدى جودة الخدمة الصحية، ومنظمات المجتمع المدني المستقلة التي تمثل صوت المساجين وذويهم!!