قراءة في خطاب 4 يوليو ومهام الثوريين

في مساء الرابع من يوليو 2026، خرج علينا عبد الفتاح السيسي من صرح «القيادة الاستراتيجية للدولة» في العاصمة الإدارية الجديدة، ليقدّم في خطاب واحد خلاصة مشروع النظام كله. والخطاب يستحق أن نتوقف عنده لا لأنه جديد، بل لأنه أوضح ما يكون؛ فيه العصا والجزرة معًا، وفيه السقف الذي يريد النظام أن يحبس تحته كل حديث عن التغيير. ونحن نكتب هذا النص لنفنّد هذا الخطاب نقطة نقطة، ولنقول إن التغيير القادم لن يُصنع تحت سقفه، ولن يشبه يناير، وإن الطبقة الوحيدة القادرة على صنعه هي الطبقة العاملة.
أول ما في خطاب السيسي هو استدعاء 2011، ليقول، كعادته، إن الله نجّى مصر، وإن الدولار كان بستة جنيهات فصار بخمسين، وإن الدولة خسرت 450 مليار دولار «ندفع ثمنها جميعًا». وهذه المعادلة مقلوبة عن حقيقتها. فالانهيار الذي يلوّح به تهديدًا لم يكن كارثة طبيعية نزلت بالجميع بالتساوي، بل كان عملية إعادة توزيع منظّمة للثروة من أسفل إلى أعلى. تعويم الجنيه لم يكن حدثًا محايدًا؛ كان آلية نقلت القيمة من جيوب أصحاب الأجور الثابتة، الذين تبخّرت مدخراتهم ونصف قدرتهم الشرائية بين ليلة وضحاها، إلى من يملكون الأصول العينية والعملة الصعبة. في اللحظة نفسها التي كان يُفقَر فيها الملايين، كانت البرجوازية العقارية تحصد أرباحها؛ مجموعة طلعت مصطفى وحدها سجّلت صافي ربح 18.2 مليار جنيه في 2025، بقفزة 43% عن 2024.
والعقار هنا ليس تفصيلًا؛ إنه بالضبط الملاذ الذي يحتمي فيه رأس المال من التضخم الذي يلتهم أجور العمال، فيتحول انهيار العملة نفسه إلى مصدر ربح لطبقة وإلى إفقار لأخرى. أما الجهاز المركزي للإحصاء فقد توقف عن نشر بحث الدخل والإنفاق منذ سبتمبر 2020 لأن أرقام الفقر صارت تفضح ما لا يُراد كشفه، فيما قدّر البنك الدولي أن معدل الفقر وفق خط دخل الشريحة المتوسطة الدنيا قفز إلى 17.1% في نهاية 2023/2024.
فحين يقول «ندفع ثمنها جميعًا»، يطمس السؤال الوحيد المهم: من دفع ومن قبض؟
الخسارة لم تكن جماعية، بل كانت الوجه الآخر لثراء لم يتوقف يومًا. والرقم الذي يسوقه دليلًا على الكارثة هو نفسه دليل الإدانة؛ فالمليارات التي «خسرتها الدولة» لم تتبخر في الفراغ، بل انتقلت ملكيتها، وتلك هي الحقيقة التي يخفيها ضمير الجمع في كلمة «جميعًا».
النقطة الثانية هي التهديد المبطّن: تحذيره كل «مسؤول ومثقف وإعلامي ومفكر وشاب» من خطورة أي تصرف يضرّ بأحوال الناس. وهي جملة تقلب المسؤولية رأسًا على عقب. فالذي يضرّ بأحوال الناس ليس المعترض على السياسات، بل السياسات نفسها: التعويم الذي أفقرهم، ورفع الدعم الذي أثقلهم، وبيع الأصول الذي حرمهم من مواردهم. حين يجعل النظام «الاستقرار» قيمة عليا لا تُمسّ، لا يدافع عن مصلحة الناس بل عن استقرار المعادلة التي تُنتج الثراء في الأعلى والإفقار في الأسفل.
والأخطر أن هذه الجملة تُخرِس الاعتراض سلفًا وتنزع عنه صفته المشروعة؛ فمن يحتجّ على أجره أو على أوضاعه يُتّهم بأنه يهدد الاستقرار ويضرّ بالناس، فيتحول الضحية إلى متهم، والمطالبة بالحق إلى تهديد للأمن. وهكذا يُصادَر حق الاحتجاج نفسه لا بقانون صريح، بل بمنطق أخلاقي مقلوب يجعل الصمت فضيلة والاعتراض خيانة. الاستقرار المطلوب هو استقرار حارس الثكنة، لا استقرار من ينام جائعًا؛ إنه اسم مهذّب لتجميد ميزان القوى الطبقي على ما هو عليه، ونزع سلاح الاحتجاج من يد الطبقة الوحيدة التي تملكه.
النقطة الثالثة، وهي الأخطر، هي الجزرة السياسية: تعهّده بتعميق الحوار الوطني وتنشيط الحياة الحزبية والمحليات. لا ينبغي أن ينخدع أحد بهذه اللغة الناعمة. فتوصيات الحوار حول الأحزاب والمحليات والنظام الانتخابي ليست غاية في ذاتها، بل الطريقَ الإجرائي الممهّد لتعديل دستوري، جوهره الحقيقي ليس المحليات ولا الأحزاب، بل المادةَ التي تحكم مدة رئاسة الجمهورية وحق الترشح.
الغاية أن يُعاد فتح المدد لتأبيد الحكم. وآلية التمرير هي بالضبط ما يجعل «الجزرة» خطيرة؛ إذ تُستدعى المعارضة المستأنسة إلى الطاولة لا لتعارض بل لتمنح التعديل شرعية «التوافق»، فتتحول أدوات الديمقراطية الشكلية، الحوار والأحزاب والاستفتاء، إلى غطاء يزيّن عكس الديمقراطية تمامًا. هذا هو جوهر الخدعة: أن يُقدَّم الإجراء الذي يُغلق به باب التداول على السلطة إلى الأبد بوصفه لحظة انفتاح وإصلاح. والحياة الحزبية التي يعد بتنشيطها ليست إلا ديكورًا لهذه العملية؛ أحزاب تُمنح مقاعد رمزية ومحليات بلا صلاحيات، في مقابل أن تبارك، بصمتها أو بمشاركتها، فتح المدد.
فالمعروض ليس مساحة للفعل السياسي، بل دورًا مرسومًا في مسرحية معدّة سلفًا، وظيفة الممثلين فيها أن يصنعوا وهم الإجماع حول قرار اتُّخذ قبل أن يجلسوا إلى الطاولة. وهذه المحليات نفسها، إن جرت انتخاباتها فعلًا، ليست تفصيلًا هامشيًا يمكن تجاهله؛ فهي ساحة صراع حقيقية على من يدير موارد الأحياء والقرى وميزانياتها الصغيرة، ومعركة كسب موقع فيها لا تقل أهمية عن معركة الدستور نفسها.
النقطة الرابعة هي البند الاقتصادي: الإسراع في تخارج الدولة من الأنشطة الاقتصادية لصالح القطاع الخاص. وهو ليس تفصيلًا تقنيًا معزولًا، بل الوجهَ الآخر للتعديل الدستوري نفسه، والحلقة التي تكشف المستفيد الحقيقي من الحلقات كلها. فبينما تُفتَح المدد سياسيًا، تُباع الأصول العامة اقتصاديًا. وكلتا الخطوتين تخدمان الطبقة ذاتها. طبقة رأس المال التي راكمت خلال خمسة عشر عامًا ثروة هائلة تريد الآن ضمانتين متلازمتين: استمرار الحاكم الذي يحرس مصالحها بحيث لا تتغير قواعد اللعبة فجأة، وحصة أكبر مما تبقى من ملك عام يُطرح للبيع بأسعار الأزمة.
التخارج هنا ليس انسحابًا للدولة لصالح «السوق» المجرّد كما تزعم لغة الاقتصاديين، بل نقلًا مباشرًا للأصول من الملكية العامة إلى جيوب بعينها، غالبًا بأبخس الأثمان وفي أوقات الضائقة حين تضعف قدرة الدولة على المساومة. وهكذا يكتمل المعنى؛ فاستدعاء 2011، والتحذير من زعزعة الاستقرار، وتأبيد الحكم، وبيع الأصول، ليست نقاطًا متجاورة بل حلقات سلسلة واحدة يحرس أولها آخرَها؛ تخويفٌ يبرّر الاستقرار، واستقرارٌ يُسكِت الاعتراض، وصمتٌ يمرّر التأبيد، وتأبيدٌ يؤمّن البيع. المستفيد في نهاية السلسلة واحد: التحالف بين رأس المال والسلطة الذي صار الخطاب كله ناطقًا باسمه.
وأمام هذه البنية المتماسكة، يعود إلى الواجهة سؤال قديم عن طريق الخروج. ورفض المقايضة لا يعني الانكفاء والتفرج بينما يُفصَّل الدستور على مقاس رجل واحد. فالمطلوب الآن هو نداء إلى كل أطياف المجتمع المصري، إلى أحزاب المعارضة والنقابات العمالية والمهنية والحركات الشبابية وكل من يرفض تأبيد الحكم، لتكوين جبهة رفض واسعة تُسقط هذا التعديل قبل أن يكتمل. نحن جميعًا، على تنوع راياتنا واختلاف رؤانا، نتحمل مسؤولية تاريخية أمام هذا الشعب وأمام فقراء هذا الوطن؛ مسؤولية ألا نترك باب التغيير يُغلق إلى الأبد ونحن صامتون. وقاعدة هذه الجبهة بسيطة: نتفق على هدف واحد هو إسقاط التعديل، ونضرب من أجله معًا، ويحتفظ كل منا بكامل استقلاله وبرنامجه ورؤيته لما بعد.
وأول ميادين هذا الاصطفاف هو الانتخابات العمالية القادمة؛ فبعدما كان موعدها المقرر مايو 2026، مدّدت الحكومة الدورة النقابية الحالية بالفعل وأجّلت الانتخابات إلى نوفمبر، وربط مسؤولون هذا التأجيل صراحةً بـ«الاستحقاقات الدستورية المقبلة”؛ أي إن النظام نفسه يرى في تجميد تمثيل العمال شرطًا لتمرير تأبيد حكمه. لهذا ندعو منظمات المجتمع المدني وأحزاب اليسار والنقابات المستقلة إلى توحيد صفوفها استعدادًا لهذا الاستحقاق، ورفض التأجيل الذي تراه القوى المستقلة التفافًا على حق التنظيم وأداة لإعادة هندسة المجال النقابي وإطالة بقاء القيادات المُوالية، والدفع بمرشحين مستقلين يكسرون احتكار الاتحاد الرسمي.
ولا تقف الساحة عند النقابات العمالية وحدها؛ فمعارك النقابات المهنية لا تقل أهمية، وقد أثبتت أن كسب الأرض فيها ممكن حين تتوحد الجهود بدل أن تتشتت. ما جرى مؤخرًا في انتخابات رئاسة نادي القضاة، بما حملته من تنافس حقيقي وإقبال لافت وتوازنات جديدة داخل الجمعية العمومية، نموذج يستحق أن يُدرَس ويُبنى عليه، لا لأنه انتصار حاسم، بل لأنه يذكّرنا بأن الاحتكار ليس قدرًا، وأن التنظيم والحضور المنهجي في الجمعيات العمومية يغيّران موازين قوى كانت تبدو جامدة.
فالمعركة على استقلال النقابة، عمالية كانت أم مهنية، ليست معركة جانبية عن معركة الدستور، بل هي هي؛ ولأن الطبقة العاملة والفئات المهنية المفقرة هي الأكثر تضررًا من هذا المشروع، فإن حضورها في قلب هذه المعارك، بنقاباتها المستقلة ومواقع إنتاجها وجمعياتها العمومية، هو ما يمنحها قوتها الحقيقية ويجعلها قادرة على الصمود.
لكن يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا بشأن طبيعة هذه اللحظة. نحن لسنا في مدّ ثوري، ولا العمال في حالة ثوران عام؛ نحن في جزر، والقمع في ذروته، والاحتجاجات وإن ازدادت عددًا لا تزال متفرقة ومحلية الطابع. والاعتراف بهذا ليس تراجعًا بل شرطَ النجاح؛ فمن يخاطب هذه اللحظة بلغة الانتصار الوشيك يُصاب أتباعه بخيبة أمل تُقعدهم حين لا يأتي الانتصار سريعًا. المهمة إذن ليست أن نعلن قيادة العمال لثورة لم تبدأ بعد، بل أن نعمل معهم، بصبر ومن موقع متواضع، على مساعدتهم في بناء تنظيمهم الخاص ونقل الخبرات النقابية والتنظيمية التي راكمتها تجارب سابقة، محلية وعالمية، إلى مواقع عملهم. هذا يعني حضورًا فعليًا في اللجان والنقابات، ومشاركة في صياغة المطالب لا إملائها، وتوثيقًا للتجارب الناجحة لتعميمها، وربطًا صبورًا بين نضال كل موقع عمل بمفرده وبين الصورة الأعم للمعركة السياسية.
فإلى كل عامل في مصنع، وكل موظف في مصلحة، وكل سائق ومعلّم وممرّض وأجير: القوة التي تبحثون عنها لا تُمنح بل تُبنى، خطوة بخطوة، ونحن، من موقعنا، نضع خبرتنا وجهدنا إلى جانبكم في هذا البناء، لا فوقه.
خطاب السيسي يرسم سقف اللحظة: استقرار يحمي الثروة، وتعديل يؤبّد الحكم، وبيع لما تبقى من أصول الشعب. والرد عليه ليس حلمًا بيناير آخر بأوهامه، بل عمل صبور يبدأ من الآن: من رفض التعديل في جبهة واسعة، ومن توحيد الصفوف في الانتخابات العمالية والمهنية والمحليات، ومن بناء التنظيم في مواقع الإنتاج جنبًا إلى جنب مع من يعملون فيها. لا شيء في هذا مضمون، ولا شيء فيه قريب؛ لكنه الطريق الوحيد الذي لا يمرّ عبر باب الحارس. والخطوة الأولى في متناول الجميع: أن نبدأ، حيث نعمل، الآن.





