بعد استقالة وزيرة الثقافة
معايير اختيار كبار المسؤولين في الجمهورية الجديدة

تقدمت وزيرة الثقافة المصرية جيهان زكي باستقالتها بعد ساعات من صدور حكم نهائي من محكمة النقض بإدانتها بقضية تتعلق بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية بعدما رفضت المحكمة الطعنين المقدمين من جيهان زكي، وقد ألزمتها المحكمة بدفع 100 ألف جنيه لصالح الكاتبة سهير عبد الحميد ، وسحب الكتاب المتنازع عليه من الأسواق ومنع تداوله. كانت قد أثيرت تلك القضية بعدما تم تعيين جيهان زكي وزيرة للثقافة، وقد صرح في ذلك الوقت ضياء رشوان وزير الإعلام أن الحكم لم يكن نهائياً، وأشار إلي أن الحكومة ستتعامل مع الموقف وفقاً لأحكام القانون.
ولم تكن تلك الواقعة استثناء فقد أحاط الجدل إختيارات حكومية أخرى، أبرزها على سبيل المثال ما أثير حول وزير التربية والتعليم من اتهامات وشبهات تتعلق بمؤهلاته العلمية وسيرته المهنية، فقد جاء في السيرة الذاتية لوزير التربية والتعليم أنه حصل على بكالوريوس في السياحة والفنادق من جامعة حلوان ، وماجستير في تطوير التعليم من جامعة ” لورانس ” الأمريكية ودكتوراه في إدارة وتطوير التعليم من جامعة ” كاردف سيتي ” بالولايات المتحدة.
كان قد صرح ” عمرو حسن عبد السلام ” وهو عضو هيئة الدفاع التي كانت قد طالبت بعزل وزير التعليم في مايو 2025 إلي منصة “زاوية ثالثة ” بأن فريق الدفاع كان قد تواصل مع جامعة لورانس للتحقق من شهادة الماجستير المنسوبة للوزير وأفادت الجامعة بأنها تقدم برامج تعليمية في مجالي الفنون والموسيقي ولا علاقة لها بأي برامج للدراسات العليا أو برامج تدريبية في مجال تطوير التعليم.
كما أضاف عبد السلام أن فريق الدفاع كان قد تواصل أيضاً مع جامعة كاردف سيتي وأكدت الجامعة أن الوزير محمد عبداللطيف غير مدرج بسجلاتها، كما أضافت أن الرقم التسلسلي المطبوع على نسخة الشهادة المنسوبة إليها يخص شخصاً آخر.
الكفاءة وعسكرة الدولة
لا يمكننا النظر إلي هاتين الواقعتين علي أنهما إستثناء أو واقعتان منفصلتان، واقعة اتهام وزيرة الثقافة بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية، واتهامات لوزير التعليم بتزوير شهادات أكاديمية لا يمكنها أبداً أن تكون أحداث فردية أو استثنائية، ولكن ينبغي أن نطرح هذه الأسئلة لفهم الطبيعة الحقيقية لتلك الأحداث: ما هي معايير إختيار المسؤولين في ظل دولة تدار تحت الحكم العسكري؟ وهل أصبحت معايير الإختيار تعتمد على اعتبارات أخرى تتقدم على الخبرة أو التخصص؟
في مقابلة له مع جريدة ” العامل الاشتراكي ” يقول الدكتور حسام الحملاوي : ” إذا نظرت إلي الصفحة الرسمية علي فيس بوك للمتحدث بإسم رئاسة الجمهورية، فستفهم كيف تعمل الدولة.
ستجد منشور يقول أن الرئيس السيسي عقد إجتماعاً لمناقشة سياسات التعليم في مصر. ستجد في الصورة السيسي يجلس مع وزير التعليم على يساره، وعلى يمينه مدير الأكاديمية العسكرية المصرية.
عندها، ستدرك أن الأكاديمية العسكرية المصرية هي المسؤولة عن ملف التعليم “.
ويتابع الحملاوي واصفاً أثر تلك العسكرة على حياة الناس : ” كل متقدم لوظيفة في القطاع العام في مصر، يخضع للفحص من قبل الأكاديمية العسكرية، سواء أكان مدرساً أو إمام مسجد أو مهندساً في السكك الحديدية أو حتى دبلوماسياً.
بعد التقدم لأي وظيفة ، يتم إرسالك إلى ما يشبه غسيل الأفكار أو الأدلجة القسرية، حيث يتم إرسالك إلى معسكر تدريب لمدة ستة أشهر داخل الأكاديمية العسكرية المصرية، حيث تتلقى أيضاً محاضرات حول المؤامرات التي تهدف إلى إسقاط الدولة.
بعد هذه الأشهر الستة، يقرر الجيش إذا كنت تصلح للعمل كمدرس أو كإمام أو غير ذلك “.
من هنا يمكننا فهم أثر عسكرة الدولة على طبيعة الإدارة أو آليات صناعة النخبة الحاكمة. لا تقتصر عسكرة الدولة على وجود بعض الضباط السابقين فقط في مراكز مدنية مهمة، ولكنها تؤثر أيضاً من ناحية هيمنة نمط من الإدارة يجعل المعيار الأول ونستطيع أن نقول الوحيد هو الولاء والإنضباط المركزي، يكفي أن تكون موالياً للنظام وأن توافق على دور ثانوي في مسرحية مخرجها الأول والأخير هو ضابط الجيش المسؤول عن الملف الذي تديره، لكي تصبح مجرد واجهة إدارية فقط لهذا الضابط . من هنا فقط يصبح الوزير أو المسؤول مختاراً لأنه جزء من شبكة الثقة داخل السلطة، لا لأنه الأكثر خبرة أو كفاءة في مجاله.
وفي ظل تلك المعايير “العسكرية ” للاختيار ، تصبح أخطاء وكوارث المسؤولين نتائج منطقية بل ومتوقعة لأن المشكلة لم تعد تتمثل هنا في الأشخاص المختارين أنفسهم، ولكن في آلية الإختيار والمنظومة بأكملها.
لذلك لا يمكننا النظر لقضية وزيرة الثقافة ومشاكل وزير التعليم سوي أنهما مجرد أعراض لمرض أكبر وهو رغبة الجيش في السيطرة علي كافة المجالات وإدارة الدولة عن طريق القبضة الأمنية، ونتيجة لذلك تكون معايير إنتاج وإختيار النخبة الحاكمة والمسيطرة هي معايير عسكرية في ظل دولة تسيطر عليها معايير السيطرة والإدارة الأمنية على التخصص والكفاءة.





