كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الرأسمالية العالمية؟

يعد الذكاء الاصطناعي من الآن فصاعدًا عاملًا فاعلًا في عملية إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والشركات.
يقود عامل توغل الذكاء الاصطناعي إلى تقليص الفجوة بين الإثنين؛ بيد أنّ الحكومات حول العالم تزيد من تدخلها في النظم الاقتصادية. من جهتها، نشر حزب العمال البريطاني في استراتيجيته السنوية للذكاء الاصطناعي أنّ الحكومة البريطانية تأخذ على عاتقها زيادة فعلية في الترويج لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.
إذ تقرأ الاستراتيجية كالآتي: ” علينا أن نصبح أفضل شركاء للدولة إلى رواد مجال الذكاء الاصطناعي”.
“على بريطانيا أن تهدف للحصول على أبطال قوميين حقيقيين فيما يخص القطاعات الاقتصادية الحيوية لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لتمكين بريطانيا من الاستفادة الاقتصادية القصوى لتطور مجال الذكاء الاصطناعي وزيادة نفوذها على مستقبله”.
واحدة من أهداف الاستراتيجية هي خلق “مساحات نمو” لمجال الذكاء الاصطناعي واستقطاب الاستثمارات والمستثمرين إلى البنية التحتية للاقتصاد البريطاني فيما يخص المجال. مما يعني بناء مراكز بيانات ضخمة تحوي بداخلها التكنولوجيا الفائقة التي تخولها من تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي مثل شات جي بي تي وغيره.
وبالطبع بإمكاننا ملاحظة المشاريع التي تمولها الدولة لمناطق نمو الذكاء الاصطناعي في المنطقة الشمال شرقية والتي أعلن عنها الشهر الماضي. وهو ما يهدف إلى بناء بنية ذكاء اصطناعي تحتية في كامبوس نورثامبرلاند، كوبالت بارك، نيوكاسل (أو مجمع كوبالت للأعمال).
إذ تشتمل الخطة على بناء منطقة تجارية/مجمع أعمال من المتوقع استهلاكه لطاقة كهرباء مثل مدينة صغيرة.
بلاك ستون وهي واحدة من أكبر شركات استثمار الملكيات الخاصة ضخت 10 مليارات دولار حتى الآن في المجال. وترغب الحكومة من جهتها لاستقطاب 20 مليار أخرى من شركاء مستقبليين، فيما تعد بمنح آلاف فرص العمل الجديدة.
بريطانيا ليست وحدها في تطلعاتها وطموحاتها؛ ففي بداية العام قال الاتحاد الأوروبي أنه سينفق نحو 175 مليار يورو ” لجعل أوروبا قارة ذكاء اصطناعي”. مضيفة بأن ” السباق العالمي نحو سيادة مجال الذكاء الاصطناعي مازال في بدايته”.
من جهته، يخطط الاتحاد الأوروبي لبناء خمسة “مراكز ذكاء اصطناعي عملاقة، منشآت ضخمة بأنظمة حوسبة ذكاء اصطناعي ومراكز بيانات”، مما يخولها ل”تطوير وتدريب نماذج ذكاء اصطناعي معقدة بمستويات غير مسبوقة”.
إذ ستستخدم الصناديق المالية للاتحاد الأوروبي، مطورة بهذا تشريعات جديدة، لتسارع من الاستثمار في مراكز السحب والبيانات.
هذه المؤشرات أعلاه تشرح كيف تدفع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الدول القومية والشركات للعمل يدا بيد لصياغة السياسات الاقتصادية اللازمة.
حدث هذا كرد فعل على المنافسة الشرسة القائمة الآن في قطاع الذكاء الاصطناعي وفي طبيعة التكنولوجيا بحد ذاتها. إذ تتسابق الشركات مع بعضها البعض لصناعة نماذج أكثر تطورًا كل يوم؛ معتبرة إياها التكنولوجيا الفاعلة في التغيير الجذري المستقبلي لعمليات الإنتاج وزيادة الأرباح.
ولا شك في أن الرؤساء التنفيذيون يطمعون: من خلال تطوير نماذج صناعية “فائقة الذكاء” لتكديس القوة والثروة في أيديهم . إذ في عالم يسيطر عليه مبدأ التنافسية بين الدول؛ رفعت التكنولوجيا وتيرة وحدة المنافسة. فالذكاء الاصطناعي ما هو إلا رأس الحربة في الصراع على التقدم التكنولوجي العالمي.
ينطبق هذا السياق على الولايات المتحدة الأميركية، حيث إنها – خوفًا من تنافسية الصين – على الصعيد العالمي من جهة، وانحدارها من جهة أخرى؛ تنافس الولايات المتحدة الأميركية للتمسك بسيادتها الاقتصادية والتكنولوجية.
شركات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تطالب تدخل الدولة نظرًا لحجم البنى التحتية والاستثمارات التي تحتاجها في عمليات التطوير الذاتي.
تضم مراكز البيانات الضخمة تلك معالجات حاسوبية فائقة القدرة، وهي وحدات معالجة الرسومات (GPU)، التي تعالج كميات هائلة من البيانات.
وتُصنَّع هذه الوحدات المتطورة باستخدام رقائق أشباه الموصلات المتقدمة، وتبلغ تكلفتها مستويات مرتفعة للغاية. كما أن تكلفة رف خوادم واحد للذكاء الاصطناعي، يضم عددًا من وحدات معالجة الرسوميات، تتراوح بين مئات آلاف الجنيهات الإسترلينية من حيث القدرات المنخفضة والمتوسطة، وملايين الجنيهات الإسترلينية في القدرات العالية.
وفي وقت تتفاقم فيه الأزمة البيئية، تستهلك هذه الخوادم كميات ضخمة من الطاقة والمياه.
وبحسب تقديرات الوكالة الدولية للطاقة، من المتوقع أن يتجاوز استهلاك مراكز البيانات من الكهرباء بحلول عام 2030 نحو 945 تيراواط/ساعة، وهو ما يعادل إجمالي استهلاك اليابان من الكهرباء.
والنتيجة هي تحول كبير عن نموذج نيو ليبرالي من الرأسمالية محكوم بالخصخصة والأسواق الحرة.
إثر جائحة كوفيد-19، ومع تصاعد المنافسة الإمبريالية العالمية، باتت الدول تؤدي دوراً أكثر نشاطاً في الاقتصاد.
وفي الولايات المتحدة، تتدخل الدولة لتوجيه الاستثمارات نحو الذكاء الاصطناعي. ويقضي مشروع مراكز البيانات “ستارغيت” الذي أطلقه دونالد ترامب، بالتزام شركات التكنولوجيا الأميركية ومستثمرين أجانب بضخ استثمارات تتجاوز 75 مليار جنيه إسترليني في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
كما وقّع ترامب أوامر تنفيذية تهدف إلى تسريع بناء المزيد من مراكز البيانات. وخففت هذه الأوامر القيود الفيدرالية، وقدمت دعماً مالياً عبر القروض والمنح والحوافز الضريبية، كما سهلت الوصول إلى الأراضي والموارد المملوكة للحكومة الفيدرالية.
وهدد ترامب أيضا بفرض رسوم جمركية على واردات أشباه الموصلات. وأدى هذا التهديد إلى إعلان أكبر شركة في العالم لتصنيع أشباه الموصلات، شركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات (TSMC)، خطة بقيمة 75 مليار جنيه إسترليني لبناء مصانع جديدة في الولايات المتحدة.
وقد أثار إطلاق نموذج الذكاء الاصطناعي ديب سيك (DeepSeek) هذا العام، الذي طورته شركة ناشئة صينية، قلق الولايات المتحدة والدول الأوروبية، ودفعها إلى تكثيف تدخلها.
فقد طُوِّر النموذج باستخدام عدد أقل بكثير من رقائق أشباه الموصلات، وبكلفة أقل كثيرٍا من منافسيه الأمريكيين، مع تحقيق مستوى أداء مماثل.
وأظهر ديب سيك قدرة الصين التنافسية في تقنيات الذكاء الاصطناعي. ووُصف إطلاقه بأنه “لحظة سبوتنيكية”، في إشارة إلى القمر الصناعي السوفييتي الذي فجّر سباق الفضاء بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة عام 1957.
وتعد المعادن الأرضية النادرة عنصرًا أساسيًا في تقنيات الذكاء الاصطناعي، إذ تدخل في تصنيع كثير من المكونات المادية، بما في ذلك أشباه الموصلات. وهنا أيضًا تتدخل الدول بصورة متزايدة. وتتمتع الصين بأفضلية في هذا القطاع، إذ تستخرج نحو 70% من المعادن الأرضية النادرة في العالم، وتعالج ما يقارب 90%. وقد فرضت الحكومة الصينية مؤخرًا قيودًا صارمة على صادرات تلك المعادن.
وعليه تسعى الولايات المتحدة جاهدة إلى كسر الهيمنة الصينية على هذا القطاع؛ ففي الأسبوع الماضي، وقّعت اتفاقًا مع الحكومة الأسترالية لتوفير مليارات الجنيهات الإسترلينية لتمويل مشروعات استخراج المعادن الأرضية النادرة ومعالجتها.
كما أعلنت وزارة الطاقة الأمريكية إنفاق 750 مليون جنيه إسترليني بهدف تأمين سلاسل إمداد المعادن الأرضية النادرة.
وفي الوقت نفسه، أصبحت وزارة الدفاع الأمريكية أخيرًا أكبر مساهم في الشركة الوحيدة التي تشغّل منجمًا نشطًا للمعادن الأرضية النادرة داخل الولايات المتحدة.
وتنطوي هذه المنافسة المتصاعدة على مخاطر قاتلة، إذ يمكن أن تمتد إلى الحرب. فالدول والرأسماليون الذين استثمروا مبالغ ضخمة في هذه التقنيات مستعدون للدفاع عنها بكل الوسائل.
وفي مطلع القرن العشرين، ازداد اندماج الشركات الخاصة مع الدولة في البلدان الرأسمالية. ووقعت الدول في حالة تنافسية للسيطرة على الأسواق والموارد على نطاق عالمي لحماية مصالح هذه الشركات، وهو ما جعل تحقيق السلام الدولي أمرًا مستحيلاً.
تسعى الولايات المتحدة إلى كسر الهيمنة الصينية على هذا القطاع. ففي الأسبوع الماضي، وقّعت اتفاقاً مع الحكومة الأسترالية لتوفير مليارات الجنيهات الإسترلينية لتمويل مشروعات استخراج المعادن الأرضية النادرة ومعالجتها.
كما أعلنت وزارة الطاقة الأميركية إنفاق 750 مليون جنيه إسترليني بهدف تأمين سلاسل إمداد المعادن الأرضية النادرة.
وفي الوقت نفسه، أصبحت وزارة الدفاع الأميركية أخيراً أكبر مساهم في الشركة الوحيدة التي تشغّل منجماً نشطاً للمعادن الأرضية النادرة داخل الولايات المتحدة.
وتنطوي هذه المنافسة المتصاعدة على مخاطر قاتلة، إذ يمكن أن تمتد إلى الحرب. فالدول والرأسماليون الذين استثمروا مبالغ ضخمة في هذه التقنيات مستعدون للدفاع عنها بكل الوسائل.
وفي مطلع القرن العشرين، ازداد اندماج الشركات الخاصة مع الدولة في البلدان الرأسمالية. وبدأت الدول تتنافس على السيطرة على الأسواق والموارد على نطاق عالمي لحماية مصالح هذه الشركات، وهو ما جعل تحقيق السلام الدولي أمراً مستحيلاً.
تفجرت هذه المنافسة في خضّم الحرب العالمية الأولى؛ واليوم تستخدم الدول بالفعل الذكاء الاصطناعي في صراعها لتحقيق التفوق العسكري.
وطوّرت قوات الاحتلال الإسرائيلي أنظمة ذكاء اصطناعي للمساعدة في عمليات القصف “الموجّه” خلال حرب الإبادة بفلسطين المحتلة، عبر استخدام نماذج تحلل كميات هائلة من البيانات بزعم تحديد تموقع مقاتلي حركة حماس. كما تحصّل حلف شمال الأطلسي (الناتو) نظامًا عسكريًا مدعومًا بالذكاء الاصطناعي من شركة بالانتير، ويستخدم لتحليل بيانات ساحات القتال بهدف تسريع عملية اتخاذ القرار.
وألزمت المراجعة الاستراتيجية للدفاع التي أصدرتها الحكومة البريطانية هذا الصيف بتطوير نظام مماثل، تبلغ قيمته مليار جنيه إسترليني.
كما تعمل شركات تصنيع الطائرات المسيّرة على تطوير أنظمة رؤية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، تتيح للطائرات تجنب الاصطدام بالطائرات الأخرى والحفاظ على مسارها نحو الهدف أثناء التحليق.
وبالنسبة لتجار الموت والدمار الذين يزدهرون تحت ظلال الرأسمالية؛ تمثل التطورات في الذكاء الاصطناعي فرصة لجعل القتل أكثر كفاءة. لكن الأمر لا يجب أن يكون كذلك.
فمن الممكن استخدام الذكاء الاصطناعي لأتمتة المهام الروتينية والشاقة، والمساهمة في التخلص من أعباء العمل الممل، وخلق ما وصفه الثوري كارل ماركس بـ”الثروة الحقيقية”، أي الوقت المتاح للإنسان. غير أن ذلك لن يتحقق ما دامت هذه التكنولوجيا خاضعة لسيطرة الرأسماليين، الذين يتمثل دافعهم الأساسي في تعظيم الأرباح على حساب بقية المجتمع.
وفي أيديهم، سيبقى الذكاء الاصطناعي أداة للهيمنة، لا وسيلة للتحرر.
*المقال بتاريخ أكتوبر 2025 مترجم من جريدة العامل الاشتراكي البريطاني





