بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

غزة بين التصعيد العسكري وغموض «اليوم التالي»

لم تهدأ سماء غزة خلال الشهور الماضية. فبينما تتواصل الغارات الإسرائيلية على مناطق متفرقة من القطاع، يستمر سقوط الضحايا، وتتوسع عمليات هدم المنازل واستهداف المرافق المدنية، بما في ذلك عناصر من الشرطة الفلسطينية، في وقت تشهد فيه المباحثات غير المباشرة التي تستضيفها القاهرة تعثرًا في التوصل إلى اتفاق يشمل وقف العمليات العسكرية، وتبادل الأسرى، وترتيبات المرحلة المقبلة في قطاع غزة.

وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها مصر وقطر والولايات المتحدة لدفع المفاوضات إلى الأمام، يبدو أن جانبًا كبيرًا من الضغوط يتركز على حركة حماس من أجل إبداء مرونة في شروطها والقبول بصيغة توافقية. ومع ذلك، لا يزال الاتفاق بعيد المنال، إذ تراوح المفاوضات مكانها، بينما يفرض الواقع الميداني معطيات جديدة كل يوم. وتواصل إسرائيل عملياتها العسكرية، مؤكدة أنها لن تنهي الحرب قبل تحقيق أهدافها الأمنية، في حين تتمسك حماس بمطالبها المتعلقة بوقف دائم للعمليات العسكرية وانسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة.

لكن بعيدًا عن لغة السياسة، تبدو الكارثة الإنسانية هي الوجه الأكثر قسوة للحرب. فمئات الآلاف من الفلسطينيين يعيشون داخل خيام مؤقتة لا توفر الحد الأدنى من مقومات الحياة، في ظل ارتفاع شديد في درجات الحرارة، وانقطاع الكهرباء، ونقص المياه الصالحة للشرب، وتدهور خدمات الصرف الصحي. كما أدى تراكم النفايات وانتشار الحشرات والقوارض إلى زيادة المخاطر الصحية، بينما تعاني المستشفيات من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود اللازم لتشغيل الأقسام الحيوية.

وتؤكد الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية أن القطاع يواجه خطر انهيار إنساني متواصل، مع تزايد الأمراض المعدية وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إلى كثير من المناطق.

وفي خضم هذه التطورات، شهدت حركة حماس تحولًا تنظيميًا مهمًا بانتخاب خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي للحركة، خلفًا للقيادة السابقة، في خطوة جاءت بينما لا تزال الحرب مستمرة والمفاوضات غير المباشرة تراوح مكانها. ويُعد الحية أحد أبرز قادة الحركة وأكثرهم ارتباطًا بملف المفاوضات، إذ قاد وفود حماس في معظم جولات التفاوض التي رعتها مصر وقطر خلال الأشهر الماضية، وهو ما يمنح هذا التغيير أهمية سياسية تتجاوز البعد التنظيمي الداخلي.

ولا يعني انتقال القيادة بالضرورة تغييرًا في المواقف الأساسية للحركة، التي لا تزال تتمسك بوقف دائم لإطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، مقابل إتمام صفقة لتبادل الأسرى. وفي المقابل، تؤكد إسرائيل استمرار عملياتها العسكرية إلى حين تحقيق أهدافها المعلنة، وهو ما يبقي فرص التوصل إلى اتفاق شامل محدودة حتى الآن.

ورغم أهمية هذا التطور داخل حركة حماس، فإنه لا يجيب عن السؤال الأكثر تعقيدًا بشأن “اليوم التالي” للحرب. فاختيار قيادة سياسية جديدة لا يحسم مستقبل إدارة قطاع غزة، ولا يحدد شكل السلطة التي ستتولى إدارة المؤسسات المدنية أو الملف الأمني بعد انتهاء العمليات العسكرية. كما لا تزال قضايا إعادة الإعمار، ومستقبل الأجهزة الأمنية، وسلاح الفصائل، وآليات الإشراف على القطاع، من أبرز نقاط الخلاف في المفاوضات الجارية.

وهنا تبرز ثلاثة سيناريوهات رئيسية. الأول يتمثل في عودة السلطة الفلسطينية لإدارة القطاع مع إعادة بناء الأجهزة الأمنية بدعم عربي ودولي. والثاني يقضي بتشكيل إدارة انتقالية أو قوة عربية ودولية تشرف على الأمن وإعادة الإعمار لفترة محددة. أما السيناريو الثالث، وهو الأكثر إثارة للقلق، فيتمثل في حدوث فراغ أمني نتيجة غياب سلطة قادرة على فرض النظام، مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، الأمر الذي قد يفتح المجال أمام تعدد مراكز القوة وظهور مجموعات مسلحة محلية تتنافس على السيطرة.

وتزداد هذه المخاوف مع استمرار استهداف عناصر الشرطة الفلسطينية، لأن أي تراجع في قدرة أجهزة الأمن المحلية على القيام بمهامها ينعكس مباشرة على حماية المدنيين، وتأمين المستشفيات، وتنظيم توزيع المساعدات، والحفاظ على النظام العام.

لذلك، فإن الحديث عن “اليوم التالي” لا يتعلق فقط بتشكيل لجنة جديدة أو تغيير الحكومة، وإنما بالإجابة عن سؤال أكثر أهمية: من سيحكم غزة فعليًا؟ ومن سيحمي المدنيين؟ ومن سيشرف على إعادة الإعمار؟ فبدون اتفاق واضح حول هذه الملفات، ستظل أي ترتيبات سياسية معرضة للانهيار، بينما تستمر الأزمة الإنسانية في التفاقم.

وبينما تتواصل الجهود التي تقودها مصر وقطر والولايات المتحدة لدفع المفاوضات إلى الأمام، يتركز جانب كبير من الضغوط السياسية على حركة حماس من أجل إبداء مرونة أكبر تجاه المقترحات المطروحة، في حين تواصل إسرائيل فرض وقائع جديدة على الأرض عبر توسيع عملياتها العسكرية واستهداف البنية التحتية ومواصلة سيطرتها على أجزاء من القطاع. وفي هذا السياق، تواجه القيادة الجديدة لحركة حماس، برئاسة خليل الحية، اختبارًا بالغ الصعوبة يتمثل في إدارة المفاوضات تحت وطأة الضغوط السياسية والعسكرية المتزايدة، مع الحفاظ على تماسك الحركة في ظل استمرار الحرب. وبين تعثر المفاوضات واستمرار العمليات العسكرية، يبقى مستقبل غزة مفتوحًا على سيناريوهات متعددة، بينما يظل المدنيون الطرف الأكثر تضررًا، في ظل غياب توافق واضح بشأن ترتيبات “اليوم التالي”.