دمهم في رقبة النظام المتواطىء
الرأسمالية المتوحشة تحصد أرواح العمالة غير المنتظمة
تنعى حركة الاشتراكيين الثوريين بحزن بالغ العمال الذين لقوا مصرعهم يوم الخميس 6 أغسطس 2026، إثر انقلاب سيارة ربع نقل كانت تقلّهم على الطريق الصحراوي عند نفق الودي في اتجاه بني سويف، بنطاق مركز الصف بمحافظة الجيزة، وتتقدم بخالص العزاء لأسرهم، وتتمنى الشفاء العاجل للمصابين.
ونسجّل ابتداءً أن الحصيلة المعلنة ما زالت متضاربة بين خمس وسبع حالات وفاة، وبين ستة وسبعة مصابين. إن العجز عن حصر أعداد الضحايا بدقة بعد يومين ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل هو أول دليل على أن هؤلاء العمال كانوا خارج أي سجل أو مظلة حماية قبل الحادث، كما هم بعده.
وقد أشارت التحريات الأولية إلى أن انفجار الإطار الأمامي للمركبة كان سببًا في الحادث، وهذه المعلومة وحدها تنقل السؤال من “خطأ السائق” إلى ما هو أبعد: من المسؤول عن صلاحية مركبة تنقل هذا العدد من البشر؟ ومن أجاز أن تكون وسيلة انتقالهم سيارة ربع نقل مخصصة أصلًا لحمل البضائع؟ وأين الفحص الفني الدوري والرقابة على المقاول الذي شغّلهم ونقلهم؟
إن نقل العمال في مركبات بضائع غير مؤمّنة ليس ممارسة استثنائية، بل هو القاعدة السائدة في تشغيل العمالة غير المنتظمة. وما وقع في الصف امتداد مباشر لسلسلة متصلة: تسع عشرة عاملة وفتاة على الطريق الإقليمي بالمنوفية، وضحايا الفيوم الذين احترقت بهم السيارة عائدين من جمع المحصول، وتسعة أطفال قضوا في ترعة بمركز أبوتيج بأسيوط. تتغير المحافظات والقطاعات، ويبقى النمط واحدًا: عامل رخيص، ومركبة غير آمنة، ورقابة غائبة، ومساءلة لا تأتي.
ونؤكد أن علاقة العمل ومخاطرها لا تنحصر داخل موقع الإنتاج، بل تمتد إلى رحلة الانتقال من وإليه. وقد استقر التشريع المصري على اعتبار إصابة الطريق إصابة عمل تستوجب حقوقًا تأمينية كاملة، لا مساعدات استثنائية تُصرف بوصفها منّة. والفارق ليس لفظيًا: الأول يقوم على مسؤولية صاحب العمل، والثاني يعفيه منها.
وعليه نطالب بفتح تحقيق شامل وشفاف لا يقف عند المسؤولية المرورية، بل يمتد إلى ظروف التشغيل، والعلاقة التعاقدية بين العمال والمقاول، وصلاحية المركبة، ومدى الالتزام باشتراطات السلامة والصحة المهنية، مع إعلان نتائجه على الرأي العام. ونطالب بإعلان حصر نهائي بأسماء الضحايا والمصابين يضع حدًا لتضارب الأرقام، وبضمان حصول الأسر على حقوقها بوصفها استحقاقًا تأمينيًا وقانونيًا لا إعانة، مع تحمل علاج المصابين حتى تمام التعافي. ونطالب كذلك بإصدار لائحة ملزمة تنظّم نقل العمال، تحظر استخدام مركبات البضائع في نقل البشر، وتفرض الفحص الدوري وأهلية السائقين بعقوبات رادعة على المخالفين، وبتفعيل التفتيش العمالي على مواقع التشغيل ووسائل النقل معًا، وتوسيع مظلة التأمين لتشمل العمالة غير المنتظمة فعليًا لا اسميًا.
إن تكرار هذه الوقائع كل بضعة أسابيع يقطع بأنها ليست أقدارًا محتومة، وإنما نتيجة متوقعة لسياسة تُبقي كلفة حياة العامل أرخص من كلفة حمايته. وسنواصل الرصد والتوثيق والمطالبة حتى يصبح حق العامل في أن يعود إلى أسرته سالمًا جزءًا أصيلًا من منظومة العمل، لا مطلبًا يُرفع بعد كل جنازة.
الاشتراكيون الثوريون
8 أغسطس 2026





