المقاطعة سلاح غير فعال.. تحرف النضال
تروج القوى الإسلامية والقومية واليسارية منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية لفكرة مقاطعة السلع التي تنتجها شركات يملكها يهود أو تكون مؤيدة بشكل أو بآخر للصهيونية، وتشمل بعض الأطروحات الشركات الأمريكية بشكل عام..
وفكرة المقاطعة الاستهلاكية كثيرًا من ما طرحت كإستراتيجية ضغط تحاول تعبئة القوة السلبية هذه الإستراتيجية جماعات الخضر في أوروبا وأمريكا فدعوا مرارًا لمقاطعة شراء السلع التي تنتهجها شركات تلعب دورًا في تدمير البيئة.
وكان أشهر هذه الحملات تلك الموجهة ضد شركة ماكدونالدز العالمية للوجبات السريعة. وأيضًا الحملة التي شنت ضد شركة نايك للأحذية الرياضية لتشغيلها مئات الآلاف من الأطفال في بلدان العالم الثالث. ولكن كل هذه الحملات قد باءت بالفشل فالشركات العالمية تبيع منتجاتها في جميع أرجاء الأرض وعملية توحيد المستهلكين غير ممكنة عمليًا. فليس هناك مصلحة مشتركة للمستهلكين لمجرد كونهم مستهلكين لنفس السلع.
إن هذه الحملات تكون مؤثرة فقط على مستهلكين الطبقات المتوسطة والأغنياء الذين يمكنهم اختيار سلع بديلة لأسباب أخلاقية أو سياسية، حتى وإن كانت أسعارها أغلى ولكن الغالبية العظمى من المستهلكين ليس لديهم ذلك الطرف فهم مضطرون لشراء السلع الأرخص أيا كانت سياسات أو اتجاهات منتجيها.
وإذا عدنا إلى حملة المقاطعة التي تشنها الآن القوى الإسلامية بشكل رئيسي لمساندة الانتفاضة الفلسطينية علينا أن تسال سؤال أساسي هل هي سلاح مؤثر ضد الصهيونية والإمبريالية؟ يجب أن تكون إجاباتنا بالنفي وذلك للأسباب الآتية:
أولاً حتى لو افتراضنا إمكانية توحيد المستهلكين بشكل عام على مقاطعة قائمة من الشركات فتأثير ذلك سيكون محدودًا للغاية لأن ما يعرض في السوق من منتجات وشركات أجنبية للاستهلاك المباشر يمثل ضئيلة جدًا مما يتم استيراده من الخارج والتعامل فيه مع الشركات الأجنبية. الحكومة وشركات القطاع الخاص هما المستهلكين الأساسيان والمتعاملان الأساسيان مع الشركات الأجنبية بما فيها الشركات الصهيونية والمؤيدة والمتعاملة مع إسرائيل. السلاح، الميكنة، القمح، البذور الزراعية، الآلات الكيماويات، مواد البناء وغيرها الكثير. كلها سلع لا يتحكم فيها بأي شكل من الأشكال المستهلكين فإن يكونوا لهم أي تأثير على استيراد هذه السلع حتى لو جاءت كلها من إسرائيل مباشرة.
ثانيًا ماذا عن الشركات التي لا تتم مقاطعتها؟ القوائم التي يطرحها الإسلاميون مثلاً تتحدث عن مقاطعة شركة بروكتر آند جامبل (المنتجة لمسحوق أريال) ولا تقاطع شركة هنكل (المنتجة لمسحوق برسيل) بحجة أن الأولى فقط يملكها يهودي يدعم الصهيونية، وهي فكرة شديدة السذاجة فشركة بروكتر أند جامبل شركة مساهمة متعددة الجنسيات تمامًا مثل شركة يونفرسال والشركتان مرتبطان وثيق بالإمبريالية وبمصالح في منطقتنا.
عندما نقاطع مجموعة من الشركات فنحن عمليًا نبرا الشركات غير المقاطعة من المسئولية وكأن هناك نوعين من الشركات تلك المملوكة للدولة، وتلك المملوكة لرأسمال أجنبي يرتبط بالصهيونية والإمبريالية الأمريكية وأخرى مملوكة لرأسمال مصري “مستقل” لا تربطه مصالحه بتلك القوى وبالتالي لا يجب مقاطعته.
إن هذه الإستراتيجية دعم جديد لأسطورة الرأسمالية الوطنية هذه الرأسمالية “غير المقاطعة” تربطها بالإمبريالية وبالشركات العالمية والصهيونية “ألف خيط من ذهب” وهي الداعم الرئيسي لسياسات النظام العملية للإمبريالية الأمريكية وللصهيونية. ومحاولات تبرئتها من هذه المسئولة هي خداع للجماهير يجب كشفه وفضحه وليس المشاركة فيها لمجرد شعبيتها ونجاحها الحالي.
وماذا عن النظام المصري نفسه؟ ماذا عن وزارة الزراعة وتعاملاتها المباشرة والصريحة مع الشركات والهيئات الإسرائيلية؟ ماذا عن هيئة البترول “الوطنية” التي تمد إسرائيل بالوقود وغيرها وغيرها وغيرها؟
لن تجد أيا شيئًَا في حملة المقاطعة عن كل ذلك وكأن المشكلة الوحيدة هي تسلل بعض الشركات الصهيونية والأمريكية إلى السوق المصري.
وعلى صعيد آخر يطرح البعض إن مقاطعة حتى وإن كانت غير مؤثرة فهي على الأقل فتعاطف قطاعات واسعة من الجماهير مع هذا الشعار وإحساسهم بأنهم على الأقل يتحركون هي ظاهرة لا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها بل يجب المشاركة في هذه الحركة كخطوة أولى. وهذه فكرة شديدة الخطورة فتعاطف الجماهير هو تعبير عن غضبهم تجاه ما يحدث ولكن توجيه هذا الغضب نحو هدف غير صحيح ليس خطوة إلى الأمام بل خطوة إلى الخلف وكلما تحركت في هذا الاتجاه كلما بعدت أكثر فأكثر عن الهدف الحقيقي. هو بمثابة تفريغ لهذا الهدف في اتجاه لا يخدم سوى العملاء الحقيقيين للإمبريالية الأمريكية والصهيونية.
المشكلة لا تكن فقط في كون الأسهم موجهة نحو هدف خاطئ وتوجه بذلك الأنظار بعيدًا عن الهدف الحقيقي ولكن أيضًا في نوع السلاح الذي يراد استخدامه.
فكما أنه لا يمكن أن تصيب أسدًا وأنت توجه أسهمك نحو قطة فلا يمكن أيضًا حتى أن تغضب ذلك الأسد إذا كان كل ما تفعله فقد هو الصراخ في وجهه. لقد تناولنا سابقًا حدود وضعف سلاح المقاطعة السلعية في حد ذاتها أي عدم فاعليتها ولكن هناك جانب أخر لا يقل أهمية ويتعلق باستخدام هذه الوسيلة غير الفعالة كبديل لوسائل أخرى.
في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي تبنى المهاتما غاندي زعيم حركة الاستقلال الهندية ضد الاستعمار البريطاني سياسة المقاطعة ضد الاحتلال. كان الاحتلال قد دمر خلال القرن التاسع عشر صناعة النسيج الهندية وفرض على الجماهير الهندية شراء المنسوجات البريطانية. وكان غاندي يدعو إلى مقاطعة هذه المنسوجات والاكتفاء بالمنسوجات الهندية بما في ذلك منسوجات الإنتاج الريفي الصغير. وكانت هذه السياسة جزءًا من إستراتيجية اللا تعاون السلمي مع الاحتلال التي شملت أيضًا الامتناع عن دفع الضرائب لحكومة الاحتلال. وتبدو للوهلة الأولى هذه الإستراتيجية راديكالية للغاية فهي تضرب الاحتلال وفي مقتل وتوحد الجماهير الهندية ولكن المسألة ليس بهذه البساطة ففي نفس الوقت الذي كان يطرح فيه غاندي “اللا تعاون السلمي” انتشرت في الحركة العمالية الهندية موجات متتالية من الإضرابات والمظاهرات المسلحة ضد رأس المال الهندي والبريطاني معًا وانتشرت في الريف الهندي موجات من التمرد الفلاحية الداعية إلى استيلاء الفلاحين الفقراء على الأرض ضد ملاك الأرض البريطانيين من العائلات الإقطاعية. وكان غاندي يعادي هذه الموجات ويطرح مواقفه “السلمي”: والتي تواجه الاحتلال البريطاني وحده كبديل للثورة وقد عارض غاندي بشدة مطالب الاستيلاء على الأرض والمصانع وتسليح الجماهير. وهذا الموقف منطقي للغاية فغاندي كان زعيمًا لحز المؤتمر الهندي وهي حركة تحرر وطني برجوازي تحتاج لتعبئة الجماهير ضد الاحتلال ولكنها تخاف من فقدان السيطرة على نفس هذه الجماهير. تريد غضب الجماهير ضد الاحتلال ولكنها تريد في نفس الوقت حماية الرأسمالية “الوطنية الهندية” وملاك الأرض من الهنود.
الوضع في مصر بالطبع شديد الاختلاف ولكن هناك نقاطًا متشابهة واضحة.
فالمقاطعة السلعية في حد ذاتها تبدو للوهلة الأولى فكرة جذابة وعملية وبكنها طرحت في وقت عمت فيه المظاهرات والمؤتمرات وفي وقت غضب غير مسبوق ليس فقط ضد الصهيونية والإمبريالية ولكن أيضًا ضد النظام المصري الذي ظهر بشكل غير مسبوق كحامي حمى الدولة الصهيونية وخادم أمين للسيد الأمريكي ولكن الحركة الإسلامية بتواجدها الواسع في الشارع هل طرحت تطوير المظاهرات وخلق اللجان وبلورة مطالب مثل قطع العلاقات وطرد السفير وإغلاق قناة السويس أمام السفن الأمريكية والإسرائيلية؟ بالطبع لا فهي لا تريد تحركات إيجابية من الجماهير تخرج عن سيطرتها واستيعابها تريد فقط تلك المقاومة السلبية اللا تعاونية التي تعشقها القوى البرجوازية والبرجوازية الصغيرة.
إن حملة المقاطعة السلعية سلاح غير فعال موجه ضد هدف خاطئ لا يمكن أن ينتج عنها إلا تضليل الجماهير وتفريغ غضبهم وواجبنا كاشتراكيين ثوريين فضح هذه الحملة والدفع نحو أهداف أكثر إيجابية كما أن المقاومة لا تسقط من قائمة أعدائها البرجوازية المصرية ونظامها العميل.





