توسعات الطرق بين الإيقاع والدماء

تحكي أسطورة سيزيف اليونانية، التي عوقب فيها بحمل صخرة يوميًا أعلى الجبل أن زيوس عندما أراد معاقبة سيزيف على تكبيل إله الموت ثاناتوس ضمن جرائم خداع أخرى قام بها لبشر وآلهة على حدٍ سواء، لم يُرد أن يكون عقابه فقط الصخرة التي تسقط كلما وصل بها إلى قمة الجبل في تارتاروس. فزيوس لم يأمن لدهاء سيزيف وتمرده ولهذا كان اختياره لجبل وُصفَ بشدةِ انحداره وكان وَعِرً لدرجة أنه يُقال أن سيزيف ظل مائة عامٍ ونيف يلعن الآلهة والصخرة ومائة أخرى اعتاد فيها الصخرة وبدأ يلعن الجبل والطريق الذي يسلكه. وعندما زادت شكواه وأحس زيوس أن سيزيف قد يخرج من وهم أبدية لا جدوى الفعل وهو العقاب بحد ذاته، أمر بأن يكون الطريق صراطً ممهدً يبدو وثيرً لا يمكنه جرح قدم سيزيف الحافية وإن بقي على نفس انحداره. فأحس سيزيف أن مهمته صارت أسهل ليمتد به الوهم مرةً أخرى إلا أنه لم يدرك أن زيوس بمكره جعل الطريق أكثر استحالة فصار الوصول لقمة الجبل أكثر شقاءً وكل انحناءه كانت تستند بها الصخرة ليرتاح وقتها سيزيف اختفت وكان لهذا الصراط ملمسًا ناعمًا لدرجة أنه إن فقد تركيزه للحظة لأفلتت منه الصخرة وفتكت به لقاع الجبل لتكون أبديته دامية إلا أنه كان ممتنًا أن الطريق صار ممهدً!
دماء ورصيف
لكل سيزيف على الطريق الدائري وغيره من الصُّرُط ذي الست والسبع حارات، لماذا لم تسهل كثير من الطرق الجديدة والتوسيعات للقديمة في شوارع المدن حياتكم بل ربما جعلتها في موضع الخطر؟ سؤال يحتاج للنظر وخصوصًا في ظل الارتفاع الملحوظ لعدد المتوفين والمصابين من حوادث الطرق فوفقًا للهيئة العامة للتعبئة والإحصاء، ارتفع عدد الوفيات من حوادث الطرق بين عامي 2018 و2025 من 3087 ل 5829، بينما وصل عدد المصابين لـ 84553 في عام 2025 مقابل 11803 في عام 2018 وهؤلاء ليسوا فقط ضحايا توسعات الدائري الإقليمي ولكن أيضًا توسيعات مماثلة في شرق القاهرة حصرها الصحفي مصطفى منصور محمد في تحقيقه بعنوان “ممرات الموت شرقي القاهرة” ومنها توسعات لطرق مثل شارع الحجاز ومسجد الخلفاء بمصر الجديدة بثلاث حارات في كل جانب وميدان المطرية وشارع جسر السويس وكان أيضًا من نصيبهما توسيعة الثلاث حارات في كل جانب وغيرها الكثير والكثير من الشوارع القاهرة وغيرها..
وهي توسعات شديدة الفقر في وسائل الأمان وتخفيف السرعة كالمطبات ومناطق عبور المشاة وزيادة عرض الرصيف وتضييق الشارع في التقاطعات وجسور المشاة التي لم تعتمد بأي شكل على تحديد الكثافة السكانية للمناطق ومدة المشي لها ويُترجَم ذلك بأن النسبة الأكبر للمتوفين في عام 2025 كانت من المارة بعدد 2132 وبينما الطرق كانت من المفترض أنها تخدم بنسبة أكبر السيارات إلا أننا نجد أن النسبة الأكبر للمصابين كانت من الركاب بعدد 25816 والأقل للسائق بعدد أقل ولكنه لافت للنظر وهو 14546 مصاب، والأرقام في كثرتها قد تُنسي أن هؤلاء ليسوا شرذمة قليلون بل كان لكلٍ منهم قصته وأحلامه وإحباطاته ورغبة تذوق القليل المعروض لهم على طاولة الحياة والتي سُفكت على قارعةِ طريق.
ربما كان التجلي الأكبر لتلك المأساة هو الحادث الذي وقع في يونيو 2025 على الطريق الدائري في نطاق محافظة المنوفية شمال القاهرة والذي راح ضحيته 18 فتاة أعمارهن ما بين 14 و22 عاما تاهت أسماؤهن وسط زحام التريند وسأختار أن يمثلهن هنا أصغر الصبايا وهنَ (هنا مشرف) و(سارة محمد) ذوي الأربعة عشر عامً كما توفي أيضًا السائق أدهم محمد أنس. وقد علق حسن مهدي عضو اللجنة الفنية المُشكّلة لدراسة إغلاق قطاعات بالطريق الدائري وقتها للجزيرة أن العنصر الرئيسي المسبب لحوادث الطرق في مصر هو البشري وهو تحليل ليس خطأ في ظاهره إلا أنه تعليق يستكمل دفاع السيد كامل الوزير عن منجزاته كشيخ للطرق أن السائق تعاطى المخدرات فهل نستنتج أن هذا يمكن تعميمه على كل المتوفين والمصابين في باقي الحوادث أم أن العنصر البشري يكون المتسبب والضحية لهذه الحوادث لسبب أشد تعقيدً؟ وهنا قد تكون الإجابة ليس فقط على أسباب ارتفاع نسب الحوادث بعد التوسيعات بل إجابة أيضًا على سؤال للسيد كامل الوزير عقب الحادث حينما قال (نحن لا نتهرب من المسؤولية، ولكن أين الجرم الذي ارتكبناه؟)
جُرمك يا سيدي هو أنك كمن لا يفقه الموسيقى والإيقاع ويصر على أن يكون المايسترو لأوركسترا وهي في أوج عزفها المضطرب.
الشارع بين الناس والسيارات
كانت الطرق ولمدة طويلة مكانً للناس حيث الحركة والتجمعات والحناطير وكانت الشوارع كلها للمشاة والمواصلات إلا أنه وبعد الحرب العالمية الثانية وتطور السيارات ووصولها لكثير من فئات المجتمع في أمريكا حدث تغيير جذري في فلسفة تخطيط المدن وبدأت تدريجيًا في إعطاء الأولوية للسيارات. وبعد أن كان تخطيط المدن يتمركز حول الإنسان، أصبح منذ ذلك الحين متمركزًا حول السيارة والخدمة على حركتها مع خلق مؤسسات تنظم الحركة بين ملاك الطرق الجدد ومن رُكنوا على الرصيف. وبينما يتبنى النظام المصري فلسفة تخطيط المدن المتمركزة حول السيارات، تشير أرقام المركز القومي للتعبئة والإحصاء، أن عدد الأسر المالكة لسيارات خاصة لم يتعدى 7.6% عام 2018. وإجمالي السيارات الملاكي لم يتعدى 5.7 مليون سيارة عام 2026. ومع مرور الوقت خُلق للطرق إيقاع تتداخل فيه حركة الإنسان مع حركة السيارات ولكل شيخ طريقة ولكل طريق إيقاع مع أن الأولوية من الأساس للسيارة ونتيجة لذلك ينتج عن هذا الإيقاع في أغلب الأحيان نشاذ يُعرّض حياة المشاة للخطر.
تحليل الإيقاع
لفهم هذا الإيقاع المتداخل نحتاج أولاً لإدراك أن كل ما نمر فالحياة يمكن فالنهاية توصيفه بأنه إيقاع. فطبقًا للفيلسوف الماركسي هنري لوفيفر في كتابه بعنوان (تحليل الإيقاع: المكان والزمان والحياة اليومية)، أن أي فراغ يلتقي فيه المكان وتتابُع الساعات واستهلاك الجهد يُخلَق فيه إيقاع معين يكون وليد الثلاثة. ويمكن تقسيم الإيقاعات لفرعين رئيسين: إيقاع دائري يمكن رؤيته في الروتين اليومي العام المتكرر وتغيير فصول السنة، وإيقاع خطي وهو إيقاع لا يظهر بسرعة ولكن مع تعاقب الأيام ويؤدي لتغيير فالتصرف العام كالأحداث التاريخية أو كتغيير البنية التحتية لمدينة ما مما يؤدي لتتغير سلوكيات سكانها على المدى الطويل من حيث نمط التحرك داخل المدينة وأسلوب الحياة. هذان الإيقاعان دائمًا في حالة تداخل مستمر ويتشاركان في قدرتهما على التحول المجتمعي، ويحملان في طياتهما شتى أنواع الإيقاعات والشارع هو المسرح المثالي الذي قد تتجلى فيه جميع هذه الإيقاعات في آنٍ واحد.
فالشارع وعكس المعتقد الراسخ (الذي بدأ فالتغير في كثير من بلدان العالم) ليس فقط مرحلة انتقالية ما بين مكانٍ وآخر بل مكانٌ في حد ذاته يحمل كل ما فالمدينة من حركة وإيقاعات تنبثق من الإيقاعين السابق ذكرهما. فتجد فيه أنواع إيقاع مثل الإيقاع الداخلي كحركة المشاة والباعة الجائلين المتكررة وحتى توقيت إشارات المرور، والإيقاع الطبيعي وهو المرتبط بنمط الحركة طبقًا لتوقيت اليوم ما بين حيوية النهار وسكون الليل وتغيير الفصول، والإيقاع المؤسسي كمواعيد المترو وافتتاح المحال والمدارس، والإيقاع الجمعي كازدحام ساعة الذروة ويلاصقه عادة الإيقاع المتعدد الذي يتمثل في إيقاعات الحركة المختلفة في آنٍ واحد كالدراجات ووسائل النقل العامة والسيارات. وهذا الأخير بالذات قد ينتج عنه إما إيقاع متناغم حيث التكافؤ في الوجود ما بين المشاة والسيارات ووسائل المواصلات والدراجات بشكل منتظم حتى في تداخله كحالة الميادين، وإما إيقاع مضطرب وهو مشاكل وسائل المواصلات كالتأخر في أحسن الأحوال والحوادث في أسوأها.
ومن هنا يمكن الوصول لعدة استنتاجات: أولاً، أن الناس هم ليسوا فقط العازفين لهذه السيمفونية بل هم المايسترو وبالتالي التعاطي مع إيقاعهم يجب أن يكون عن طريق التداخل معه وتحريكه رويدًا نحو التحسن وليس بطريقة فوقية غاشمة ينتج عنها تغيير إجباري لإيقاعهم ونمط حياتهم يؤدي لنشاذ يدفعون ثمنه حياتهم. ثانيًا، التعامل مع الشارع وإيقاعاته المتعددة يجب أن يكون جراحيًا وليس منشاريًا يقسّم الأحياء ويوسع الطرق دون أخذ الاعتبارات الأخرى، وثالثًا يجب على هذا التعامل أين يكون ديناميكيًا قابلاً للتكيف والتطور ويدرك اختلاف النسيج العمراني للمناطق وإيقاعاتها المختلفة فيحقق الاستدامة الحقيقية.
ويعتبر نهج “اجتنب، تحول، حَسِّن” ASL (Avoid, Shift, Improve) وبعيدً عن اسمه الجاف الألماني ذي طابع التنمية البشرية، هو أحد أفضل النُهُج لتحقيق هذه المعادلة الجراحية المستدامة الصعبة.
اجتنب، تحول، حَسِّن
هو نهج ذُكرَ للمرة الأولى في مذكرة للجنة التحقيق البرلمانية الألمانية عام 1994 وكان الغرض منه فالبداية تقليل التأثيرات البيئية الناتجة عن عوادم المركبات إلا أنه وبالنظر إليه فسنجد أنه وفي طريقه لتحقيق هذا الهدف يربط بين المهمتين الرئيسيتين لأعمال التخطيط عند الالتفات للطرق والتي أوضحت الفرق بينهما الباحثة أمنية خليل في مقالها للمنصة بعنوان “هل يمكن أنسنة الطريق؟” فذكرت أن (التخطيط العمراني، الذي يقوم به فريق استشاري عمراني، تقتصر مسؤوليته على بناء التصورات المتعلقة بتخطيط المدن والربط بين عدد من الطرق والمحاور، أما التصميم الحضري فيرتبط بمسؤولية ذات طابع أكثر تفصيلًا تتعلق بأثر الطرق على المستخدمين، وتصميم ممرات المشاة والأرصفة ومواقع الأشجار وأماكن الخدمة) وبالطبع نجد أن تخطيط الدولة فالغالب الأعم تاريخيًا وامتدادً للحظة الراهنة يؤثِر التخطيط العمراني على أخيه الثاني الذي ألقاه منذ زمن في غياهب الجب. ونهج “اجتنب، تحول، حَسّن” أو “أتِح” كاختصار تسهيلي يحقق أيضًا نقاط من أهداف التنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتحدة مثل: تأمين الوصول لوسائل مواصلات آمنة وغير مكلفة، وعمل بنية تحتية صلبة تحتوي الجميع ومستدامة. ولكن ما فحوى هذا النهج؟
هو ببساطة ينقسم إلى ثلاثة أقسام: “اجتنب” أو قلل التنقل أو الحاجة له وذلك عن طريق التنمية المدمجة للمدينة بحيث يكون كل جزء فيها يتداخل فيه السكن والتعليم والخدمات والعمل إن أمكن بطريقة متصلة دون الحاجة للتنقل لمسافات كبيرة للوصول لأغلبها. “تَحَوَل” لاستخدام وسائل تنقل أكثر توفيرً للطاقة وتلك مظلة كبيرة تهدف لتحسين تجربة التنقل للأفراد تحتها يكون التحول من استخدام وسائل التنقل الأكثر استهلاكًا للوقود (السيارات) لاستخدام وسائل صديقة للبيئة كالمشي وركوب الدراجات مع الإبقاء على وسائل المواصلات العامة كالباص والميكروباص، وبرغم أنها أيضًا لها ما لها من عوادم إلا أنه إذا نظرنا لنسبة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عنها نظير عدد الأفراد المستخدمين لها فسنجد الفرق شاسعًا بينها وبين السيارات، كما يجب أن تكون وسائل المواصلات متصلة بالوسائل الصديقة للبيئة فيكون موقف الباص على سبيل المثال قريبًا من موقف الدراجات وخطوط حركة المشاة فيحصل التناغم ويتحقق التحول. وأخيرًا “حَسِّن” كفاءة تشغيل وسائل المواصلات العامة بداية من كفاءة الطرق مرورًا باجتذاب الناس لاستعمال تلك الوسائل وانتهاءً بتحسين مصادر طاقتها كاستعمال وسائل الطاقة المتجددة كما في حالة الأتوبيس الترددي، ونجد بالطبع أن بند “حَسِّن” هو البند المفضل للدولة والوحيد الموجود في خطتها وذلك برغم أنه عند الاطلاع على نهج “أتِح” فسنجد أنه نهج هرمي يأتي على قمته “الاجتناب” ومن ثم يليه “التحول” وفيه قاعدته يكون “التحسن”.
إن من يريد التحسين حقًا يجب أن يضع الإنسان نصب عينيه وليس فكرة التحسين مجردةً من الأفراد المُعنى تحسين حياتهم وهذا يبدأ من أن يدرك الأشخاص المنوط بهم هذا التحسين أن التغيير من المستحيل أن يحدث ما دام آتيًا بشكل فوقي إرغامي، فسيزيف وبرغم تأثره بعذابه الأبدي من تسلقٍ عبثي وما جرى لعقله ودهائه بمرور السنوات، كان يدرك في قرارة لا وعيه أن المشكلة ليست الصخرة أو الجبل بل زيوس نفسه.





