هل هي حقبة جديدة من رأسمالية الدولة؟

أدريان بود: محاضر في العلاقات الدولية بجامعة هيرتفوردشاير البريطانية، ومؤلف كتاب “الصين: الصعود والقمع والمقاومة”. نُشر المقال في مجلة “الاشتراكية الأممية“، العدد 189، شتاء 2026.
منذ عقد التسعينيات فصاعداً، هيمن مفهوم العولمة على صحافة الأعمال والاقتصاد الأكاديمي (1). أصبحت العولمة أورثوذكسية جديدة، وقيل إنها تزيح التدخل الاقتصادي للدولة بمختلف أشكاله (التخطيط والصناعة المؤممة والإنفاق على الرفاه الاجتماعي)، فيما اعترفت الحكومات بعجزها عن كبح رأس المال العابر للقوميات أو الأسواق المالية العالمية. ظهرت كلمات جديدة وعبارات مستحدثة تماماً: رأس مال “مطلق العنان”، ذو “صلات محدودة بأي دولة”، يصول في عالم “تتلاشى فيه الحدود” على نحو متزايد. وفي ظل هذه الحقبة “ما بعد القومية”، أصبحت الطبقات الحاكمة للاقتصادات الكبرى أكثر “كوزموبوليتانية”. وبات الماركسيون الذين تصدوا لهذه الأورثوذكسية معرضين لأن يبدوا بعيدين عن الواقع ومتمسكين بإطار مرجعي وطني مألوف. وفي تلك الأثناء، ومع استقلال البنوك المركزية عن الحكومات، تمددت فئة جديدة من قادة شركات التقنية الفائقة من الولايات المتحدة إلى السوق الصينية، حتى لو كان ذلك يعني تعزيز الاقتصاد الموجّه من الدولة في الصين “الشيوعية”. وفي العام 2016، كان لاري إيليسون الوحيد من بين المديرين التنفيذيين لأكبر 20 شركة لتكنولوجيا المعلومات الذي دعم الحملة الرئاسية لدونالد ترامب.
غير أن ثمة شيئاً يتغيّر الآن. كشفت الأزمة المالية العالمية لعام 2008 هشاشة الأسواق، وأجبرت الدول على اتخاذ خطوات لاستعادة الاستقرار، بما في ذلك إنقاذ البنوك وهندسة التسهيل الكمي بواسطة بنوك مركزية مستقلة اسمياً فقط. وبحلول العام 2012، صارت صحيفة الأعمال الأسبوعية “الإيكونوميست” – النصير التقليدي لأورثوذكسية السوق الحرة – تحذّر من “صعود رأسمالية الدولة”، طارحةً أنها قد تصبح “النموذج الجديد للعالم الصاعد” (2). تعزّز هذا الاتجاه بفعل الاستجابة لجائحة كوفيد-19 في العام 2020. واليوم، تبددت هالة الكوزموبوليتانية التي كانت تحيط بأقطاب شركات التقنية الفائقة، وأصبح معظم مديري هذه الشركات يدعمون مشروع ترامب “اجعلوا أمريكا عظيمة مجدداً”.
أُعيد تأهيل النشاط الاقتصادي للدولة على نطاق أوسع. قبل قرن، غالباً ما ارتبط هذا النشاط بجهود الاقتصادات المتأخرة للحاق بالركب وحماية الاقتصادات الأضعف. ومنذ نصف قرن، كانت البلدان حديثة الاستقلال في الجنوب العالمي تحشد قوة الدولة للتعويض عن ضعف طبقاتها الرأسمالية المحلية. واليوم، تنعكس في الدول الغربية الكبرى إجراءات الدولة المتبعة في القطاعات الرئيسية فائقة التقنية ضمن ما أطلق عليه توبياس تن برينك “الرأسمالية المتخللة بالدولة” في الصين. وصارت أكبر صناديق الثروة السيادية تابعة لبعض أغنى دول العالم، وأضحت إدارة الدولة للاقتصاد، في صورة الرسوم الجمركية والحوافز المقدمة لرأس المال وتوسيع الأسواق الخارجية، تُطبَّق بقوة من جانب الدولة الأقوى في العالم، أي الولايات المتحدة (3).
تحلّل هذه المقالة التوجهات المعاصرة في العلاقة بين الدولة ورأس المال. سوف أعرض أولاً العلاقة بين الدولة ورأس المال في النظرية الماركسية، ثم أناقش ثانياً الميل نحو رأسمالية الدولة الذي تطوّر في البلدان الرأسمالية المتقدمة منذ نهاية القرن التاسع عشر، وأوضح ثالثاً لماذا ينبغي توصيف الاتحاد السوفيتي الستاليني باعتباره رأسمالية دولة بيروقراطية، وهو أمر مركزي في التراث الماركسي الكلاسيكي الذي تستند إليه هذه المجلة. انهار الاتحاد السوفيتي، الذي جسّد الشكل الأكثر تطرفاً لرأسمالية الدولة، في 1989-1991، وأعقب ذلك إعادة هيكلة جذرية له وللدول التابعة له في أوروبا الشرقية، كجزء من إعادة تشكيل أوسع لعلاقة الدولة برأس المال في ظل العولمة النيوليبرالية. وسوف أحلّل بعض هذه العمليات في القسم الرابع من المقالة. لقد أوضح كثير من الكُتّاب في هذه المجلة، أو المرتبطين بها، أن الادعاءات المتعلقة بـ”تراجع” الدولة في الحقبة النيوليبرالية، التي أعقبت حقبة رأسمالية الدولة منذ نهاية السبعينيات، مبالغ فيها ومفرطة في التبسيط (4). ورغم عدم حدوث تراجع جوهري للدولة، كانت إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة ورأس المال حقيقية تماماً. واليوم، يُعدّ النهوض الجديد لجوانب مهمة من نسخ سابقة من رأسمالية الدولة، ولا سيما في السياسة الصناعية، حقيقياً بالقدر نفسه. لا تكمن أهمية هذا النهوض الجديد في إثبات صحة النهج النظري العام لهذه المجلة، بل في إظهاره أن الرأسمالية العالمية دخلت حقبة أكثر صراعاً واضطراباً، يتعمق فيها التنافس بين الإمبرياليات، بما يهدد مستقبل كوكبنا نفسه.
الدولة ورأس المال في النظرية الماركسية
اضطلعت الدولة بدور حيوي في ميلاد الرأسمالية، إذ سعت، على حد وصف كارل ماركس، إلى “التعجيل، كما لو في دفيئة” بالانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية (5). حفّزت الدولة البريطانية التراكم البدائي لرأس المال من خلال حماية النهب الدموي للمناطق الأقل تقدماً من العالم، بل والمشاركة الفعلية فيه. تقدّم الأيديولوجيا البرجوازية الأسواق باعتبارها أمراً طبيعياً، لكن، كما جادل المؤرخ الاقتصادي كارل بولاني، “لم يكن ثمة شيء طبيعي في مبدأ دعه يعمل؛ إذ لم يكن من الممكن للأسواق الحرة أن تنشأ بمجرد السماح للأشياء بأن تأخذ مجراها… لقد فرضت الدولة مبدأ دعه يعمل” (6). كان مجتمع السوق الجديد مناقضاً للسلوك الاجتماعي القائم إلى درجة أن إدخاله “لم يؤدِّ إلى الاستغناء عن الحاجة إلى السيطرة والتنظيم والتدخل، بل زاد نطاقها على نحو هائل” (7). وينطبق هذا بصورة خاصة على سوق العمل، التي شُكّلت قسراً عبر سلسلة من الإجراءات القمعية، شملت تطهير الأراضي وحظر التشرد وإنشاء نظام بيوت العمل. واستنتج ماركس أن الدولة تؤدي دوراً أساسياً لا يمكن أن تقوم به أي جهة أخرى في تهيئة “الظروف اللازمة لوجود رأس المال” (8).
يتضمن ذلك، إلى جانب حماية حقوق الملكية، توفير البنى التحتية المادية (النقل والطاقة والمياه والاتصالات). غير أنه بما أن رأس المال ليس شيئاً، بل، كما جادل ماركس، “علاقة إنتاج اجتماعية محددة” بين العمل الحي والعمل الميت، فإن هذه الظروف الضرورية لوجود رأس المال تتعلق أساساً بفرض علاقات ومواقف وسلوكيات اجتماعية مواتية للرأسمالية. وينطوي ذلك على إجراءات تتخذها الدولة لخلق قوة عمل متعلمة ومدربة، والحفاظ على صحة العمال، وإعادة إنتاج قوة العمل (والمجتمع بصورة عامة). تجري إعادة إنتاج قوة العمل في الأسرة بالأساس، الأمر الذي يقلّص التكلفة الواقعة على رأس المال ويديم، في الوقت نفسه، أدواراً جندرية تقليدية. ورغم خصخصة هذه العملية إلى حد بعيد، فإن الدولة تنظّمها وتدعمها. كثيراً ما يمتعض الرأسماليون وأيديولوجيوهم من تعدّي الدولة على حقوق ملكيتهم، لكن من دون سلطة الدولة، التي تُموَّل بالأساس من فائض القيمة المُنتَج في الاقتصادات الوطنية، تصبح الممارسة الفعلية لحقوق الملكية، بل وإعادة إنتاج النظام بأكمله، موضع تهديد. ولطالما اعتمدت الرأسمالية، في أشكالها المختلفة، على أدوار الدولة؛ إذ تعمل الدول ورؤوس الأموال دائماً في إطار علاقة “اعتماد هيكلي متبادل”، وفق تعبير كريس هارمان (9). بيد أن التوازن الدقيق بين الطرفين ليس ثابتاً، وتختلف الأهمية النسبية لكل منهما من فترة إلى أخرى.
حقبة من رأسمالية الدولة
تضرب ظاهرة رأسمالية الدولة بجذورها في تطور الرأسمالية نفسها. التقطت روزا لكسمبورج تنامي إضفاء الطابع الدولتي على الرأسمالية في نهاية تسعينيات القرن التاسع عشر، موضّحةً إياه كما يلي:
“يغيّر التطور الرأسمالي طبيعة الدولة بصورة جوهرية؛ إذ يوسّع مجال نشاطها ويفرض عليها وظائف جديدة على الدوام… بما يجعل تدخلها وتحكمها في المجتمع أكثر ضرورة. ومن هذا المنطلق، يهيّئ تطور الرأسمالية شيئاً فشيئاً امتزاج الدولة بالمجتمع” (10).
اتخذ الدور المتزايد للدولة أبعاداً وطنية ودولية على السواء. أسفر التصنيع الرأسمالي في الدول المتقدمة عن ميلاد طبقة عاملة حديثة وسريعة النمو – “حفّارو قبور الرأسمالية” وفقاً لماركس – تتركز في مناطق حضرية، وتزداد تعلماً وتنظيماً في النقابات والأحزاب الاشتراكية (11). ومنذ العقود الأخيرة للقرن التاسع عشر، طالبت الحركات العمالية الدولة بسن إصلاحات اجتماعية وتشريعات حمائية. فسّر بولاني تزايد تنظيم الدولة باعتباره العنصر الثاني في “حركة مزدوجة”، أي ردّاً على إخضاع المجتمع للسوق (العنصر الأول)، وهو ما كان سيقضي عليه “لولا حركات الحماية المضادة التي خففت من أثر هذه الآلية المدمرة لذاتها” (12). وبينما كانت سلطة الدولة قد ضمنت سابقاً إدارة المجتمع “باعتباره ملحقاً للسوق”، انخرطت الدول نفسها في نهاية المطاف في إعادة إدماج الاقتصاد ضمن علاقات اجتماعية أوسع، وتوفير بنى تحتية أكثر اتساعاً لإعادة إنتاج قوة العمل (13). وفي أنحاء أوروبا، وعبر أنظمة سياسية مختلفة، ظهرت تشريعات للرفاه تحدّ من السوق وتشمل أماكن العمل والصحة العامة والتأمين الاجتماعي. واختلف نطاق الإصلاح الاجتماعي ووتيرته باختلاف مستوى النضال الطبقي، لكن الدول واجهت ضغوطاً من أعلى ومن أسفل على السواء. وكما أشارت لكسمبورج، فإن احتياج رأس المال إلى عمال أصحاء ومتعلمين كان يعني أن “التشريع العمالي يجري سنّه لخدمة المصلحة المباشرة للطبقة الرأسمالية بقدر ما يخدم مصلحة المجتمع بصورة عامة” (14).
وتتطلب المنافسة الدولية أيضاً أن تتدخل الدولة بصورة أكثر منهجية في عمليات الإنتاج الرأسمالي وإعادة الإنتاج الاجتماعي. وكما صرّحت إيلين وود، فإن الرأسمالية “نظام عالمي منظَّم وطنياً” (15). وفي تنظيم المكوّن الوطني للرأسمالية العالمية، ليست الدول مجرد حوامل سلبية للضغوط العالمية، ولا يقتصر دورها على ترجمة الضرورات العالمية إلى إطار وطني. لقد حوّلت الرأسمالية مجتمعات العالم ودوله، لكن الدول بدورها صاغت الأشكال الوطنية الخاصة للرأسمالية (16).
في السنوات الأولى من القرن العشرين، طوّر المنظّر الماركسي نيكولاي بوخارين التحليل الماركسي للبُعد الدولي للأدوار المتنامية للدولة. واتخذ كتابه “الإمبريالية والاقتصاد العالمي” (1916) الاقتصاد الرأسمالي العالمي نقطة انطلاق. كتب أن “الرأسمالية العالمية أنشأت هيكلاً اقتصادياً بالغ المرونة، ترتبط أجزاؤه كافة بعلاقة اعتماد متبادل، وينعكس أدنى تغيير في أحدها فوراً على سائر الأجزاء” (17). ولم تكن هذه عملية سلسة خالية من الصراعات؛ بل إن الاعتماد المتبادل كثّف المنافسة الدولية. فقد واجهت الدول المتأخرة في التطور الرأسمالي، مثل ألمانيا وروسيا واليابان، القيادة العالمية لبريطانيا وتوسعها الإمبريالي، عبر تغييرات اقتصادية واجتماعية تقودها الدولة لتسريع تراكم رأس المال. وشملت التدابير إنشاء مصارف ادخار مملوكة للدولة لتركيز المدخرات، وتطويراً هائلاً للبنى التحتية، وتوسيع برامج التعليم الفني. وهكذا حفّز تدويل الرأسمالية، المدفوع بالضرورة المنهجية للتراكم التنافسي، والمعبَّر عنه في صعود الشركات متعددة الجنسيات وتنامي التجارة والاستثمار في الخارج، “اتجاهاً معاكساً نحو تأميم المصالح الرأسمالية” (18). ووفقاً لبوخارين، ولّد ذلك ضغطاً باتجاه رأسمالية الدولة، يجمع بين تزايد نشاط الدولة في الاقتصاد والتجمّع المتزايد لرأس المال الكبير حول دولته الأم، التي استُدعيت لدعمه في الصراع التنافسي على المستعمرات والوصول إلى الأسواق ومصادر المواد الخام وفرص الاستثمار في الخارج. وربما بالغ بوخارين في بعض جوانب أطروحته، بما في ذلك تصوره أن الاقتصادات الوطنية ستخضع للدولة إلى درجة تطورها إلى “مشروع واحد مدمج”، لكنه أدرك الطابع الأساسي للرأسمالية العالمية طوال النصف الأول من القرن العشرين أو أكثر. فما تطوّر كان حقبة ممتدة من رأسمالية الدولة، ومع تداخل المنافسة الاقتصادية مع الخصومات بين الدول، اشتدت المنافسة العسكرية والصراعات.
تتوسّط الدول الضغوط العالمية وتعدّلها في سياق الهياكل الاجتماعية والثقافات والترتيبات المؤسسية القائمة والظروف السياسية. ونتيجة لذلك، تحتفظ الرأسماليات الوطنية بخصائصها، غير أن الانطباع السطحي عن عالم “تعددي ومعقد على نحو غير قابل للاختزال” يخفي، كما يطرح ديفيد كواتس، “منطقاً بنيوياً أساسياً… مرتبطاً بالتطور غير المتكافئ للرأسمالية عبر الزمن بوصفها نظاماً عالمياً” (19). ويشكّل المنطق البنيوي للتراكم التنافسي العالمي، والمنافسة العسكرية التي هي أحد أشكاله، الإطار الأساسي لفهم طبيعة الاتحاد السوفيتي بعدما عزلت القوى الرأسمالية المتقدمة التحول الثوري لعام 1917 وحاصرته.
رأسمالية الدولة البيروقراطية في روسيا السوفيتية
تحصر الصيغ الجامدة من الماركسية الرأسمالية في المجال الاقتصادي، وتعتبر سائر مجالات النشاط البشري “غير رأسمالية”، بما في ذلك أفعال الدول. وتقيم هذه الصيغ فصلاً حاداً بين السياسة والاقتصاد، فتنكر بذلك أن الدول ورؤوس الأموال أشكال متمايزة ومترابطة للسلطة الطبقية الحاكمة، وأن كليهما يتشكل بالمنطق الرأسمالي نفسه. في المقابل، يجادل عالم الجغرافيا الماركسي ديفيد هارفي بأن مفهوم نمط الإنتاج لا يشير ببساطة إلى الاقتصاد، بل يحيل إلى:
“النطاق الكامل لعلاقات الإنتاج والتبادل والتوزيع والاستهلاك، إلى جانب الترتيبات المؤسسية والقانونية والإدارية، والتنظيم السياسي وجهاز الدولة، والأيديولوجيا، والأشكال المميزة لإعادة الإنتاج الاجتماعي (الطبقي)”.
عبر هذه العدسة يمكننا أن نقارن بين أنماط الإنتاج “الرأسمالية” و”الإقطاعية” و”الآسيوية”، إلخ (20).
يتبنى التراث المرتبط بهذه المجلة نهجاً مشابهاً لنهج هارفي. وتجادل الوثيقة التأسيسية لهذا التراث، وهي كتاب توني كليف “رأسمالية الدولة في روسيا”، بأن توطيد البيروقراطية الستالينية في 1928 والخطة الخمسية الأولى شكّلا ثورة مضادة أدت إلى تأسيس ما حلله كليف باعتباره رأسمالية دولة بيروقراطية تحت هيمنة طبقة حاكمة جديدة. وكمن مصدر سلطتها في سيطرتها على الدولة السوفيتية وملكيتها للممتلكات المؤممة، على أن تُفهم الملكية هنا بوصفها سيطرة فعلية. ومكّنها الأمران معاً من التحكم في الفائض الاجتماعي المتولد عن استغلال العمال. كانت السياسة والاقتصاد متمايزين مؤسسياً، لكنهما مندمجان في الجوهر.
سلّط كتاب ميشال ريمان المهم “ميلاد الستالينية” الضوء على الوحدة الأساسية بين هذين البعدين لسلطة الطبقة الحاكمة السوفيتية. واستند الكتاب إلى اكتشاف عارض، في وزارة خارجية ألمانيا الغربية عام 1969، لأرشيف من المواد التاريخية السوفيتية. وأظهر ريمان كيف منح امتلاك البيروقراطية الستالينية لجهازي الشرطة والقضاء احتكاراً لوسائل الإكراه والإنتاج الأيديولوجي، مكّنها من فرض مصالحها الخاصة على المجتمع بصورة متزايدة في أواخر العشرينيات، ولا سيما بعد بلورة الخطة الخمسية الأولى. وقضت القائمة المذهلة من الإجراءات القمعية التي اتُّخذت في مطلع العام 1929 على آخر ما تبقى من سلطة الطبقة العاملة، التي مثّلت المكسب الرئيسي لثورة 1917. وحلّت إدارة الرجل الواحد محل نظام الترويكا، الذي مارست النقابات في ظله، وقد ظلت مستقلة إلى حد ما حتى عام 1928، بعض السيطرة على قرارات الإدارة. ومُنحت الإدارات صلاحيات متزايدة لتأديب العمال وفصلهم، وحُظر على المحاكم النظر في شكاوى العمال بشأن العقوبات وحالات الفصل، فيما رفضت النقابات منذ ذلك الحين الدفاع عن أعضائها أمام المحاكم. وفي الوقت نفسه، أُلغي يوم الأحد بوصفه يوم راحة، وطُبّق نظام الحصص الغذائية، وتوسّع نظام العمل بالقطعة بصورة هائلة، فكان بمثابة قوة جبارة لتفتيت الطبقة العاملة. وبحلول العام 1932، صار 68% من العمال يتقاضون أجورهم وفق نظام العمل بالقطعة.
اجتثّ صعود رأسمالية الدولة البيروقراطية آخر جذور السلطة العمالية في الصناعة، وعكس مسار التغييرات الثورية التي أرست أساساً لتحرير النساء وتغيير الأدوار والعلاقات الجندرية التقليدية. وسقطت الإجراءات التي هدفت إلى إضفاء الطابع الاجتماعي على جانب كبير من أعباء العمل المنزلي ورعاية الأطفال، والتي اتُّخذت عقب الثورة مباشرة، بما يشمل توفير المغاسل والمطاعم في مواقع العمل، ضحية لإعادة التشديد الستاليني على مركزية الأسرة الخاصة في إعادة إنتاج قوة العمل. وبعد العام 1945، فُرض النموذج السوفيتي على أوروبا الشرقية، وتكرر في الصين بعد ثورة 1949.
ورغم أن الصورة لم تكن واحدة في كل مكان، أدى فقدان العمال الرجال خلال الحرب العالمية الثانية إلى زيادة الطلب على عمل النساء. وكانت مشاركتهن الاقتصادية الرسمية، في العموم، أكبر مما في الغرب، وأتاحت لهن فرصاً ومزايا لم تكن متوفرة على نطاق واسع للنساء الغربيات. وكان ذلك واضحاً بصورة خاصة في ألمانيا الشرقية، الاقتصاد الأكثر تقدماً في أوروبا الشرقية، حيث كان عدد الرجال الذين قُتلوا في الحرب مرتفعاً بصورة ملحوظة. شجعت الدولة تطوير مهارات النساء العاملات، ودخلت النساء بأعداد متزايدة قطاعات كانت عادةً خاضعة لهيمنة الرجال، بما في ذلك المناصب الإدارية. ودخلن أيضاً قطاعات أعلى مكانة، مثل التعليم العالي والعلوم. وبصورة عامة، تحسّنت خبرة النساء في العمل في بلدان رأسمالية الدولة، بما يشمل إجازة الأمومة مدفوعة الأجر وإتاحة رعاية الأطفال والحضانات، تحسناً كبيراً بعد العام 1945.
غير أن الدافع وراء هذه التغييرات لم يكن التزام النظام الستاليني بتحرير النساء، بل حاجته إلى إمدادات من قوة العمل. وكان هذا يعني أنه، بينما شهدت كثير من النساء تحسينات مهمة في حياتهن، ظلت هذه التحسينات هشة وخاضعة للاندفاع نحو التصنيع. ولم يكن توفير الحضانات ورياض الأطفال والمقاصف كافياً قط لتلبية احتياجات النساء. وحين تباطأ النمو، كما حدث في تشيكوسلوفاكيا في 1962-1963، أعلنت الدولة التخلي عن “المفهوم الأيديولوجي لإضفاء الطابع الاجتماعي على العمل المنزلي” (21). واستمرت النساء في حمل “العبء المزدوج”، المتمثل في العمل داخل المنزل، بما يشمله من تسوق وطبخ وعمل منزلي ورعاية للأطفال، والعمل المدفوع خارج المنزل، مما كرّس وضعهن الخاضع في المجتمع. وظهر ذلك بأشكال مختلفة، منها التصور الرسمي للنساء بوصفهن مصدراً للعمل الرخيص، والفجوة الجندرية في الأجور التي لا تزال مألوفة لدى نساء الغرب. وكان هناك أيضاً تقسيم جندري للعمل، ظلت النساء في ظله مهمشات في صنع القرار والمناصب الإدارية، وشغلن الوظائف الأدنى أجراً، وقمن بأعمال غير ماهرة أو عملن بدوام جزئي، مما خفّف العبء المزدوج قليلاً، لكن على حساب التقدم الأوسع. ورغم أن الطلب على عمل النساء كان يعني أن نساء الشرق، ولا سيما في ألمانيا الشرقية، عملن في طيف من الوظائف أوسع من نساء الغرب، تجلّى التقسيم الجندري للعمل، كما في الغرب، في تركز النساء بصورة غير متناسبة في “أعمال نسائية” تقليدية، مثل التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية (22).
وأيّاً كانت الاختلافات بين اقتصادات الكتلة الشرقية وبعضها، وأيضاً مهما كانت ادعاءات الستالينيين، لم تقدّم رأسمالية الدولة تجسيداً للرؤية الماركسية لتحرر النساء، بل خُطُوَةً للوراء مقارنةً بسنوات الأمل التي أعقبت 1917 مباشرةً.
عكست إعادة الهيكلة المنهجية للاقتصاد والمجتمع في الاتحاد السوفيتي ضعف الطبقة العاملة والقواعد البلشفية خلال الحرب الأهلية وحرب التدخل الأجنبي، وما ارتبط بذلك من صعود بيروقراطية الحزب – الدولة إلى السلطة في العشرينيات. بيد أن كليف شدّد، مردداً جدلية التدويل والقومنة التي أوضحها بوخارين، على أن هذه الدينامية لم تكن داخلية فحسب. كان ستالين واعياً تماماً بالبيئة التنافسية الدولية، محاججاً في نوفمبر 1928 بأن “من المستحيل الدفاع عن استقلال بلدنا دون قاعدة صناعية كافية للدفاع… إما أن نكتسبها وإما أن نُمحى عن الأرض” (23). وكرر حجته في 1931، قائلاً لمديري المصانع: “إننا متأخرون عن الدول المتقدمة بخمسين أو مائة عام. لا بد أن نعوض هذا التأخر في عشر سنوات. إما أن نفعل ذلك وإما أن يسحقونا” (24). وتطلّب ذلك ما أطلق عليه ريمان “قطيعة الستالينية التامة مع معنى وجوهر المبدأ الاجتماعي للاشتراكية” (25).
كانت جذور رأسمالية الدولة البيروقراطية في خصوصية تاريخ الاتحاد السوفيتي وبنيته الطبقية خلال العقد التالي لعام 1917 تعني أنها انطوت على إخضاع قوى الإنتاج للدولة إخضاعاً شبه كامل. وأدى ذلك إلى ارتباك في صفوف اليسار العالمي حول كيفية فهم الاتحاد السوفيتي. فبالنسبة إلى كثيرين، تُعرَّف الرأسمالية بالملكية الخاصة، المفهومة بوصفها ملكية قانونية لأفراد أو شركات. لكن في سياق النظام العالمي للتراكم التنافسي، كانت الملكية السوفيتية المؤممة خاصة تحديداً لأنها كانت في الحيازة الحصرية للدولة السوفيتية؛ إذ أُقصي جميع المواطنين غير السوفيت، وبالطبع جميع المواطنين السوفيت تقريباً، بعيداً عن عالم الأيديولوجيا، عن ممارسة أي تأثير في استخدامها.
كانت رأسمالية الدولة السوفيتية الشكل الأكثر تطرفاً للظاهرة العامة التي عرّفها بوخارين في 1916، لكن الأشكال المؤممة من الرأسمالية غلبت في أنحاء العالم حتى صعود النيوليبرالية في أواخر السبعينيات. وكانت كل أزمة تحفّز مزيداً من إجراءات الدولة لحماية الاقتصاد الوطني ورأس المال الوطني. وفي استجابة لانهيار وول ستريت والسنوات الأولى من كساد الثلاثينيات، تخلّت كل من بريطانيا والولايات المتحدة عن “معيار الذهب”، فانفصلتا عن النفاذ المباشر لقانون القيمة وعن إخضاع اقتصاديهما للحركات النقدية الدولية. وشهدت الحرب العالمية الثانية تنظيماً منهجياً من جانب الدول للاقتصادات الوطنية للدول المتحاربة. وعقب العام 1945، تلقت رأسمالية الدولة دفعة جديدة مع امتداد السلطة السوفيتية إلى أوروبا الشرقية ومحاكاة النموذج السوفيتي في الصين وغيرها من البلدان. وفي الغرب، عززت قوة الحركات العمالية والتنافس بين المعسكرين الشرقي والغربي الضغط التنافسي على رأس المال لزيادة تمويل الرفاه، وهو ما لبّى، على أي حال، مصالح رأس المال نفسه بإعفاء رؤوس الأموال المنفردة من مسؤولية هذا الإنفاق. وشاعت أيضاً عمليات تأميم الصناعات الثقيلة. وفي الجنوب العالمي، عزز ضعف الطبقات الرأسمالية المحلية إنشاء شركات وطنية رائدة بوصفها رمزاً للاستقلال السيادي في دول ما بعد الاستعمار. وفي بعض أجزاء الجنوب العالمي، ولا سيما في آسيا، حشدت الدول “التنموية” رأس المال وراء مساعي النمو والتنمية الوطنية. كتب بول صامويلسون، مؤلف كتاب الاقتصاد الأكثر مبيعاً في الستينيات، أن الأساليب الكينزية في تخطيط الدولة وإدارة الطلب حلّت المشكلات الأساسية للرأسمالية. إلا أنه، خلال السنوات القليلة التالية، ومع نشوء أزمة في الربحية، بدأت الحركات العمالية وغيرها من الحركات الاجتماعية تشكّل تحدياً للرأسمالية على نطاق لم يُشهد منذ 50 عاماً. وبحلول منتصف السبعينيات، غرقت الرأسمالية في أول أزمة اقتصادية شاملة منذ الثلاثينيات. وبدأ الليبراليون المتطرفون، الذين ظلوا منذ العام 1945 يبشرون بأيديولوجية السوق الحرة من الهامش السياسي، يمارسون تأثيراً أكبر في دوائر الطبقات الحاكمة في بلدان غربية مختلفة، تتقدمها الولايات المتحدة وبريطانيا، حيث كانت معدلات النمو راكدة بصورة خاصة.
وباستثناء تشيلي جزئياً بعد انقلاب أوغستو بينوشيه عام 1973، لم تحقق النيوليبرالية قط تحوّلاً كاملاً للأنظمة الاقتصادية الوطنية القائمة، بل تقدمت عبر برامج إصلاح براغماتية، ولا سيما حيث واجهت مقاومة. ولكن بحلول أوائل الثمانينيات، كان وعد النيوليبرالية باستعادة الربحية وسلطة رأس المال يعني أن ترتيبات رأسمالية الدولة أصبحت تحت ضغط في كثير من الاقتصادات الكبرى.
النيوليبرالية والتراجع الجزئي للدولة
كما سنرى أدناه، ليست العلاقة بين النيوليبرالية والدولة الرأسمالية مباشرة؛ فقد قوّضت النيوليبرالية بعض جوانب سلطة الدولة، مثل تنظيم رأس المال، بينما عززت جوانب أخرى، منها الإجراءات المعادية للنقابات. ويتضح ذلك من التناقضات في طبيعة رأسمالية ما بعد الحرب التي واجهتها النيوليبرالية؛ إذ كانت خاضعة للدولة بصورة متزايدة في مجالات محورية، مثل الرفاه والصناعة المؤممة، لكنها أصبحت، في الوقت نفسه، أكثر تعرضاً للتدويل، عبر التجارة والاستثمار في الخارج ونمو الأسواق المالية العالمية، بفعل ضغوط الولايات المتحدة وأكبر رؤوس الأموال في العالم. غير أن منظّري النيوليبرالية رسّخوا الفكرة القائلة إن الدولة عقبة أمام دينامية ريادة الأعمال ومصدر لضعف الكفاءة وبطء النمو. لكن غرضهم الرئيسي لم يكن تفكيك الدولة، بل تقويض تأثير الحركة العمالية في سياسات الدولة وإعادة تشكيل المفاهيم الشعبية للحدود بين العام والخاص. وقد فهموا تماماً أنه حتى لو تحوّل دور الدولة من الإنتاج المباشر إلى تأدية وظائف تمكّن السوق، فلا بد من إعادة تشكيلها، لا تفكيكها. وأعادت أربعة عقود من إعادة الهيكلة والعولمة النيوليبرالية تشكيل جوانب كثيرة من صور رأسمالية الدولة التي استمرت نحو 75 عاماً في الغرب. وفي 1989-1991، انهارت النسخة السوفيتية. وتعايش التغيير الذي فُرض تحت مسمى “إجماع واشنطن” مع قدر أكبر من الاستمرارية.
على مستوى التغيير، ردّد سياسيو التيار السائد سلسلة من الحجج التي تحولت إلى مسلمات استمرت عقوداً. فقد أدى النمو الهائل في التجارة إلى تعريض الاقتصادات الوطنية بصورة متزايدة لمقارنات الأسعار العالمية، ومن ثم فرض ضغطاً لتقليص ضرائب الدولة وإنفاقها. وكان ينبغي للسياسات العامة أن تحكمها اعتبارات القيمة مقابل المال، ومن ثم أن تستوعب القطاع الخاص، الذي نُسب جانب من تفوقه في الكفاءة على القطاع العام إلى استفادة شركاته غالباً من وفورات الحجم العالمية. وصار إنفاق الدولة خاضعاً لمراقبة أسواق رأس المال الدولية ووكالات التصنيف العالمية والمؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد والبنك الدوليين. وتراجعت حصة إنتاج المؤسسات المملوكة للدولة من إجمالي الإنتاج الوطني، وخُصخص كثير من أصول الدولة. وحتى في الصين، لا تمثل المؤسسات المملوكة للدولة سوى نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما يقع 50% من القطاع المصرفي في أيدٍ خاصة.
وفي ذلك الوقت، شاع تشويه دولة الرفاه، أو “الدولة المربية”، في الخطاب السائد. وكما أوضح فرانسيس كاستلس وزملاؤه في كتاب “الدولة المتلاشية؟”، جادل النيوليبراليون بأن “دول الرفاه الكبيرة لا تستطيع المنافسة في أسواق تزداد عولمة، لأن المستويات المرتفعة من إنفاق الدولة ‘غير المنتج’ تمثل مصدراً لعدم الكفاءة الاقتصادية” (26). وفي هذا الكتاب، الذي صدر في ذروة أورثوذكسية العولمة، يبرز المؤلفون استمرارية الحقبة السابقة ويفنّدون عدداً من الأساطير المتعلقة بالنيوليبرالية. وينظرون في اتجاهات إنفاق الدولة بين 1980 و2005، مع التركيز على بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وتستند بياناتهم إلى نظام تصنيف وظائف الحكومة التابع للمنظمة لتحليل الحسابات الوطنية (27). ويتضمن هذا التصنيف التعليم، والخدمات العامة العامة، أي تكاليف إدارة الدولة وجمع الضرائب، والدفاع، والنظام العام والأمن، والشؤون الاقتصادية، مثل الدعم، وحماية البيئة، والإسكان، والرفاه. ويستبعد كتاب “الدولة المتلاشية؟” الرفاه إلى حد بعيد، إذ يتناوله كاستلس في مواضع أخرى، ولا يحلل إجمالي إنفاق الدولة، بما فيه الرفاه، سوى الفصلين الأول والثاني. أما بقية الفصول، فتنظر في فئات محددة من تصنيف وظائف الحكومة. وكانت النتائج لافتة.
ورغم غياب نمط موحد في جميع بلدان المنظمة، تُظهر البيانات عموماً تخفيضات صغيرة في الإنفاق الأساسي، مثل جمع الضرائب، والإنفاق على النظام العام، وإن ارتفع الأخير قليلاً في بعض الحالات. واتساقاً مع مبدأ “دعه يعمل” النيوليبرالي، شهد تنظيم الدولة لأسواق المنتجات وسوق العمل تخفيضات كبيرة، وكذلك الدعم الصناعي. وانخفض أيضاً الإنفاق على الدفاع والتعليم.
لعل كثيراً من ذلك كان متوقعاً، لكن المفاجئ أن التوسع في الإنفاق على الرفاه استنفد الوفورات وزاد عليها: “وعلى مدار الفترة ككل، تجاوز متوسط الزيادات في الإنفاق الاجتماعي إجمالي التخفيضات في الإنفاق الأساسي” (28). وفي الفترة من 1980 إلى 2001، “زاد متوسط مستويات الإنفاق الاجتماعي في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بنسبة 3.9% من الناتج المحلي الإجمالي… [إلى 22.7%، بينما] تراجعت مستويات الإنفاق الأساسي بنسبة 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي [إلى 22.9%]” (29).
وحتى في ظل النيوليبرالية، ارتفع الإنفاق على هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية بالقيمة الحقيقية، وإن كان بوتيرة أبطأ مما في فترات سابقة (30).
توفر البيانات الاقتصادية إذن أرضية صلبة لتحدي الادعاء المبالغ فيه بأن العولمة الاقتصادية استتبعت تآكلاً جوهرياً لسلطة الدولة. وتؤكد الولايات المتحدة، المحرك الرئيسي للعولمة النيوليبرالية، هذه الصورة. فوفقاً لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بلغ إنفاق الدولة 33.6% من الناتج المحلي الإجمالي عام 1979، في مطلع الحقبة النيوليبرالية، ولم ينخفض بعد ذلك قط عن 34%. وفي عام 2023، وهو آخر عام تتوافر عنه بيانات المنظمة، بلغت النسبة نحو 39.1%، انخفاضاً من ذروة بلغت 47.3% عام 2020 عقب الاستجابة لأزمة كوفيد-19 (31). وينطبق هذا الاتجاه العام أيضاً على الاقتصادات المتقدمة الأخرى.
وبالطبع، تخفي الأرقام الإجمالية قدراً كبيراً من التفاصيل. فقد يكون دخل الدولة من الضرائب ثابتاً أو صاعداً، لكننا بحاجة إلى مزيد من البحث في هوية من يدفعونها، ولا سيما بعد التحول التراجعي من الضرائب المباشرة إلى غير المباشرة واعتماد الإقرار الذاتي. وبالمثل، يكشف تفصيل الإنفاق الصحي دعماً هائلاً يتدفق من الضرائب العامة والتأمين الوطني إلى رأس المال الخاص عبر “مبادرة التمويل الخاص”، ولا سيما في بريطانيا. وإضافة إلى ذلك، تتطلب الأسواق الداخلية والمنافسة بين مقدمي الرعاية الصحية توسعاً كبيراً في أعداد المديرين والمحاسبين، يُموَّل جزئياً من تخفيض أعداد الممرضين وغيرهم من أفراد الطواقم الطبية. وخلاصة القول إن الأرقام الرئيسية لا توضح ما إذا كان الإنفاق العام، الذي ربما كان يحد من السوق أو يحل محلها في أجزاء محددة من المجتمع قبل 50 عاماً، قد أفسح المجال أمام إنفاق يعزّز السوق. وهناك حاجة إلى مزيد من البحث في هذا المجال، لكن المستويات العامة لإنفاق الدولة في طيف واسع من البلدان تؤكد استمرار مركزية الدولة في الرأسمالية النيوليبرالية حتى أزمة 2007-2008 وما بعدها.
وتزداد هذه الحجة قوة حين ننتقد المنظور الماركسي العابر للقوميات الذي تطوّر في الحقل الأكاديمي للعلاقات الدولية في ظل العولمة (32). وبلغة أحد الكتب الرئيسية عن العولمة، يُعد أنصار العبور القومي “مفرطين في العولمة” (33). فبالنسبة إليهم، حررت النيوليبرالية رأس المال من مرتكزاته الوطنية، وازدادت قوته إلى حد مكّنه من الإفلات من السلطات التنظيمية حتى لأقوى الدول. وفي المقابل، لم تعد الدول هي المؤسسات المركزية للإدارة الاقتصادية، بل غدت مجرد أجزاء من اقتصاد عالمي لا مركزي، أو ما أطلق عليه باحث العلاقات الدولية النيوغرامشي روبرت كوكس “السديم” (34). وفي داخله، جادل كوكس بأن العولمة تنطوي على ميل نحو وحدة رأس المال على الصعيد العالمي، بعد اقتلاعه من ارتباطاته الوطنية، وأن تنظيمه، إن وُجد أصلاً، تتولاه نخبة إدارية عابرة للقوميات تتمركز في المؤسسات المالية الدولية.
قدّم “مؤشر عبور القوميات”، الذي أصدره مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، تحدياً تجريبياً مهماً للمنظور العابر للقوميات. وصُمم المؤشر لقياس مدى تحول الشركات العابرة للقوميات إلى شركات عالمية. وتألف من بيانات تقيس المبيعات المحلية مقارنة بالمبيعات الخارجية، وإجمالي الأصول والعمالة في السوق الوطنية مقارنة بالخارج. وكما هو متوقع، تجاوز مؤشر عبور القوميات لدى الشركات الكبرى 50%. أما المؤشر الخاص بالبلدان، فرسم صورة مختلفة. واستناداً إلى بيانات مثل تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر كنسبة من إجمالي الاستثمار، ورصيده الداخل كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، ومساهمة الشركات الأجنبية في الناتج المحلي الإجمالي والعمالة، كانت الدرجات أدنى كثيراً. وسجلت بلدان صغيرة، مثل الدنمارك والسويد وهولندا، مؤشراً مرتفعاً نسبياً بلغ نحو 30%. لكننا نلاحظ انخفاضاً كبيراً في البلدان الأكبر؛ إذ يبلغ المؤشر نحو 20% في بريطانيا وفرنسا، و10% في ألمانيا وإيطاليا، و6% في الولايات المتحدة، و1% فقط في اليابان (35). كما قيّد مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أطروحة العبور القومي حين قاده تقييم بيانات الاستثمار الأجنبي المباشر في الفترة 1990-2003 إلى استنتاج أن هذا الاستثمار لا يمثل سوى “8% من الاستثمار المحلي العالمي”، وأنه “لا يفعل سوى استكمال الاستثمار المحلي” (36). وتشير بيانات المؤتمر إلى أنه حتى عندما كانت العولمة في أوجها، كانت الادعاءات المسطحة بشأن وجود “اقتصاد عالمي واحد” في غير محلها. وكما جادلت إيلين وود، فإن “التنظيم الوطني للاقتصادات الرأسمالية ظل قائماً بعناد” (37).
وحتى عندما أعادت رؤوس الأموال هيكلة نفسها دولياً في ظل النيوليبرالية، جرى ذلك عموماً ضمن حدود جغرافية ضيقة نسبياً؛ إذ تركز الاستثمار الأجنبي المباشر والتجارة العالمية بشدة داخل ثالوث من المناطق المتقدمة: الاتحاد الأوروبي، وشرق آسيا، بما يشمل الصين واليابان وكوريا الجنوبية، وأمريكا الشمالية. وأشار مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى أن تركّز الاستثمار الأجنبي المباشر داخل هذا الثالوث “ظل مرتفعاً بين 1985 و2002، عند نحو 80% من الرصيد العالمي الخارج و50% إلى 60% من الرصيد العالمي الداخل” (38). وهكذا كانت صفة “مطلق العنان” التي ينسبها منظرو العولمة أحياناً إلى رأس المال، ويضمرها كثير من أنصار العبور القومي، محدودة للغاية (39). ويستلزم إنتاج القيم الاستعمالية تعاوناً كبيراً بين رؤوس الأموال، إذ تُنتج السلع وتُباع داخل شبكات معقدة من الإنتاج، بما فيها شبكات الإمداد، والتمويل والتوزيع. وتظل هذه الشبكات أشد كثافة على المستوى الوطني.
ويتمثل سبب آخر للتشكيك في أطروحة أن العولمة النيوليبرالية استلزمت تراجعاً كبيراً للدولة في أن هذه العولمة نفسها اعتمدت على سلطة الدولة اعتماداً حاسماً. فقد ارتبطت القطيعة مع سياسات إجماع ما بعد الحرب والرفاه، وإن ظلت ضمن الحدود التي نوقشت أعلاه، بهزائم كبرى لحقت بأجزاء أساسية من الحركة العمالية في بلدان محورية، مثل عمال فيات في إيطاليا، وعمال المناجم البريطانيين، وعمال الصلب الفرنسيين، ومراقبي الحركة الجوية الأمريكيين. وتعززت هذه الهزائم بفعل البطالة، التي زادتها بشدة سياسات التشدد المالي والنقدي، ولا سيما في عهد حكومتي ريجان وتاتشر. ومن ثم ازداد رأس المال ثقة في تقليص التزاماته بالرفاه الاجتماعي، وإعادة هيكلة علاقات العمل التشاركية، وفرض انضباط السوق على قوة العمل. وأحاط بالبرنامج كله تكثيف للقومية، صُمم، وفق تعبير إيمانويل والرشتاين، من أجل “تحويل الإقصاء من حاجز طبقي صريح إلى حاجز وطني، أو حاجز طبقي مستتر” (40).
وباختصار، أُعيد تشكيل الدول في ظل النيوليبرالية، وتبدّل التوازن بين برامج إنفاقها، لكن الدول وحدها امتلكت الشرعية السياسية اللازمة لفرض الشكل الجديد لحكم رأس المال على الطبقات الخاضعة، والقدرة على حماية تلك الترتيبات حين واجهت تحدياً. وظائف الدولة ليست ثابتة، وفي ظل النيوليبرالية، ورغم استمرار الإنفاق على الرفاه، جرى تسخيرها لإثراء الأقوياء والأثرياء بالفعل والحد من إعادة التوزيع الهابط إلى أسفل. وأصبحت الدولة أكثر ارتباطاً بالتدفقات العالمية للسلع ورأس المال، وأكثر استبداداً وقمعاً، وأقل التزاماً بإعادة التوزيع. ومع ذلك، ورغم تبدّل التوازن بين الوطني والعالمي، لم تجعل العولمة الاقتصادية الدول القومية، في أي مكان، “خيالاً” في “عالم بلا حدود”، ولم تجعل الحكومات متجاوزة تاريخياً (41). وكما جادل عالم الاجتماع الفرنسي والناشط المناهض للعولمة بيير بورديو، ليست الدولة في حد ذاتها هي التي تراجعت، بل يدها اليسرى، أي “مجموعة موظفي ما يسمى بوزارات الإنفاق، الذين يمثلون، داخل الدولة، أثراً للنضالات الاجتماعية الماضية”. أما اليد اليمنى للدولة، أي “تكنوقراط وزارة المالية، والبنوك العامة والخاصة، والمكاتب الوزارية”، فظلت قوية كما كانت دائماً (42). وتعززت بفعل سعي الدول إلى اتخاذ إجراءات لحماية اقتصاداتها وشركاتها الكبرى وتعزيزها استجابة للأزمة المالية العالمية، ثم تعززت أكثر استجابة لتصاعد التنافس في النظام الدولي المصاحب لصعود الصين. وقد أدت هذه الآثار المجتمعة إلى نشوء أشكال جديدة من رأسمالية الدولة.
أشكال جديدة من رأسمالية الدولة
ليس هناك نموذج واحد أو شامل لرأسمالية الدولة، بل طيف من تشكيلات الدولة ورأس المال، يتراوح من الدولتية الاستبدادية إلى الأشكال الأكثر ليبرالية للإدارة الاقتصادية وأدوات الدولة. وتكشف البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، أي الدول المعروفة اختصاراً بـ”البريكس”، والاقتصادات الغربية، والدول الغنية بالطاقة في الشرق الأوسط، والدول الواقعة في مركز النمو الجديد في شرق آسيا، مجتمعةً، عن فسيفساء من الاستراتيجيات الدولتية. وتنشأ الاختلافات بينها من التطور المركّب وغير المتكافئ للرأسمالية بوصفها نظاماً عالمياً، كما تتوسطها التواريخ الوطنية والترتيبات المؤسسية، والأنماط الوطنية للصراع الطبقي، والتنافس العالمي بين الدول. لكن الأشكال الجديدة لرأسمالية الدولة لا تمثل، في أي مكان، قطيعة جوهرية مع النيوليبرالية؛ بل هي أحدث تكيّف لضرورات الرأسمالية الأساسية تحت قيود وظروف سياسية جديدة. ويجمع هذا التكيّف بين عناصر تطورت في ظل النيوليبرالية، مثل ضعف تنظيم رأس المال، ولا سيما التمويل، وإقصاء الحركات العمالية من مؤسسات صنع السياسات، وتدابير جديدة تشكلت بدورها بفعل التجربة غير المتكافئة للأزمة الرأسمالية وتصاعد التنافس بين الإمبرياليات الذي تولده هذه الأزمة.
جسدت الأزمة المالية العالمية 2007-2008 نقطة تحول؛ إذ أمّمت الحكومات البنوك، وضخت السيولة، وأحيت بعض الأدوات الكينزية. ومن المفارقات، على الأقل بالنسبة إلى من يعتقدون أن الصين وحزب العمال ملتزمان بالاشتراكية بشكل ما، أن الصين وحكومة حزب العمال بقيادة جوردون براون ساعدتا على تحقيق الاستقرار للرأسمالية العالمية. وعزز تصاعد التنافس بين الإمبرياليات الأزمة المنهجية بوصفه قوة دافعة لتجديد النشاط الاقتصادي للدولة.
ومن هذا الجانب، شابه العقد الماضي أو نحو ذلك الفترة السابقة لعام 1914، التي استند إليها بوخارين في حجته بأن التدويل المكثف يولّد اتجاهاً معاكساً نحو تزايد قومنة المصالح الرأسمالية. فقد ولّدت أربعة عقود من العولمة تجدد التنافس الدولي، ولا سيما بين الولايات المتحدة والصين، وأجبرت الدول على اتباع تدابير جديدة لحماية مصالحها ومصالح رؤوس الأموال المحلية الكبرى العاملة على أراضيها وتعزيزها.
تمثل الصين نقطة انطلاق واضحة لمناقشة الأشكال المعاصرة لرأسمالية الدولة، لكنها تطرح فوراً مشكلة التعريف. ففي الإسكان، مثلاً، تُملك نحو 95% من المنازل ملكية خاصة، مقارنة بـ63% في الولايات المتحدة. وبالمثل، يقل إجمالي إنفاق الدولة في الصين عنه في الولايات المتحدة، وهو أدنى كثيراً منه في أوروبا. كما يُعد إنفاق الرفاه متدنياً في الصين، وقد حذّر الرئيس شي جين بينغ من الرفاه بوصفه “فخاً يولّد الكسل” (43). وبالمقارنة مع الولايات المتحدة، فإن البنوك الصينية مملوكة للدولة على نحو غير متناسب، بنسبة 51% مقابل 0%، لكن ملكية الدولة للبنوك تبلغ نسباً أعلى في الهند وروسيا، 70% و72% على التوالي. والصورة أوضح حين نتطرق إلى رأس المال الإنتاجي؛ إذ تمتلك الدولة الصينية 42.5% من رأس مال الشركات، وتأتي بعدها روسيا، بنسبة 35%، بين دول البريكس والولايات المتحدة وبريطانيا، بينما تقف النسبة في الهند والبرازيل عند مستوى أدنى كثيراً يبلغ 17%.
غير أن رأسمالية الدولة لا يمكن اختزالها في ملكية الدولة لرأس المال. فالمؤسسات المملوكة للدولة في الصين تنتج نحو ثلث الناتج الصناعي، لكن رأس المال الخاص يخضع لسيطرة الدولة المشددة. ويعرّف قانون “الأمن القومي” لعام 2015 جميع الكيانات بوصفها جزءاً من الأمن القومي، ويتعين على كل منها استضافة خلية للحزب الشيوعي تؤثر في القرارات الاستراتيجية للشركات وعمليات التوظيف. كما تتداخل البنوك المملوكة للدولة بعمق مع المؤسسات المملوكة للدولة، التي يذهب إليها أكثر من 80% من الإقراض في سنوات كثيرة. وفي روسيا، ورغم الخلاف على الرقم الدقيق لحصة الدولة من الناتج المحلي الإجمالي، من الواضح أن فلاديمير بوتين عكس، خلال العقد الأخير أو نحو ذلك، اتجاه التحرير الذي أعقب الحقبة السوفيتية، فزاد سيطرة الدولة على الأوليغارشيين الذين استفادوا من الخصخصة في عهد بوريس يلتسين، ونفّذ عمليات تأميم استراتيجية لشركات رئيسية (44).
وتهيمن المؤسسات المملوكة للدولة على القطاعات الصناعية الاستراتيجية في الصين وروسيا. ويتضح موقعها الاستراتيجي في قلب الاقتصاد السياسي لكل من البلدين من أنها، رغم توليدها نحو ثلث الناتج فقط، تمثل أكثر من ثلثي قيمة الشركات المدرجة في سوق الأوراق المالية (45). وبصورة إجمالية، يطرح تحليل حديث لدول البريكس أن “للدولة دوراً أكبر كثيراً في توجيه النشاط الاقتصادي، وهو ما يُناقش غالباً تحت مصطلح رأسمالية الدولة في أدبيات الرأسمالية المقارنة” (46).
ليست اقتصادات البريكس موحدة، لكن مؤسسات الدولة في جميعها، ولا سيما أنظمتها المالية، موجّهة بصورة مباشرة، أكثر من التمويل الغربي، نحو دعم رؤوس الأموال الوطنية.
يطرح ذلك سؤالاً عما إذا كانت دول البريكس ستواصل التكيف مع النظام المالي العالمي الليبرالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، أم أن الإصلاحات المالية المحلية والتحركات نحو التخلي عن الدولار قد تمكّنها من تحدي هذا النظام. وإذا كان هذا الاحتمال قائماً، فهل يمكن لأي ابتكارات في هذا الاتجاه أن تمتد عبر القوميات؟ ويبدو التوسع الأخير لمجموعة البريكس مرتبطاً، جزئياً على الأقل، بهذه القضايا، رغم أن الحجم المحدود للتجارة بين دول المجموعة يعني أن حتى تخليها الكامل عن الدولار لن يترك سوى أثر محدود في مركزية الدولار داخل النظام المالي العالمي (47). ومع ذلك، أدرك ترامب التهديد الذي تشكله عملة احتياط عالمية بديلة للنفوذ الأمريكي؛ إذ نشر في يناير 2025 أنه إذا أنشأت “هذه البلدان التي تبدو معادية” عملة جديدة للبريكس، أو “دعمت أي عملة أخرى لتحل محل الدولار الأمريكي العظيم”، فسوف تفرض الولايات المتحدة عليها رسوماً جمركية بنسبة 100% (48).
تلفت تعليقات ترامب إلى ضرورة النظر في مسألة التخلي عن الدولار على خلفية تعمق المنافسات بين الإمبرياليات وتجدد النشاط الاقتصادي للدولة. وتوحي بعض التطورات، مثل تحوّل صناديق الثروة السيادية للدول الغنية بالطاقة إلى جزء يومي من الرأسمالية خلال العقدين الماضيين، بأن الدول المتأخرة في التطور والأقل تقدماً، الساعية إلى اللحاق بالركب، هي التي كثفت تدابير رأسمالية الدولة. غير أن الدول الأكثر تقدماً اقتصادياً، مع تصاعد التوترات العالمية، أصبحت هي الأخرى أكثر نشاطاً في القطاعات الاستراتيجية.
شملت استجابة ترامب، خلال ولايته الأولى، لصعود الصين بوصفها المنافس الرئيسي للولايات المتحدة حرباً تكنولوجية على شركات صينية كبرى، مثل هواوي، وقيوداً على صادرات التقنية المتقدمة. ووسّع جو بايدن هذه القيود، واتبع سياسة صناعية مجددة لتعزيز وضع الولايات المتحدة في مواجهة الصين. وشملت هذه السياسة قانون “الرقائق والعلوم” لعام 2022، الذي وجّه 280 مليار دولار نحو قطاعات التقنية المتقدمة، إلى جانب حوافز لرأس المال التكنولوجي العالمي لإنشاء مواقع إنتاج جديدة في الولايات المتحدة.
وجعلت هذه العودة إلى النشاط إعلان نموذج الذكاء الاصطناعي “ديب سيك” في يناير 2025 يبدو أشبه بلحظة “سبوتنيك” معاصرة للولايات المتحدة. فقد طُوّر النموذج بتكلفة بلغت خمسة مليارات دولار، مقارنة بمئات المليارات التي أُنفقت على نماذج الذكاء الاصطناعي الغربية مثل “تشات جي بي تي”، وأظهر أن القيود الغربية سرّعت تطوير التقنية المتقدمة في الصين، التي استفادت من دعم صندوق الاستثمار الصيني لصناعة الدوائر المتكاملة، البالغة قيمته 150 مليار دولار. ويهدد ذلك القيادة التكنولوجية الأمريكية في الصناعات الاستهلاكية الرئيسية وفي المجال العسكري، حيث يواصل المجمع الصناعي – العسكري تثبيت الاقتصاد الأمريكي.
تخوض الصين والولايات المتحدة منافسة متبادلة في قطاعات التقنية المتقدمة. ورداً على “ديب سيك”، سرّعت إدارة ترامب مبادرات الدولة للدفاع عن رأس المال الأمريكي. وأطلقت تهديدات مبطنة لأوكرانيا، مقايضةً الدعم العسكري بالوصول إلى المعادن الاستراتيجية، بما فيها العناصر الأرضية النادرة التي تهيمن الصين على إنتاجها. وتُعدّ هذه المواد حيوية لمجموعة من التقنيات الاستهلاكية، بما في ذلك الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والروبوتات والمركبات الكهربائية. كما لا غنى عنها لأحدث التقنيات العسكرية، بما فيها توجيه الصواريخ. وتمتلك أوكرانيا رواسب من 22 معدناً من أصل 34 يصنفها الاتحاد الأوروبي معادن حرجة، بينما تمتلك غرينلاند رواسب من 90% من المعادن الحرجة في العالم. وليس من الصعب تبيّن الاستراتيجية الجغرافية الأمريكية وراء اهتمام ترامب بهذين البلدين.
صُممت هذه الإدارة الاقتصادية العدائية للحفاظ على الموقع القيادي للولايات المتحدة في مواجهة الصين، وكذلك منافسين غربيين مثل اليابان والاتحاد الأوروبي. وفي الثمانينيات، استخدمت الولايات المتحدة “مبادرة الدفاع الاستراتيجي”، المعروفة أيضاً باسم “حرب النجوم”، لتحديث قاعدتها الصناعية حول المجمع الصناعي – العسكري، بما يشمل الطيران والفضاء والحوسبة والهندسة والإلكترونيات. ومنح برنامج “حرب النجوم” الأغلبية الساحقة من عقود البحث وغيرها من العقود لشركات أمريكية، وجسّد سياسة صناعية عملاقة محورها التسلح، صُممت، وفقاً لجون بالمر، لإعادة الولايات المتحدة إلى “موقع لا يمكن تحديه في قيادة التقنية المتقدمة عالمياً أمام الأوروبيين واليابانيين”. فمن إجمالي ما أُنفق على المبادرة حتى نهاية العام 1986، لم تحصل الشركات الأوروبية سوى على 0.7% (49). وعبر خطوات وسيطة متعددة، يظهر المستفيدون اليوم في صورة شركات مثل مايكروسوفت وأبل وجوجل، التي يعرب حلفاء الولايات المتحدة، مثل الاتحاد الأوروبي، عن قلقهم حيال الدعم الحكومي الهائل الذي تتلقاه عبر الإنفاق الدفاعي الأمريكي. وتُظهر التوترات المتكررة عبر الأطلسي بشأن بوينغ وإيرباص، وبشأن الهيمنة الأمريكية على الاقتصاد الرقمي، أن دعم الدولة لـ”الأبطال الوطنيين” يظل مصدراً للصراع حتى بين الحلفاء القدامى (50). ومن المرجح أن يتنامى هذا الصراع في ظل خطط ترامب لتحديث “حرب النجوم” بنظام دفاع صاروخي فضائي، هو “القبة الذهبية”.
استنتاج: ما أهمية ذلك بالنسبة لليسار؟
في ظل الرأسمالية، تنفصل السياسة والاقتصاد رسمياً ويشغلان مجالين مؤسسيين متميزين، لكنهما متداخلان ومترابطان حتماً. ولن تعيش علاقات التبادل في السوق، ولا سيما سوق العمل، طويلاً من دون دعم علاقات الإكراه غير القائمة على التبادل. ومن ثم يتموضع رأس المال، في معظمه وبحكم المنطق، داخل اعتماد هيكلي متبادل مع دولة أم (51). وهذه علاقة تاريخية ليست ثابتة ولا محددة سلفاً، بل متغيرة وجدلية؛ إذ ينحسر توازن القوى بين الطرفين ويتدفق، لكن رأس المال لم يتخلص قط، ولا يمكنه أن يتحرر من روابطه بالدولة.
قوّضت الثورة النيوليبرالية صعود رأسمالية الدولة خلال معظم القرن العشرين، فتراجعت الدولة في عدد من المجالات والسياسات، ولا سيما عبر تقليص دعم القطاعات الصناعية المتدهورة والصناعات المؤممة. غير أنها، حتى في خضم انسحابها المفترض، لم تختفِ؛ بل أعادت تشكيل وظائفها وعاودت الظهور بقوة متجددة بعد أزمة 2008.
يمثّل التوازن بين الوطني والدولي توتراً تاريخياً، لكنه يظل شاغلاً دائماً لجميع الدول. أما القول إن الاقتصادات الوطنية يمكنها ببساطة التكيف مع الضرورات العالمية، فهو في أفضل الأحوال أحادي الجانب. وكما كتب فيليب ماكمايكل تعليقاً على أحد أبرز منظّري العبور القومي، ويليام روبنسون، فإن هذا النهج “يعلّق الجدل” (52). فالدول، ولا سيما أقواها، ليست متلقية سلبية للضغوط الدولية، بل قوى فاعلة تدعم مصالح رؤوس الأموال المحلية وتسعى إلى تعزيز الاقتصاد الوطني الأوسع. ولم تضعف الدول بفعل العولمة بصورة جوهرية أو لا رجعة فيها؛ إذ تستمر الرأسمالية العالمية في التشكل بفعل رؤوس الأموال الكبرى وأقوى دول العالم على السواء، وهي الدول التي تتمركز رؤوس الأموال في نطاق سلطاتها القانونية إلى حد بعيد.
وفي مطلع القرن العشرين، أدّى صعود الحركات العمالية واليسار دوراً مهماً في إجبار الدول على اتخاذ تدابير لكبح “الآلية المدمرة” للسوق. ولم يعد هذا، أي الجانب الثاني من حركة بولاني المزدوجة، شاغلاً مباشراً للطبقات الحاكمة اليوم. وكانت رأسمالية الدولة أيضاً، كما شدد بوخارين، استجابة للتدويل؛ إذ سعت الدول، المتورطة في تصاعد التنافس بين الإمبرياليات، إلى تصدير الأزمة وحماية أجزائها الخاصة من النظام العالمي. وهناك أصداء لذلك في عودة رأسمالية الدولة اليوم استجابة للتدويل الذي عززته العولمة النيوليبرالية، ولا سيما صعود الصين وتصاعد التنافس بين الإمبرياليات. وقد تضخمت هذه الاستجابات بفعل ضغوط ما يسميه مايكل روبرتس “الكساد الطويل” الذي يصيب النظام الرأسمالي العالمي (53).
تتطلب عودة رأسمالية الدولة وضوحاً وحججاً مبدئية من اليسار العالمي. وفيما يترنح العالم على حافة كارثة مناخية وعنف قومي شعبوي، يتعين على الاشتراكيين أن يجادلوا بما يلي:
رأسمالية الدولة ليست بديلاً تقدمياً للنيوليبرالية، بل أداة لإدارة الأزمات الرأسمالية والتنافس الدولي. وسواء كانت الدولة الرأسمالية استبدادية أم ليبرالية ديمقراطية، فإنها تظل ملتزمة بالتراكم وسلطة الطبقة الرأسمالية. وقد تؤدي الدولة دوراً أنشط في الاقتصاد في الصين تحت حكم شي وفي روسيا تحت حكم بوتين، مثلاً، لكنهما ليستا نموذجين يمكن للاشتراكيين دعمهما. فكلا المجتمعين شديد اللامساواة، ويقل فيهما الإنفاق الاجتماعي واستهلاك الأسر، كنسبة من الدخل القومي، حتى عما هو في الغرب.
قد تنطوي الدولتية على عناصر تقدمية، مثل هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية، لكن النشاط الاقتصادي للدولة يتضمن عادةً دعماً لرأس المال.
تسلّط إعادة إحياء تدابير رأسمالية الدولة الضوء على أن سلطة الدولة ليست منفصلة عن الرأسمالية وتراكم رأس المال، بل مركزية بالنسبة إليهما.
ليست الدولة حكماً محايداً، بل أداة طبقية؛ فهي تفرض حقوق الملكية والانضباط على قوة العمل وتسعى إلى إدامة الربحية. ولقد تشكّل إصلاح الرفاه في العقود
الأخيرة من أجل تمكين رأس المال، لا كبحه.
تظل القومية، التي طالما أُطّرت تدابير رأسمالية الدولة داخلها، أداة استراتيجية للطبقات الحاكمة، إذ تسعى إلى توطيد سلطتها وشرعيتها وتفتيت تضامن الطبقة العاملة. ومع احتدام التنافس بين الإمبرياليات، تتصاعد أيضاً تأكيدات الدول على القومية والتفوق.
حين تفشل الحركات العمالية في تحدي القومية والعنصرية المرتبطة بها، فإنها تعجز عن تجاوز عقبة أمام النشاط المستقل للطبقة العاملة والتضامن الأممي الذي يشكل مفتاح النضال من أجل الاشتراكية. ولا بد أن يتجاوز تضامن العمال الحدود.
يناضل الاشتراكيون على الأرض التي تخلقها الرأسمالية وفي القضايا التي تولدها، ولا سيما على المستوى الوطني. ولكن، كما جادل أنطونيو جرامشي، فإن “نقطة الانطلاق وطنية، لكن المنظور لا بد أن يكون عالمياً” (54).
الهوامش:
(1) أود أن أشكر آن ألكساندر وجوزيف تشونارا وروب هوفرمان وشيلا ماكغريغور ونيك مور على ملاحظاتهم واقتراحاتهم بشأن مسودة المقال. واستفدت أيضاً من المناقشات في الاجتماعات الإلكترونية لـ”مجموعة الاقتصاد السياسي الماركسي” و”منتدى التثقيف العمالي الجمهوري”. (2) صحيفة الإيكونوميست، 2012، “رأسمالية الدولة”، تقرير خاص، 21 يناير. (3) توبياس تن برينك، 2023، “الرأسمالية المتخللة بالدولة في الصين: منظور للاقتصاد السياسي العالمي”، في أوين ميلر (محرر)، رأسمالية الدولة والتنمية في شرق آسيا منذ 1945. (4) انظر بالأخص: كريس هارمان، 1991، “الدولة والرأسمالية اليوم”، مجلة الاشتراكية الدولية، العدد 51. وانظر أيضاً: أندرو كليمان، 2008، “أزمة في مركز النظام”، مجلة الاشتراكية الدولية، العدد 120؛ وأليكس كاليليكوس، 2023، العصر الجديد للكارثة، الفصل الثالث؛ وجوزيف تشونارا، 2021، “قوى هائلة غير شخصية: بايدن والدولة ورأس المال”، مجلة الاشتراكية الدولية، العدد 171؛ وتشونارا، 2025، “عرض الرأسمالية المتأخرة جداً”، مجلة الاشتراكية الدولية، العدد 185. (5) كارل ماركس، 1954، رأس المال، المجلد الأول (فورين لانغويجز ببلشينغ هاوس)، ص 751. ولتحليل أطول، انظر: أوين ميلر وجاريث ديل، 2023، “نشوء الرأسمالية وتطورها في شرق آسيا: نهج رأسمالية الدولة”. (6) كارل بولاني، 1957، التحول العظيم (بيكون بريس)، ص 139. (7) المصدر السابق، ص 140. (8) كارل ماركس، 1973، أسس نقد الاقتصاد السياسي (بنجوين)، ص 507. (9) هارمان، “الدولة والرأسمالية اليوم”، سبق ذكره. (10) روزا لكسمبورج، 1989، إصلاح أم ثورة (بوكماركس)، ص 43. (11) كارل ماركس وفريدريك إنجلز، 1942، بيان الحزب الشيوعي، المختارات، المجلد الأول (لورنس أند ويشارت)، ص 218. (12) بولاني، 1957، ص 76. (13) المصدر السابق، ص 57.
(14) لكسمبورج، ص 44. (15) إيلين وود، 2002، إمبراطورية رأس المال (فيرسو)، ص 37. (16) انتقد مايكل لوي، عن حق، البيان الشيوعي لما فيه من “نزعة اقتصادية معينة وقدر مفاجئ من التفاؤل بالتجارة الحرة”، حين جادل بأن الدينامية التوسعية للرأسمالية “تهدم جميع الأسوار الصينية”، وأن “الفوارق والتناقضات القومية بين الشعوب تتلاشى أكثر فأكثر كل يوم”. فالرأسمالية تهدم الأسوار الواقية حول الاقتصادات القومية وتقيمها في آن واحد. (17) نيكولاي بوخارين، 1987، الإمبريالية والاقتصاد العالمي (ميرلين)، ص 36. (18) المصدر السابق، ص 62. (19) ديفيد كواتس، 2000، نماذج الرأسمالية: النمو والركود في العصر الحديث (بوليتي)، ص 226. (20) ديفيد هارفي، 1999، حدود رأس المال (فيرسو)، ص 25، الهامش رقم 12. (21) ألينا هايتلينغر، 1979، النساء واشتراكية الدولة: اللامساواة الجندرية في الاتحاد السوفيتي وتشيكوسلوفاكيا (ماكميلان)، ص 139. (22) تُظهر مقالة مرتقبة لسالي كينكيد في هذه المجلة أوجه التشابه اللافتة بين تجارب النساء في الصين بعد ثورة 1949 وتجاربهن في الكتلة السوفيتية. وفي ظل مشروع ماو تسي تونغ التنموي الوطني، تحققت مكاسب فورية فعلية، منها حقوق الطلاق وزيادة العمل مدفوع الأجر وإضفاء قدر من الطابع الجماعي على إعادة إنتاج قوة العمل عبر المطاعم والمغاسل المشتركة، وإن ظلت الحقوق القانونية محدودة في الممارسة كثيراً. لكن النساء ظللن هنا أيضاً مسؤولات عن العمل المنزلي ورعاية الأطفال، واستمر عملهن غير المدفوع في دعم التنمية الاقتصادية للبلاد. واستمر هذا النمط في مرحلة الإصلاح التالية لماو، التي تركز عليها مقالة كينكيد. وفي عام 2023، أقر شي جين بينغ رسمياً الطابع شديد الخصخصة لإعادة الإنتاج الاجتماعي، مشجعاً اتحاد نساء عموم الصين على تعزيز الأدوار الجندرية التقليدية بوصفها جزءاً من “الفضائل التقليدية للأمة الصينية”، إلى جانب “التقاليد الأسرية الحميدة” وتنمية “ثقافة جديدة للزواج والإنجاب”. (23) ميشال ريمان، 1987، ميلاد الستالينية (تاوريس)، ص 86. (24) مقتبس في: إسحاق دويتشر، 1966، ستالين (بنجوين)، ص 328. (25) ريمان، 1987، ص 86. (26) فرانسيس كاستلس، 2007، الدولة المتلاشية؟ (إدوارد إلغار)، ص 2. (27) للاطلاع على أحدث البيانات، انظر: منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، 2025. ويرد تصنيف وظائف الحكومة في الملحق الأول. (28) كاستلس، 2007، ص 11.
(29) المصدر السابق، ص 21. غيّرت سياسات التقشف الوحشية في عقد 2010 الصورة إلى حد ما، لكن بيانات ما قبل 2008 لا تشير إلى أي ارتباط بسيط بين العولمة وانسحاب الدولة.
(30) سارة أرنولد ودانييل جيفريز، 2025، “ميزانية هيئة الخدمات الصحية الوطنية وكيف تغيرت”، 19 يونيو.
(31) منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بلا تاريخ.
(32) للاطلاع على نقد، انظر: أدريان بود، 2007، “الماركسية العابرة للقوميات: نقد”، مجلة السياسة المعاصرة، المجلد 13، العدد 4.
(33) ديفيد هيلد وآخرون، 1999، التحولات العالمية (بوليتي)، ص 54. وتجدر الإشارة إلى أن ليس كل من عملوا ضمن منظور العبور القومي تبنوا الموقف الأكثر تطرفاً، مثل موقف ويليام روبنسون. فكثير من أعضاء مدرسة أمستردام للعلاقات الدولية، مثلاً، يتفقون مع حجة هينك أوفربيك بأن “النيوليبرالية العابرة للقوميات تتجلى على المستوى الوطني، لا بوصفها خلاصة بسيطة لمحددات خارجية، بل بوصفها مجموعة من الوساطات المعقدة بين ‘منطق’ رأس المال العالمي والواقع التاريخي للعلاقات السياسية والاجتماعية الوطنية”؛ هينك أوفربيك، 1993، إعادة هيكلة الهيمنة في الاقتصاد السياسي العالمي (روتليدج)، ص xi.
(34) روبرت كوكس، 1992، “البيريسترويكا العالمية” (ميرلين).
(35) مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، 2008، ص 12.
(36) مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، 2004، ص 3.
(37) إيلين وود، 2003، إمبراطورية رأس المال (فيرسو)، ص 23.
(38) مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، 2003، ص 23.
(39) يوازي الجمود الجغرافي النسبي لرأس المال الإنتاجي جمود متكرر بين القطاعات الصناعية؛ فقد انخفض معدل أرباح منتجي السيارات من 20% في عشرينيات القرن العشرين إلى 10% في الستينيات و5% في القرن الحادي والعشرين، لكن هؤلاء المنتجين ظلوا ملتزمين بالقطاع نفسه الذي غرقت فيه استثماراتهم الثابتة.
(40) إيمانويل والرشتاين، 1998، يوتوبيات أم خيارات تاريخية في القرن الحادي والعشرين (النيو برس)، ص 21.
(41) كينيتشي أوماي، 1994، العالم بلا حدود: السلطة والاستراتيجية في السوق العالمية (بروفايل بوكس).
(42) بيير بورديو، 1998، أفعال مقاومة ضد أساطير عصرنا (بوليتي)، ص 2.
(43) وفقاً لموقع “نشرة العمال الصينيين”، وقبل إغلاقه بوقت قصير في منتصف العام 2025، أرادت الدولة الصينية “تخفيف عبء التأمين الاجتماعي الواقع على أصحاب الأعمال، وتحويل عبء المعاشات وغيرها من اشتراكات التأمين الاجتماعي إلى العمال الأفراد”.
(44) انظر: نيني أرشاكوني وناتاشا يفيموفا-تريلينغ، 2019، “ما حصة الدولة في الاقتصاد الروسي؟”، 26 يونيو.
(45) انظر التقرير الخاص عن رأسمالية الدولة في مجلة الإيكونوميست، 2012.
(46) يوهانس بيتري وأندرياس نولكه، 2022، البريكس والنظام المالي العالمي (جامعة كامبريدج)، ص 4.
(47) أماندين أفوتا وآخرون، 2024، “توسع البريكس: ما العواقب المحتملة على الاقتصاد العالمي؟”، نشرة بنك فرنسا. ويشمل توسع مجموعة البريكس، التي أصبحت تُسمى “بريكس بلس”، مصر وإثيوبيا وإندونيسيا وإيران والإمارات.
(48) دونالد ترامب، 2025، منشور بلا عنوان.
(49) جون بالمر، 1988، أوروبا بلا أمريكا؟ الأزمة في العلاقات الأطلسية (مطبعة جامعة أكسفورد)، ص 72، وص 197، الهامش رقم 26.
(50) للاطلاع على مثال للمخاوف الأوروبية، انظر: أندرو جيمس، 2004، الإنفاق الدفاعي الأمريكي: تحليل للآثار (مطبعة جامعة مانشستر).
(51) قد تكون لرؤوس الأموال الكبرى دولة أم، لكنها تنسج أيضاً علاقات عميقة مع دول أخرى. ومن ثم فضّل كريس هارمان، في مقالته المهمة لعام 1991 عن رأس المال والدولة، مصطلح “الرأسمالية العابرة للدول” على “الرأسمالية العابرة للقوميات”؛ هارمان، “الدولة والرأسمالية اليوم”، مجلة الاشتراكية الدولية، العدد 51، ص 33. ويسجل هذا أن الشركات العملاقة لا تعمل خارج الدول، كما قد يوحي وصفها بأنها “عابرة للقوميات”، بل تزيد عدد الدول التي تقيم معها درجة من الاعتماد المتبادل. وهو يعترف بذلك بالاستمرارية والتغيير معاً؛ فقد تغيرت شبكة العلاقات بين رؤوس الأموال والدول، بل والحركات العمالية، في ظل النيوليبرالية، لكن رأس المال ظل مرتبطاً بالدول بطرائق متعددة.
(52) فيليب ماكمايكل، 2001، “إعادة النظر في مسألة الدولة العابرة للقوميات: تعليق على مقالة ويليام روبنسون ‘النظرية الاجتماعية والعولمة’” (مجلة النظرية والمجتمع، العدد 30، ص 201). وجادل روبرت كوكس بأن الدول القومية كانت توفر في السابق “حصناً يدافع عن الرفاه المحلي من الاضطرابات الخارجية”، لكنها أصبحت، في ظل النيوليبرالية، “حزام نقل من الاقتصاد العالمي إلى الاقتصاد الوطني”؛ روبرت كوكس، 1992، ص 31.
(53) مايكل روبرتس، 2016، الكساد الطويل: الماركسية والأزمة الرأسمالية العالمية (هايماركت).
(54) أنطونيو غرامشي، 1971، مختارات من كراسات السجن (لورنس أند ويشارت)، ص 240.





