جسد المرأة بين الحماية المزعومة والعقاب الفعلي
قراءة في التعامل الأمني والقضائي مع المرأة في مصر

في 9 مارس 2011 اقتيدت رشا عبد الرحمن وست فتيات أخريات من ميدان التحرير إلى منشأة عسكرية حيث خضعن لما سمي «كشف العذرية». لم يكن الاسم بريئًا ولم يكن الفحص طبيًا كما قد يبدو. كان الجسد يُستدعى للتحقيق ليس لاستخراج دليل بل لكسر الإنسان. بعد أكثر من خمسة عشر عامًا، في منتصف سبتمبر 2026، عادت آية رضوان طالبة تمريض عمرها ستة عشر عامًا من الإسكندرية إلى منزل أسرتها في مركز الصف بالجيزة. كانت قد اختفت لعدة أيام وبحث عنها الناس ونُشر اسمها وصورتها وتفاصيل غيابها، ثم عُثر عليها وأعادتها الشرطة إلى أهلها بعد استعراض قدرتها الأمنية في حل قضية اختفاء الفتاة وتصويرها ونشر جميع التفاصيل الخاصة باختفائها. لكن لم تدم عودتها طويلًا. قُتلت داخل المنزل والمتهم هو شقيقها والسبب الذي ذكر في الروايات الأولى كان “خشية العار”. بين الحادثتين سنوات طويلة، ومع ذلك يبقى السؤال نفسه: هل تحمي المؤسسة العسكرية المرأة المصرية أم تعيد ترتيب مكانها داخل الأسرة؟
الفرضية هنا مادية وليست وعظية. فالدولة المصرية في تعاملها الأمني والقضائي مع المرأة لا تبدأ عادة من حق الفرد في الحياة والسلامة بل من الأسرة كوحدة يجب الحفاظ على تماسكها حتى لو كان ثمن ذلك إهانة امرأة أو قتل فتاة. هذا المنطق يفسر تبرير الفحص المهين للمعتقلات باسم حماية الجيش، ويشرح إعادة قاصر إلى بيت أصبح مكان موت خلال ساعات، كما يفسر الصمت عن خطاب يعاقب النساء علنًا باسم الدين أو العرف بينما يتم التضييق على أي صوت سياسي معارض.
الجيش لم يكن يبحث عن عذرية
كشوف 2011 لم تكن إجراءً طبيًا خاطئًا في التقدير. فالجيش لم يكن بحاجة إلى حقيقة بيولوجية بل كان يريد إيصال رسالة أن الخروج إلى الميدان قد يُقابل بالمساس بما يسمى الشرف وهو أشد من الحبس. رشا عبد الرحمن روت ما حدث ووثقت منظمات حقوقية ذلك. أوقفت محكمة القضاء الإداري هذه الممارسة لاحقًا ووصفتها بأنها إذلال بلا سند. الحكم صدر بعد الفضيحة وليس قبلها. الدولة لم تتحرك لأنها أدركت فجأة حرمة الجسد بل تحركت عندما أصبح الإنكار مكلفًا.
الأهم من الحكم كان التبرير الذي قاله عبد الفتاح السيسي، وكان وقتها عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومدير المخابرات الحربية، إذ قال لأمين عام منظمة العفو إن الفحوص أُجريت لحماية الجيش من اتهامات محتملة بالاغتصاب. هذه الجملة مهمة للغاية، فالحماية هنا ليست للمحتجزات بل للمؤسسة العسكرية من الاتهام. الجسد أصبح وسيلة لتجنب المسؤولية وليس موضوع حق. من هذا المنظور لم تكن الحادثة مجرد واقعة عابرة في حياة رجل سيصبح رئيسًا، بل كانت علامة مبكرة على ميزان واضح: المؤسسة أولًا، والمرأة تأتي بعدها إذا بقي مكان.
النزعة الذكورية موجودة في المجتمع لكنها زادت تحت حكم المؤسسة العسكرية التي بدأت عهدها بكشوف العذرية.
آية لم تُقتل في غياب الدولة
قضية آية رضوان تبدو مختلفة لأنها لم تحدث في ثكنة عسكرية بل في منزل. لكن الدولة لم تكن غائبة، بل كانت حاضرة مرتين على الأقل، وفي كل مرة لم يكن حضورها كافيًا لحمايتها.
المرة الأولى كانت عندما خرجت القصة من نطاق الأسرة إلى العلن، حيث تم تقديم بلاغ تغيب ثم بحث، ثم نشرت وزارة الداخلية بيانًا على فيسبوك بصور الفتاة القاصر وتفاصيل العثور عليها «رفقة أحد معارفها» في العجمي. في مجتمع يُدار فيه غضب الرجال باسم الشرف هذه ليست مجرد معلومة لاستعراض القبضة الأمنية بل مادة قابلة للاشتعال داخل المنزل. منظمات نسوية قالت لاحقًا إن نشر هذه التفاصيل حمّل الداخلية جزءًا من المسؤولية الأخلاقية لأن كشف تفاصيل قاصر بهذا الشكل قد يحول الغياب إلى فضيحة والفضيحة إلى سبب للعنف.
المرة الثانية كانت عندما أُعيدت آية إلى أسرتها. في أي تحليل جاد للعنف الأسري الهروب من المنزل إشارة خطر وليس مجرد محاولة «لمّ شمل». السؤال الذي كان يجب طرحه بوضوح: إذا خرجت فهل العودة إلى المنزل آمنة؟ ربما لم يُطرح السؤال بشكل كاف أو طُرح ثم أُغلق باسم الأسرة. النتيجة واضحة: عادت في الصباح وقُتلت بعد ساعات، والدولة بحثت عنها ووجدتها وأعادتها وهي تعلم احتمال أن تُقتل أو تُعنّف. هذا هو معنى الضبط وليس الحماية. فالدولة تكون حاضرة بقوة حتى يصل الأمر إلى سلامة الجسد داخل الأسرة، وعندها تتراجع خطوة، وكأن المنزل منطقة سيادة خاصة لا يجوز التدخل فيها إلا لإعادة الفتاة إليه.
القانون أضيق من العادة، والعادة أوسع من القانون
المادة 237 من قانون العقوبات لا تبيح قتل الأخ لأخته. هي استثناء ضيق: زوج يفاجئ زوجته متلبسة بالزنا فيقتلها في الحال هي ومن معها، فتكون العقوبة حبسًا لا عقوبة القتل العمد. النص لا يشمل الأب ولا الأخ ولا الابن. المحامون الذين قالوا بعد مقتل آية إن «الشرف» ليس عذرًا قانونيًا معترفًا به خارج هذا الاستثناء محقون في حرفية القانون.
وهنا تجدر الإشارة إلى نقطة أعمق. المادة 237 نفسها، حتى في نطاقها الضيق المقصور على الزوج، قابلة للطعن بعدم الدستورية لمخالفتها مبدأ المساواة في العقاب. فالنص يمنح الزوج القاتل معاملة جنائية أخف من أي قاتل آخر يرتكب الفعل نفسه بدافع مماثل دون أساس موضوعي يبرر هذا التمييز بين مرتكبي جريمة واحدة بحسب صفة الجاني لا بحسب جسامة الفعل. وإذا كان هذا التمييز غير الدستوري قائمًا أصلًا في صلب النص التشريعي فإن اتساعه لاحقًا عبر التقدير القضائي ليشمل حالات لا يغطيها النص أصلًا، الأخ والأب والابن، يكشف عن منطق واحد يمتد من التشريع إلى التطبيق: معاملة العنف الذكوري ضد المرأة داخل الأسرة بوصفه استثناءً من القاعدة العامة للمسؤولية الجنائية، سواء أقرّ القانون بذلك صراحة أو تركه لتقدير القضاء.
فالقانون لا يعتمد فقط على النص بل يعتمد أيضًا على التقدير: وصف الواقعة ودوافع الجريمة والاستفزاز والانفعال والظروف التي تأخذها المحكمة في الاعتبار. من هنا يأتي التساهل وليس من نص صريح يسمح للأخ بالقتل. النص الصريح غير موجود لكن العادة موجودة، وتعرف كيف تؤثر على الحكم حتى عندما يقول النص عكس ذلك.
هذا النمط ليس خاصًا بمصر فقط. هناك نصوص مشابهة في دول عربية أخرى استخدمت تاريخيًا لتخفيف عقوبة من يقتل قريبته باسم الشرف. هذا التشابه لا يحتاج إلى نظرية مؤامرة، بل يكفي وجود بنية واحدة: الشرف ليس حق المرأة في جسدها بل حق الجماعة الذكورية في تحديد معناه. فقوانين الشرف لا تحمي الفرد، بل تحمي علاقات القرابة التي تمر عبرها الملكية والنسب والسلطة. المرأة «الشريفة» تعتبر ضمانًا لسلسلة النسب، ومن يخرج عن هذا النظام لا يُعامل فقط كمنحرف شخصيًا بل كمن يكسر وحدة أكبر من الأسرة.
الأسرة وحدة اقتصادية قبل أن تكون ملاذًا
إنجلز في كتابه «أصل الأسرة والملكية الخاصة والدولة» يربط الأسرة الأبوية بظهور الملكية الخاصة والحاجة إلى نسب مؤكد لانتقال الإرث. في هذا التصور السيطرة على جسد المرأة ليست مجرد غضب فردي بل وظيفة اجتماعية، فالمنزل يعيد إنتاج العمل ويحفظ الملكية ويوزع الطاعة. حتى الدولة الحديثة، رغم حديثها عن المواطنة، تظل حريصة على هذه الوحدة لأنها أقل تكلفة في الحكم: المنزل يضبط قبل أن تضبط الدولة.
لهذا السبب لا يقتصر دور «حامي الشرف» على الزوج فقط. أحيانًا يكون الزوج، وأحيانًا يكون الأخ كما في قضية آية، وأحيانًا يكون الأب أو الابن في حالات ناقشها الإعلام حول إمكانية تخفيف العقوبة رغم أن النص لا يشملهم. ما يُحمى ليس العلاقة الزوجية فقط بل الموقع في التراتب الاجتماعي: حق الرجل القريب في إعادة ترتيب الشرف بالقوة. الحق جماعي للرجال والثمن فردي والضحية أنثى. هذا يفسر أيضًا ترتيب الاتهامات التي وُجهت إلى آية قبل قتلها؛ تم التركيز على التغيب والإيواء وهتك العرض، أي على ضبط العلاقة الجنسية المحتملة، أما احتمال أن يكون أهلها مصدر الخطر فلم يُؤخذ بنفس الجدية، حيث كانت الأولوية إعادتها إلى المنزل وليس التساؤل عما يحدث لها هناك.
كلام يُترك، وكلام يُقمع
تظهر المفارقة بوضوح عند مقارنة نوعين من الخطاب. الخطاب الأول يتصدره شيوخ يتحدثون عن أن المرأة فقدت حقها بسبب خروجها أو غيابها أو تبرجها، فيجعل من التحقير أو العقاب أمرًا طبيعيًا يمر غالبًا دون حساب. في المقابل يواجه الخطاب السياسي المعارض والصحافة المستقلة قيودًا أكبر بكثير. هذه ليست مقارنة بين كل شيخ وكل معارض بل ملاحظة حول ما تعتبره الدولة خطرًا. الخطاب الذي يعيد إنتاج سلطة الأسرة لا يهدد بنية الحكم بالضرورة، بل قد يخدمها، فالأسرة المطيعة تعني استقرارًا بتكلفة أقل. أما التساؤل عن توزيع السلطة والثروة والقمع في المجال العام فيُعتبر تهديدًا مباشرًا.
هنا يجب أن ندرك أن هناك نهجًا واضحًا من الدولة في استخدام الهلع الأخلاقي كـ”ترند”، قضية يتم تضخيمها حتى تسيطر على الغضب العام فينشغل الناس بجسد فتاة وكلام الناس بدلًا من التساؤل عن رغيف العيش أو ارتفاع الأسعار أو العدالة الاجتماعية. وعليه أصبحت قضايا الشرف تُستخدم لصرف الانتباه، لكن تكرار هذه المشاهد يعطيها وزنًا: ضجيج كبير حول الشرف وصمت طويل أمام سؤال بسيط، لماذا نُشرت بيانات قاصر بهذا الشكل قبل أن تُقتل؟
ما الذي تغيّر فعلًا؟
بين رشا عبد الرحمن وآية رضوان لم تتغير السلطة ولا نهجها، فجسد المرأة يُعامل كملف سمعة قبل أن يُعامل كحياة. في 2011 استُخدم الجسد لمعاقبة الاحتجاج وحماية المؤسسة من الاتهام، وفي 2026 استُخدمت بيانات الغياب لتحويل الخروج من المنزل إلى فضيحة عامة، ثم أُعيدت الفتاة إلى المكان الذي قتلها.
لا داعي لاختراع نية واحدة استمرت خمسة عشر عامًا. يكفي أن المؤسسة العسكرية والدولة المصرية يعملان بمنطق واحد: الأسرة أولًا والشرف ثانيًا والفرد أخيرًا. القانون يعلن أن القتل غير مباح، لكن العادة والتقدير والضغط الاجتماعي يعيدون إنتاج نفس النتيجة. ومنذ اللحظة التي تولى فيها من يحكم مصر اليوم قرارًا يخص جسد المرأة كان الخيار واضحًا: حماية المؤسسة وليس الفرد.
الدولة لا تغيب عن حياة النساء بل هي حاضرة بقوة، لكن هذا الحضور غالبًا ما يركز على ضبط الجسد للحفاظ على النظام وليس على حماية الحياة نفسها. طالما استمرت هذه الأولوية ستبقى الحماية مجرد كلمة تُقال بعد وقوع الحادثة، وسيظل العقاب يحدث في الثكنة أو في المنزل.





