الجماهير الإيرانية بين مناورات الحكام وغياب البديل
إن انتفاضة الطلاب الإيرانيين التي انفجرت فى الأيام الأولى من شهر يوليو وانضم إليها الآلاف من الجماهير الأمر قد هزت الطبقة الحاكمة الإيرانية وأجبرت رموزها على أن تأخذ الموقف وعكسه فى اقل من خمسة أيام.
بدأت الأحداث عندما مرر البرلمان مشروع قانون يقيد حرية الصحافة ثم أصدرت محكمة خاصة لرجال الدين حكما بإغلاق صحيفة “سلام” المؤيدة لسياسات خاتمي، بدأ الطلبة اعتصاما صغيرا في الحرم الجامعى والمدينة الجامعية، فتدخلت الشرطة وعصابات حزب الله لضرب الطلبة المعتصمين والقبض على أعداد منهم فى المساء.
وفى صباح اليوم التالى انفجر الغضب ولخمسة أيام اجتاحت المظاهرات طهران العاصمة ومدن أخرى وتحولت المظاهرات بسرعة إلى العنف، فهاجم المتظاهرون عددا من البنوك والمبانى الحكومية الأمر الذي أخاف كبار التجار ودفعهم إلى إغلاق محلاتهم وخاصة كتلة تجار “البازار”، وبدلا من أن يرفع الطلبة شعارات مستقلة عن الطبقة الحاكمة رفعوا صور خاتمى وهتفوا له باعتباره رمزا للحرية والديمقراطية المأمولة فى إيران، فهل خاتمى حقا كذلك؟!
إن موقف خاتمى يوضح ببساطة عكس ذلك، ففى بداية المظاهرات أظهر هو وممثل ما يسمى بالتيار الإصلاحى مثل – عبد الله نوري- رئيس المجلس البلدى فى العاصمة تعاطفهم مع الطلبة المتظاهرين، وبعد أن اتسعت المظاهرات – بعد ثلاثة أيام بالضبط- أعلن خاتمي إدانته “للمشاغبين” ودعا إلى قمع المظاهرات الطلابية وأعلن تأييده للمظاهرة المضادة التى دعا إليها المحافظون، وعبد الله نورى كذلك تغير موقفه 180 درجة ليصف استمرار المظاهرات بأنه “حركة مريبة” ولا يختلف موقف مرشد الثورة على خامنئي كثيرا – برغم البداية ثم دعا إلى قمعهم فى النهاية.
إن التشابه أو التطابق بين موقف الإصلاحيين والمحافظين من انتفاضة الطلاب يوضح أنهم طبقة واحدة هدفهم واحد هو الحفاظ على الأرباح التى يجنونها من استغلال الجماهير والحفاظ على مقاليد الحكم بأيديهم ليحموا آليات هذا الاستغلال، ومع ذلك توجد داخل الطبقة الحاكمة مجالا أمام المعارضة من أسفل حيث تؤدى هذه الانقسامات إلى شلل جزئى لأجهزة القمع مما يفتح الباب واسعا أمام تدفق الجماهير إلى الاحتجاجات.
إن هناك أهمية لفهم مدى الاختلافات بين أجنحة الطبقة الحاكمة الإيرانية حتى لا نقع فى فخ تأييد جناح من المستغلين ضد جناح آخر مستغل أيضا، إن الاختلاف في الطبقة الحاكمة الإيرانية يدور حول الاندماج فى الاقتصاد العالمي من عدمه، فبينما تدعم أقوى قطاعات الرأسمالية الإيرانية هذه السياسة والتى يمثلها خاتمى، تدعم قوى البيروقراطية التى تسيطر على الاقتصاد – تسيطر الدولة فى إيران على 85% من الاقتصاد – تدعم هذه البيروقراطية سياسة الانغلاق والاستقلال بالسوق القومى ويدعم هذه السياسة أيضا كبار تجار “البازار” وكبار ملاك الأرض الذين تربطهم علاقات وثيقة بكبار رجال الدين وهؤلاء جميعا هم من يدعمون تيار المحافظين.
ولا تتضمن سياسات أى جناح من أجنحة الطبقة الحاكمة الانحياز للجماهير الفقيرة، فنظرة سريعة على سياسات خاتمى نجد أن أبرزها هو تخفيف القيود على التعامل فى العملات الأجنبية ثم طرح 2400 شركة حكومية للبيع فى إطار خطة واسعة للخصخصة تشمل شركات فى مجال النفط والبتروكيماويات والمعادن والطاقة، وقد حاول رفسنجاني – الرئيس السابق- خصخصة بعض الشركات في بداية التسعينات وفشل بسبب مقاومة البيروقراطية، فقد اشترت مؤسسات شبه عامة الشركات المطروحة للبيع، وفي مارس وإبريل قامت حكومة خاتمى برفع أسعار منتجات النفط والسلع الأساسية تتويجا لبرنامج التقشف الذي بدأه رفسنجانى – وهو أيضا من رموز الإصلاحيين- منذ 3 سنوات.
أما سجل المحافظين فليس أفضل كثيرا ففى عام 1982 أقر البرلمان ثلاثة قوانين حول تأميم التجارة الخارجية وإقرار الإصلاح الزراعى ومصادرة ممتلكات الإيرانيين المقيمين بالخارج ولم ينفذ أى قانون من الثلاثة لأن مجلس الخبراء عارضه ومجلس الخبراء هو أعلى هيئة دينية فى إيران ويسيطر عليه المحافظون، وتم إلغاء القوانين الثلاثة، وفى النصف الثانى من الثمانينات بعد هدوء الفوران الثورى استطاع المحافظون تقوية سيطرتهم على البرلمان وساعدوا على صدور قانون جديد للعمل يحابى القطاع الخاص وخفضوا عدد الأشخاص الممنوعين من ممارسة النشاط التجارى إلى 51 شخصا من رجال الشاه السابق، وتم إعادة آلاف الشركات التى كانت الدولة قد استولت عليها في بداية الثورة إلى أصحابها الأصليين.
وبالنسبة لحقوق الأقليات، فإن أول ظهور للحرس الثوري الإيراني وهو أحد معاقل المحافظين كان في كردستان إيران حيث قاموا بقمع الأقلية الكردية، وفى عام 94 وفى عهد رفسنجانى “الإصلاحى” قام الحرس الثورى بدور كبير فى إخماد انتفاضات الأقلية السنية فى منطقة زاهدان بشرق إيران.
أما عن ميول الطبقة الحاكمة نحو الحرية والديمقراطية فتوضحها الأحداث التالية.
فى نهاية 1997 وبداية 1998 ثارت انتقادات ضد مبدأ ولاية الفقيه قام بها آية الله منتظرى وبعض المثقفين ورجال الدين السنة، طالبت الانتقادات بتوسيع سلطات رئيس الجمهورية والمجالس التمثيلية، قام المتظاهرون من عصابات حزب الله بمهاجمة منزل “منتظرى” وهو الموقف الطبيعى منهم، بينما الغريب هو موقف “خاتمى” حيث سارع هو ورفسنجانى إلى إعلان ولائهم لولاية الفقيه واعتبار الانتقادات “مؤامرة”. ضد الثورة!!. هذا بينما كانت تبدو الانتقادات كدعم لخاتمى ضد خصومه “المحافظين”.
إن المناورات التى يقوم بها خاتمى وخصومه هى محاولة لحسم مسألة من سيقوم بقمع واستغلال الجماهير الإيرانية فى الفترة القادمة بأفضل شكل ممكن، فخاتمى يحاول أن يدعو الجماهير لتأييده رافعا شعارات الحرية والديمقراطية، والمحافظون يستغلون ارتباط خاتمى باغنى قطاعات المجتمع ليدعوا انهم يدافعون عن الفقراء بل إنهم يذهبون فى مناوراتهم لمدى بعيد إلى حد دعم حزب العمال الكردستانى ضد تركيا لإعادة التوتر بين إيران وتركيا وبالتالى الغرب، وكما أن خاتمى غير صادق فى حديثه عن الحرية، فإن تأييد المحافظين لحقوق الأقليات يكذبه تاريخهم، وبينما يزيد الغضب فى المجتمع الإيرانى من الأحوال المتردية للاقتصاد والقمع البوليسى وغياب الحرية، فإن اليسار الإيرانى غائب تماما عن الحركات الجماهيرية ومنغمس فى سياسة الكفاح المسلح التى تزيد عزلته عن الجماهير ووجود قواعده فى العراق والغرب تسهل على النظام وصفهم بعملاء لدول أجنبية، إن الجماهير الإيرانية تخوض يوما بعد يوم نضالا متزايدا ضد الطبقة الحاكمة ربما يكون أبرزه انتفاضة الطلبة الأخيرة، ولكن هذه النضالات تشمل إضرابات عمالية مثل إضراب عمال مصنع “نما يمشهر” للنسيج فى إقليم “مازندان” فى نهاية عام 1998 حيث احتج العمال على عدم صرف الأجور وتعسف الإدارة وقام العمال بضرب مدير المصنع وطرده مع عدد من مساعديه خارج المصنع، وقبل هذا الإضراب وفى مايو 1998 انفجرت انتفاضة فى إحدى الضواحى النائية فى طهران بعد مقتل بائع متجول على يد الشرطة، هاجم آلاف السكان مبنى البلدية وقطعوا الطرقات وأشعلوا النار فى إطارات السيارات وقذفوا الشرطة بالحجارة، بينما مجاهدى خلق أكبر فصائل اليسار الإيرانى غائب تماما عن هذه الحركات الجماهيرية ولا نسمع عن نشاطه إلا عن طريق الانفجارات التى يقوم بها قطاعه العسكرى والتى كان منها موجة كبيرة فى يونيو 98 ونجاحهم بعد ذلك فى اغتيال قائد من الحرس الثورى، لكن ثمار هذه الانفجارات جنتها السلطة فقد استطاع رجال السلطة تعبئة أكثر من 10 آلاف إيرانى فى جنازة قائد الحرس الثورى ووصف اغتياله بأنه مؤامرة لإضعاف قدرات إيران العسكرية فى مواجهة أعدائها وبالطبع لم يوجد وسط الجماهير من يقول العكس.
إن أزمة اليسار الإيرانى الحالية عميقة جدا فبالإضافة إلى استراتيجيته الاستبدالية فإنه منغمس فى سياسات تعمق عزلته عن الجماهير، وتعلمنا خبرة الانتفاضة الطلابية الأخيرة أن الحركة الجماهيرية في إيران قوية ويمكن أن تتسع لتذهب أبعد مما تريد أيا من أجنحة الطبقة الحاكمة لكن هذه الجماهير الغاضبة تفتقد لبديل حقيقي، بديل ثوري ينحاز للفقراء بالفعل ويحترم الحرية وحقوق الأقليات ويلقي بنفسه وسط الجماهير يخوض معهم صراعاتهم ونضالاتهم ويحاول دعمها وتوسيعها وتطعيمها بوعى متماسك وثورى يسمح للجماهير أن ترى بوضوح مدى زيف وكذب حكام إيران من الرأسماليين ورجال الدين.





