بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

انتفاضة الطلاب في إيران

مرة أخرى يثبت الطلبة الإيرانيون مدى قوتهم وقدرتهم على زعزعة استقرار النظام الإيراني، فقد كان لهم دور كبير في ثورة 1979 التي أطاحت بالشاه وأتت بالإسلاميين إلى الحكم، كما أنهم شكلوا كتلة أساسية ومهمة ساندت الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي وأدت إلى انتخابه في 1997.

ففي الثامن من يوليو الماضي ولمدة 6 أيام قام الطلبة بانتفاضة هي الأكبر منذ ثورة 1979 ولأول مرة منذ ذلك الحين تجمع الطلبة وجماهير الإيرانيين في أعداد غفيرة بلغت في مجملها حوالي 25 الف شخص ليواجهوا اليد الحديدية للمتشددين الإسلاميين المعارضين لإصلاحات خاتمي الاجتماعية والسياسية.

بدأت المظاهرات مساء الخميس الثامن من يوليو حين تظاهر حوالي 200 طالب احتجاجا على منع إصدار جريدة “سلام” المعتدلة والمؤيدة لخاتمي كما احتجوا على صدور قوانين جديدة سنها البرلمان ذو الأغلبية المحافظة ضد حرية الصحافة. وبعد عودة المتظاهرين إلى المدينة الجامعية هاجمهم المتشددون وقذفوهم بالحجارة وحطموا نوافذ المباني والسيارات، وتحركت قوات الشرطة (التي يسيطر عليها المتشددون الإسلاميون) فجر اليوم التالي للأحداث وهاجمت المدينة الجامعية، وحطمت الأبواب وأشعلت النار في إحدى الغرف وأطلقت الرصاص مما أدى إلى مصرع 3 طلاب وإصابة 20 طالبا بإصابات خطيرة واعتقال عشرات الطلبة.

في اليوم التالي تجمع المتظاهرون أمام بوابة جامعة طهران ورفضوا المغادرة رغم أوامر الشرطة، وعلى أثر ذلك أطلقت الشرطة القنابل المسيلة للدموع واعتقلت العشرات وكدستهم في العربات.

تصاعدت المظاهرات في الأيام التالية وانضمت إليها الجماهير الإيرانية مطالبة بإقالة رئيس الشرطة والقصاص من قاتلي الطلاب. كما انضمت النساء إلى المظاهرات وضربن عرض الحائط بالقيود المفروضة عليهن والالتزام بالزي الإسلامي.

وإلى جانب قوات البوليس تصدت مجموعات مدنية من المتشددين الإسلاميين (تحت رعاية الشرطة) للمتظاهرين حاملين الهراوات والأسلحة البيضاء وهاجموا النساء اللاتي لا يلتزمن بالزي الإسلامي.

وبعد أربعة أيام وفي محاولة لإعادة الهدوء للشارع الإيراني أعلن محافظ طهران عدم السماح بأي تجمعات، وناشدت وسائل الإعلام الطلبة بإنهاء المظاهرات زاعمين أن العنف لن يؤدي إلا لإضعاف موقف الرئيس “المعتدل” خاتمي، الذي أمل الكثيرون منذ انتخابه في 1997 أن يخفف من وطأة النظام الاجتماعي والسياسي الصارم الذي يسود البلاد منذ 1979.

وحاول المرشد العام (غير المنتخب) آية الله خامنئي والذي يدعم المتشددين الإسلاميين، حاول استرضاء الطلاب بمناداتهم “أبنائي” وبإدانة الهجوم الوحشي على المدينة الجامعية قائلا أنها حادثة مريرة وغير مقبولة. كما فصل مجلس الأمن القومي الذي يدين بالولاء لخامنئي اثنين من ضباط الشرطة وأصدر تأنيب رسمي لضابط ثالث من المسئولين عن إطلاق الرصاص على الطلاب، ولكن لم يتم اتخاذ أي إجراء ضد رئيس شرطة طهران الذي طالب الطلبة بإقالته.

كما أدان الرئيس “المعتدل” خاتمي المظاهرات قائلا أنها تهدد الأمن القومي وأن المظاهرات السلمية التي بدأها الطلاب تحولت إلى أعمال شغب قادها فئات غير مرغوب فيها لهم أغراض “شريرة” ويجب التصدي لهم حفاظا على أمن الدولة والمواطنين!

ولكن رغم كل هذه المحاولات استمرت المظاهرات بل وانتشرت في ثمان مدن أخرى، أشعل المتظاهرون النار في سيارات الشرطة وهاجموا المحلات وحاولوا إشعال النيران في جريدة “كيان” الإسلامية كما هاجموا وزارة الداخلية الإيرانية. وتصدت قوات الشرطة مطلقة أعيرة نارية في الهواء وقنابل مسيلة للدموع لمظاهرة بلغت 10 آلاف شخص خارج بوابة جامعة طهران والتي أشعلت انتفاضة عارمة في قلب العاصمة اعتقل خلالها العشرات من الرجال والنساء.

وقد صب المحتجون جام غضبهم على آية الله خامنئي والذي كان دائما فوق أي نقد أو لوم، وهو ما ظهر في رفع المتظاهرين لشعارات تهاجم خامنئي مثل “خامنئي يجب أن يستقيل” و “أنصار ترتكب جرائم وخامنئي يساندها”.

وأنصار حزب الله هي واحدة من أقوى المجموعات المدنية الإسلامية المتشددة التي تعارض إصلاحات خاتمي والتي هاجمت المتظاهرين بالهراوات ودعت لمظاهرة ضخمة مضادة في محاولة لاستعراض القوة.

وبعد ستة أيام قرر زعماء الطلبة إنهاء المظاهرات تحت ضغط من الرئيس خاتمي خوفا من أن يفلت زمام الأمور من يديه، ولكنهم ظلوا يطالبون باستقالة رئيس الشرطة ونقل قيادة قوات الأمن لخاتمي بدلا من خامنئي.

أثناء الانتفاضة وبعدها اعتقلت الشرطة حوالي 1400 شخص، وقد يواجه زعماء الطلبة تهمة العداء للثورة والتي تصل عقوبتها للإعدام وسط ادعاءات الحكومة والشرطة ووسائل الإعلام بأن هناك مؤامرة خارجية (صهيونية وتركية) وراء الأحداث وأن جهات أجنبية هي التي تمول زعماء الطلبة وتحثهم على إثارة الشغب والاضطرابات في البلاد.

وتعد هذه المظاهرات هي الأقوى والأكبر منذ أحداث الثورة الإيرانية في 1979، وهي تدل على القوة الكامنة لدى الجماهير الإيرانية التي ضاقت بالنظام الإسلامي الصارم الذي ينتهك حقوق الإنسان ويقلص الحريات، والتي اندلعت كذلك في تزامن مع الأزمة الاقتصادية الناتجة عن انخفاض أسعار البترول وتزايد البطالة وتقلص فرص العمل أمام آلاف الخريجين.

إن انتفاضة الطلبة تدل أيضا على قوة الخلاف بين المتشددين الإسلاميين الذين يسيطرون على القوات المسلحة والشرطة ووسائل الإعلام، وبين الإصلاحيين الذين يبحثون عن مساندة الجماهير لهم في انفتاحهم على الغرب ودول الخليج في محاولة للخروج من الأزمة الاقتصادية وهي الخلافات التي ظهرت في الشهور الأخيرة في شكل اعتقالات واغتيالات واتهامات متبادلة بالفساد. ولكن الليبرالية الإصلاحية رغم تأييدها في البداية لحركة الطلبة المساندة لها، خافت أن يفلت الزمام من بين أيديها وأصابها الرعب من انتشار الانتفاضة بحيث لا يمكن السيطرة على الجماهير الغاضبة أو توجيهها في مسارات لا تهدد مصالحهم ووجودهم، فبذلت كل المحاولات لإنهاء المظاهرات فكشف بذلك عن حدود هذا الخلاف وموقف خاتمي الحقيقي-كممثل للطبقة العاملة – من الحركة الجماهيرية.

ورضخ الطلاب لرغبات محمد خاتمي “السلمية” تحت زعم أن مزيد من المظاهرات سوف تقوض جهوده الإصلاحية، وقد ساهم في ذلك حملة القمع الشديدة والمتواصلة التي تعرض لها الطلاب وغياب أي تنظيمات أو أحزاب ثورية تقود الجماهير الثائرة، وتفضح طبيعة جهود خاتمي الإصلاحية والتي لا تعدو محاولات يائسة لحل أزمة الطبقة الحاكمة الإيرانية على حساب الجماهير بزيادة الاندماج في النظام الرأسمالي العالمي والتي سيكون من عواقبها المزيد من الإفقار والقمع للجماهير الإيرانية.

إن البديل الحقيقي لنظام الملالي الذي يحكم إيران ليس إصلاحية “خاتمي” ولكنها حركة الجماهير الإيرانية التي أثبتت أنها تستطيع زلزلة خامنئي وخاتمي وأمثالهم من الحكام المستبدين على طريق الثورة الاشتراكية.