بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الانتفاضة

إن “متاريس الشوارع” جزء من عقيدتنا، ونستطيع أن نؤكد بشكل عام أن اليساريين وإن اختلفوا سيقفون على “الجانب الصحيح من المتاريس”، لأن المتاريس تمثل رمزا تاريخيا للاشتراكية الثورية: فهي من الضرورات الراسخة للانتفاضة المسلحة إذا كان للطبقة العاملة أن تنجح في الاستيلاء على السلطة من مستغليها.

كان أول اشتراكي يبلور هذه الفكرة هو الثوري الفرنسي أوجست بلانكي خلال ثلاثينات القرن التاسع عشر، فقد كان بلانكي أول من قام بصياغة قواعد الانتفاضة وقام بالإعداد لأول انتفاضة منظمة في التاريخ، ولهذا السبب كان عليه أن يقضي أكثر من 33 عاما من عمره الذي بلغ 76 عاما متنقلا بين 30 سجنا مختلفا.

لم تكن المتاريس عند بلانكي مفهوما رمزيا غامضا، بل كانت استجابة عملية لضرورة تنظيم الجانب العسكري من الانتفاضة. وفي مايو 1839، شنت “جمعية الفصول” التي كان يقودها بلانكي انتفاضة فاشلة في باريس، قام خلالها بتخطيط الجانب العسكري بكل تفاصيله، وفي شوارع باريس الضيقة آنذاك كانت المتاريس وسيلة رائعة في الصمود ضد القوات النظامية.

وبعد ذلك في 1848 برهنت المتاريس على كونها سلاحا فعالا عندما انتفضت الجماهير للإطاحة بملكية لويس فيليب المترنحة، وقطعا ارتعدت الطبقة الحاكمة منها، فقامت الثورة المضادة بقيادة نابليون الثالث بإعادة بناء وسط باريس بشوارع واسعة لتجعل المتاريس سلاحا أقل فعالية.

ولكن المتاريس طبعا كانت سلاحا من أسلحة النضال يتناسب مع درجة معينة من تطور التكنيك العسكري، فالتطور الذي وصلت إليه الحرب الحديثة جعل من المتاريس عنصرا أقل أهمية في الكفاح المسلح، ولكن جوهر اكتشاف بلانكي يعد أمرا مستقلا تماما عن أي شكل محدد من هذا الكفاح، فما توصل إليه بلانكي هو أن عملية الاستيلاء على السلطة عملية عسكرية، فحتى تستطيع طبقة جديدة أن تستولي على الحكم، من الضروري لها أن تدمر الجهاز العسكري للنظام القديم تدميرا كاملا، والطريقة الوحيدة لتحقيق هذا الهدف هي تعبئة قوة عسكرية متفوقة وهو أمر يتطلب إعدادا عسكريا مفصلا، بتسليح وتدريب حرس ثوري يكون قادرا على الاشتباك مع العدو.

وبالطبع، فإن جزءا كبيرا من عملية تفكيك الجيش يعتمد على العمل السياسي – أي تدمير النسق العسكري السلطوي ودعوة الجنود مباشرة إلى الوقوف إلى جانب أخوتهم وأخواتهم الذين ينتمون إلى نفس الطبقة. ومع ذلك، ففي كل جيش توجد وحدات خاصة متميزة يستحيل كسبها إلى صفوف الثوار ولذلك من الضروري هزيمتها، بل وحتى عملية تفكيك وحدات الجيش العادية تحتاج أيضا إلى القوة.

إن السر في تماسك أي جيش يكمن في أن عصيان الأوامر يشكل خطرا أكبر من المخاطر التي تترتب على طاعتها، والسبب الذي يجعل الجنود منظمين إلى أقصى درجة حتى أثناء المذابح مثلما حدث في الحرب العالمية الأولى هو توافر فرصة للبقاء على قيد الحياة، فعصيان الأوامر في مواجهة العدو يعني الموت المحقق على يد الشرطة العسكرية في نفس الجيش الذي تنتمي إليه. ولذا فإن الثورة عليها أن تقنع جماهير الجنود أن مقاومتها أخطر بكثير من عصيان أوامر الضباط، وهذا يعني إطلاق النار على الضباط الذين يأمرون بإطلاق الرصاص على العمال.

استطاع بلانكي أن يدرك ذلك تماما، وعكف بدأب على التنظيم من أجل تحقيق هذه الأهداف، ولكن حياته تميزت بالبطولات الفاشلة، ويعد أفضل تلخيص لها في سلسلة الأحداث التي توالت في أواخر حياته. ففي 31 أكتوبر 1870، خرجت مظاهرة عمالية عفوية ودعت بلانكي إلى تشكيل حكومة جديدة، وقد قبل المهمة ولكنه عجز عن تنفيذها فأخفقت الانتفاضة، واختفى بلانكي ليتحول للعمل السري، ولكن منظمته كانت تترنح، وتوقفت الجريدة بسبب نقص التمويل. وفي 21 يناير 1871 حاول أعضاء حزبه إعادة الكرة، ولكن بلانكي رفض الاشتراك معهم، ففشلوا وأجبر بلانكي على مغادرة باريس فقط ليتم القبض عليه في 17 مارس من نفس العام. وفي 18 مارس، قامت جماهير باريس بالانتفاضة وأسسوا كوميونة باريس، ولم يستطع بلانكي الذي كان قابعا في سجون الرجعيين آنذاك، أن يلعب أي دور في أول تجربة عظيمة لسلطة العمال.

إن ما لم يدركه بلانكي هو الدور الحاسم للجماهير في الثورة، لقد فهم الجانب العسكري من الانتفاضة ولكن لم يكن لديه إدراك حقيقي للبعد السياسي الحيوي فيها. قدم تروتسكي في كتابه تاريخ الثورة الروسية التقييم التالي لبلانكي:

إن الانتفاضة فن مثل أي فن آخر له قوانينه، وقواعد بلانكي كانت من ضرورات الواقعية الثورية العسكرية. إن خطأ بلانكي إنما يكمن في نظريته الإنقلابية وليست المباشرة. فعلى أساس حقيقة أن الأخطاء التكتيكية تؤدي إلى هزيمة الثورة، رأى بلانكي أن مراعاة قواعد وتكتيكات الانتفاضة في حد ذاتها تضمن الانتصار. ولكن أقلية نشطة من البروليتاريا، مهما كانت جيدة التنظيم، لا يمكنها الاستيلاء على السلطة بغض النظر عن الظروف العامة السائدة في البلاد.

ومن هذه الزاوية فقط أدينت البلانكية في التاريخ. ففكرة بلانكي الراسخة تحتفظ بكل قوتها، فحتى تستطيع الاستيلاء على السلطة تحتاج البروليتاريا إلى أكثر من مجرد انتفاضة عفوية، تحتاج إلى تنظيم ملائم، وتحتاج إلى خطة، وتحتاج إلى مؤامرة. وتلك هي النظرة اللينينية لهذه المسألة:

إن الانتفاضة ضد النظام القديم مهمة بالغة الصعوبة لدرجة أنها لا يمكن أن تنجح إلا في ظروف ملائمة. وفي التعريف الكلاسيكي الذي قدمه لينين، لابد أن يكون النظام القديم عاجزا عن الاستمرار في الحكم، وأن تطالب الجماهير بنظام جديد، ولابد من وجود حزب ثوري واعي وقادر على قيادة الجماهير. وهذا الوضع النموذجي لا يحدث إلا نادرا في التاريخ، ولكنه يقينا يحدث.

إن مهمة الحزب الثوري هي الإعداد لتلك اللحظات، فحتى يتحقق النجاح من الضروري أن يكون للحزب جذور عميقة في حياة الجماهير، ومن الضروري أن تكون الجماهير قد اعتادت من خلال التجارب الطويلة على الثقة في الحزب أثناء النضال، ومن الضروري أن تكون فكرة الاشتراكية قد تغلغلت في وعي الجماهير، ومن الضروري أن تكون الجماهير نفسها مستعدة للنضال من أجل تحرير نفسها. ومع ذلك، حتى في تلك الظروف، يظل ضروريا أن يتم تنظيم الانتفاضة باعتبارها عملية تقنية.

ولهذا السبب تحديدا علينا أن نستمر في الدفاع عن تلك “المتاريس”، وأن نتعلم من دروس بلانكي. ففي مواجهة الإصلاحيين أدرك بلانكي حقيقة ثورية عظيمة، وهي ليست الدرس الوحيد في السياسة الثورية ولكنها من الدروس الهامة. فالإصلاحيون عندما يهاجمون “البلانكية” و “الانتفاضوية” لا يشيرون إلى طريق أفضل لتحقيق الاشتراكية، بل يهاجمون أخطاء ومواطن ضعف أحد الثوريين العظام حتى يبرروا رفضهم الخاص للتفكير في القضايا المتعلقة بكيفية استيلاء العمال على السلطة، ولذا فإن طريقهم هو طريق الفشل والهزيمة.