سياسة الدعم في مصر.. خلفية تاريخية
تتتبع سلمى فريد تطور نظام دعم الفقراء منذ منتصف القرن الماضي إلى الآن مشيرة إلى محطاته المخنلفة واتجاهه المتواصل للانخفاض في السنوات الأخيرة.
تعود بداية تقديم الدعم من قبل الحكومة المصرية إلى السنوات التي تلت الحرب العالمية الأولى، حيث تعاملت الحكومة مع ارتفاع أسعار السلع الغذائية باستيراد كميات كبيرة من القمح والدقيق من استراليا، وقامت ببيعه في منافذ حكومية بأسعار مخفضة.
وفي فترة الحرب العالمية الثانية، ومنذ عام 1941، قامت الحكومة بتطبيق برنامج دعم لكافة المواطنين، كإجراء مؤقت لتخفيف حدة الآثار السلبية للحرب على مستوى المعيشة. وقد تم تطبيقه من خلال توفير بعض السلع والاحتياجات الأساسية مثل السكر، الكيروسين، زيت الطعام، والشاي بنظام الحصص وذلك باستخدام نظام البطاقة التموينية لتوزيع المواد على المستهلكين شهريا وبمقدار محدد للشخص الواحد في الأسرة.
أقسام الدعم
في مصر، تقوم الحكومة بدعم أسعار العديد من السلع والخدمات الأساسية، إما بصورة ظاهرة أو ضمنية. ويهدف الدعم عموما إلى دعم مستويات معيشة الفقراء من ناحية، والحفاظ على مستويات أسعار السلع الأساسية لتكون في متناول الجميع. وُيقصد بالدعم الظاهري الإنفاق العام الذي يتم تسجيله بصورة صريحة إلى جانب النفقات في الموازنة العامة للإنفاق، وهو إما دعم مباشر لسلع وخدمات أساسية مثل أصناف من السلع الغذائية، القروض الميسرة للإسكان، خدمات التأمين الصحي للطلاب، أو دعم غير مباشر لتمويل عجز الهيئات الاقتصادية مثل هيئة السكك الحديد، والكهرباء، وهيئة النقل العام، حيث تقوم الحكومة من خلال الخزانة العامة بتسديد الفرق بين سعر التكلفة والسعر الذي تقدم به الخدمة. أما الدعم الضمني، فهو لا يظهر في ميزانية الحكومة بشكل صريح مثل دعم أسعار منتجات البترول، والكهرباء وبعض الخدمات مثل التعليم والصحة، كما ويعبر عنه عادة معدلات الضرائب المخفضة، والإعفاءات الضريبية.
مراحل الدعم مرحلة توسع وتزايد نظام الدعم
بعد ثورة يوليو 1952، يمثل تطبيق سياسية الإصلاح الزراعي بداية التغير في الدور الذي تلعبه الدولة في الاقتصاد. في فترة الخمسينات والستينات، كان نظام الدعم ضمن يعبر عن التوجه السياسي للدولة بتبني “برنامج رفاه” حيث تتحمل الحكومة المسئولية عن تقديم الخدمات الاجتماعية الأساسية للمواطنين من صحة وتعليم، كما شمل البرنامج نظام لدعم أسعار للسلع الغذائية الأساسية، والإسكان وغيرها. وكان الهدف هو توسيع نطاق الاستفادة ليشمل كافة الفئات الاجتماعية ولمواجهة الزيادة السكانية ونمو المدن، وقد استمر نظام الدعم أيضا في فترة السبعينات.
وفي منتصف الستينات ومع ارتفاع أسعار السلع ونقصها خاصة بعد حرب 1967 مع إسرائيل، قدمت الحكومة نظام البطاقات التموينية لعدد محدود من السلع، لم يكن الهدف في البداية من النظام المقدم دعم أسعار السلع، بل توفير السلع الأساسية للمواطنين كإجراء لمواجهة النقص في هذه السلع. وقد بلغ إجمالي قيمة الدعم نحو 9 مليون جنيها مصريا في تلك الفترة، وكان برنامج الدعم يشمل عددا من السلع الأساسية مثل القمح، والسكر، الأرز، زيت الطعام، الصابون، والكيروسين، وبعض المنتجات القطنية.
شهدت فترة السبعينات توسعا في حجم نظام الدعم وقيمته، فقد شمل الدعم عددا أكبر من السلع بلغت 18 صنفا منها الفول، والعدس، والأسماك والدجاج واللحوم المجمدة الماء، إضافة إلى ذلك شمل الدعم الكهرباء، وخدمات النقل الداخلي، والبنزين، واستهدف كافة المواطنين وليس محدودي الدخل أو الفقراء فقط، وبلغت قيمة الدعم في عام 1970 20 مليون جنيها، كان الجزء الأكبر منه مخصص للدعم الغذائي، والذي استحوذ على 75% من قيمته.
انتفاضة 1977
جاء قرار الحكومة برفع الأسعار في يناير 1977 على عدد من السلع (مثل العيش الفينو، الدقيق، السكر، والأرز والشاي) كجزء من الاتفاقات مع صندوق النقد الدولي في 1976 لتخفيض الدعم وذلك لتنفيذ حزمة من الإصلاحات الاقتصادية. وكان رد الجماهير فوريا بانتفاضة كبيرة شملت محافظات عديدة في مصر معبرة عن غضب شعبي عارم تجاه تخلي الدولة عن وعودها بتحقيق الرخاء للمواطنين من خلال تطبيق سياسة الانفتاح. ولم تتوقف الانتفاضة حتى تراجعت الحكومة عن قرارها وأعيدت الأسعار إلى ما كانت عليه في السابق. بل أن السادات قام بعدها بتوسيع نظام الدعم وتوسيع توزيع الدقيق من المناطق الحضرية إلى المناطق الريفية.
مرحلة خفض الدعم
مع بداية الثمانينات ارتفعت قيمة الدعم الموجه إلى السلع التموينية لتصل إلى 1،6 مليار جنيه سنويا، ويمكن تفسير هذا الارتفاع بزيادة الأسعار العالمية لمعظم السلع من جهة، وبتزايد عدد أصناف السلع التي يشملها الدعم. في عام 1982 بدأ العمل على ما سمي “بإصلاح نظام دعم السلع الغذائية”، وذلك لأن الحكومة كانت ترى أن حجم الدعم هو السبب الرئيسي في العجز في الموازنة العامة.
ولكن، بعد درس انتفاضة 1977 قررت الحكومة بالعمل على استراتيجية طويلة المدى متدرجة في خفض الدعم، بافتراض أن التغيير التدريجي لن يجعل المواطنين يحسون بالتغير الحاد في مستوى المعيشة. ومنذ بداية الثمانينات بدأ العمل بتطبيق هذه الخطة والتي شملت عددا من الإجراءات:
1) البدء بتخفيض تدريجي لعدد السلع الغذائية المدعمة ، ففي عام 1980 كان نظام الدعم يغطي نحو 20 صنفا، في الفترة ما بين 1990-1992 تم إزالة الدعم عن السمك والدجاج واللحوم المجمدة والشاي، والأرز. وبعام 1996/97 كان هناك أربع أصناف فقط مدعمة وهي العيش البلدي، والدقيق البلدي، والسكر، وزيت الطعام.
2) بدأت الحكومة بتخفيض عدد الأشخاص الذين يملكون بطاقات التموين والمستحقين للدعم الغذائي. في عام 1981 ومرة أخرى في 1994 قام وزير التجارة والتموين بتقليص عدد حاملي البطاقات، كما قامت الوزارة في عام 1989 بالتوقف عن تسجيل المواليد الجدد في نظام الدعم. وقد تم خفض عدد المستفيدين من 99% في بداية الثمانينات إلى 70% في 1998.
3) عمدت وزارة التجارة والتموين إلى خفض المستفيدين من خلال تصنيف بطاقات التموين إلى مجموعتين: البطاقات الخضراء وتستحق دعما كاملا ويستهدف محدودي الدخل، والبطاقات الحمراء وتستحق دعما جزئيا وتخصص لشرائح المواطنين أصحاب الدخل الأعلى مثل المستثمرين أصحاب المحال أو الأراضي أكثر من 10 أفدنة.
4) تعاملت الحكومة مع الدعم على الخبز باستراتيجية خاصة، سيما وأن العيش والدقيق الأبيض في مصر يمثل 42% من إجمالي السعرات الحرارية للاستهلاك في المناطق الحضرية. وقد بدأت الحكومة وعلى مدى السنوات بالتغيير فقد ارتفع سعر العيش من قرش إلى قرشين للرغيف في 1983/84، ومرة أخرى في عام 1988/89 زاد مرة أخرى إلى 5 قروش. كما وقامت الحكومة، بدون أي إعلان مسبق، بإنقاص وزن الرغيف من 150 إلى 130 غرام، وكذلك بتصنيف درجات جودة مختلفة للعيش وبالتالي إتاحة الفرصة للسوق لإنتاج وبيع عيش ذو جودة أعلى وبسعر أغلى للأسر الأغنى، بينما يبقى العيش الأقل جودة للفقراء. وفي عام 1992 الحكومة رفعت الحكومة الدعم عن العيش ذو الجودة المرتفعة ثم اتبعت ذلك برفع الدعم عن العيش الشامي. وكانت نتيجة هذه الخطوات هي الخفض الكبير لعدد السلع المدعمة وكذلك لقيمة الدعم الكلي.





