خصخصة البنوك والنهب بالجملة
جاء قرار خصخصة البنوك ليكمل مسيرة البيع التي بدأتها الحكومة المصرية منذ خمسة عشر عامًا. يناقش وائل خليل المبررات التي تقدمها الحكومة لبيع البنوك.
بعد تردد طويل حسمت الحكومة أمرها وأبلغتنا أنها تنوي خصخصة بنك الإسكندرية قبل نهاية 2005 أو في بداية 2006. بيع بنك الإسكندرية يأتي كخطوة أولى لبيع البنوك الحكومية الأربعة الكبرى (مع البنك الأهلي وبنك مصر وبنك القاهرة). الحكومة ممثلة في وزير الخصخصة محمود محيي الدين تستخدم نفس الكليشيهات والقوالب المكررة لتبرير البيع: رفع التنافسية – تحسين مناخ الاستثمار – تحسين الإدارة وفصلها عن التدخل السياسي! وغيرها من سياسات الليبرالية الجديدة المنقولة حرفيًا من روشتة البنك وصندوق النقد الدوليين.
وفي إطار حمى البيع والخصخصة التي نراها والتي تنال من كل المؤسسات والقطاعات – يحق لنا التساؤل: أليست دعاوي التنافسية وتحسين المناخ الاستثمار وغيرها هي ما طنطنت به الحكومات المتعاقبة في الخمسة عشر سنة الأخيرة؟ فماذا أنجزت تلك السياسات حتى تطلبوا المزيد. لقد فشلت السياسات الليبرالية ليس فقط على مستوى إفقار أغلبية الشعب بل وفقًا لمعاييرهم وأساتذتهم في المؤسسات المالية… فلا مصر صارت نمرًا اقتصاديًا جديدًا كما وعدوا وكما صدعوا رؤوسنا ولا صارت مركزًا للصناعات الحديثة جاذبًا للاستثمارات.
وبعيدًا عن الكليشيهات لا نجد مناقشة حقيقية – من الحكومة أو معارضيها – لخصخصة البنوك. بعض الأفكار المفصلة نجدها مدفونة في ورقة أكاديمية أعدها محمود محي الدين (قبل الوزارة) لمنتدى البحوث الاقتصادية عام 2003. ودفاع محي الدين عن بيع البنوك يدور حول رفع تدخل الدولة السياسي عن إدارة البنوك، وبالتالي عدم منح القروض لأهداف سياسية وكذلك يمنع تدخل الدولة للبنوك من الانهيار بما يمثله ذلك من تشويها لقوانين السوق وشروطه.
إذن فعلينا أن نسأل هل البنك المخصخص سيكون بمعزل عن الضغوط أم أن الضغوط في واقع الأمر قد تزداد! ففي غياب الرقابة ستُمنح القروض بضغوط الحكومة كما في السابق وضغوط كبار رجال الأعمال وحملة الأسهم بل والإدارة والحكومات الأجنبية لو لزم الأمر وكله على حساب المودعين الغلابة. أما عن منع البنوك من الانهيار، هل يريد الوزير أن تضيع أموال صغار المودعين لأجل قوانين السوق المقدسة والتنافسية المزعومة. الوزير يعلم أن الرأسمالية لم تعد تسمح بانهيار مؤسسات اقتصادية كبيرة حيث يهدد هذا الاقتصاد برمته، والحكومة المصرية تدخلت لاستيعاب بنك الاعتماد والتجارة عقب انهياره عام 1991.
محيي الدين وزملائه الدكاترة ينقلون من كتاب الخصخصة في أمريكا اللاتينية حيث حدثت التجارب الرئيسية لخصخصة البنوك إلا أنهم، كما يبدوا، لم ينهوا قراءته للنهاية. فمن شيلي للمكسيك ثم الأرجنتين كانت خصخصة البنوك هي ما ساهم في دخول تلك البلدان في أزماتها الاقتصادية الحادة في الثمانينات والتسعينات وبدايات هذا القرن.
تجربة شيلي جديرة بالنظر هنا. فتحت رعاية حكومة الديكتاتور بينوشيه (!) وبقيادة مجموعة من خريجي الجامعات الأمريكية (!) تم بيع البنوك بتراب الفلوس وتصفية أصولها وممتلكاتها ونقل أموالها للخارج وبعد سنوات قليلة اضطرت الحكومة للتدخل وإعادة شراء البنوك المهددة بالانهيار، وكله على حسب دافعي الضرائب. وفي المكسيك والأرجنتين لعبت البنوك الأجنبية دورها في تفاقم الأزمات الاقتصادية عندما سارعت ببيع مخزونها من العملة المحلية الآخذة في الهبوط مما أدى لانهيارها التام ودخول البلدين في أزمات اقتصادية طاحنة.
لا يخبرنا الوزير وطبالي الخصخصة عن الضمانات التي تحول دون تكرار تجارب شيلي والأرجنتين ما الذي يمنع المالك الجديد (الرأسمالي المحلي أو العالمي) من تصفية البنك والخروج بالأرباح. ولا يخبرنا بالطبع عن مصير الآلاف من صغار العاملين في هذه البنوك وأسرهم، وهل ينتظرهم طابور البطالة والمعاش المبكر، الذي اعترف الوزير نفسه بنتائجه الكارثية على الاقتصاد المصري.
الحكومة لا تملك الآن سوى النقل من روشتة الثمانينات لصندوق النقل والبنك الدوليين، وعندما يفشلون وينهار الاقتصاد وتمتلئ البلاد بجيوش البطالة فبإمكانهم اللجوء للتبرير البسيط الصالح بدوره لكل زمان ومكان: “العيب في التطبيق وليس في النظرية”.
من ناحية أخرى يوضح مشروع الخصخصة الجاري أن ما يحدث هو عملية لنهب موارد الشعب بالجملة، فالنهب بالقطاعي عبر القروض والمشاريع الفاشلة لا يسير بالسرعة الكافية وهناك ضرورة للإسراع لنهب أكبر قدر من أموال الشعب وضعها في جيوب كبار رجال الأعمال وشركائهم من الشركات متعددة الجنسيات. فقط عند إزاحة النظام الحالي سنعرف حجم النهب الذي فرضنا تعرضنا ونتعرض له. حتى ذلك اليوم فعلينا أن نرفع راية مقاومة الخصخصة في كل مكان وأن ندعم كل المبادرات الناشئة والتي تهدف لتوحيد نضال العمال ومختلف التيارات في مواجهة النظام ومشاريع الخصخصة.





