هل ستكتب الثورة أم الثورة المضادة تاريخ مصر؟

يقع بعض الثوريون في مصر في الخطأ الفادح بوصف جماعة الأخوان المسلمين بالفاشيين ومن ثم يقوموا بتكرار أخطاء سياسية قاتلة أدت الي هزائم مكلفة للثورات في المانيا وشيلي.
في خلال السنة الماضية، استمتع الملايين من الشعب المصري الذين ساندوا ثورة 25 يناير بلحظات ثمينة من الأمل في مستقبل لبلد تم تدميره لعقود بجشع الرأسماليين وفساد السياسيين. ربما، وهو الأهم، أن الكثير من الناس العاديين الذين استسلموا طويلا للفقر والجهل والمرض نتيجة للنظام الفاسد، قد أعادوا اكتشاف طاقتهم الانسانية خلال ال16 شهر الماضية بطريقة لم يحلموا بها.
خاضت الجماهير الفقيرة بشجاعة لشهور في كل مكان معاركاً مطالبين فيها بأجور عادلة وخدمة صحية معقولة وبعض الخبز وحتي الحصول علي زيت الطعام لإطعام أطفالهم الجوعي.
خاضت هذه الجماهير تلك المعارك ضد عصابة من رجال الأعمال الأنانينيين و الجشعين و أذنابهم السياسية الذين راكموا الفيلات و القصور و السيارات الفاخرة و الطائرات الخاصة، ثروات راكموها عن طريق النهب المنظم من عرق اولئك الذين يقودون اوتوبيسات النقل العام في العاصمة واولئك الذين يوجهون السفن في قناة السويس التي تدر الملايين ومن عرق الملايين المكافحة بشكل يومي للتعايش مع الاهمال و التشرد و تدهور اّدميتهم.
قدمت تلك الجماهير الفقيرة اّلاف الشهداء و المصابين خلال انتفاضة ال18 يوم ضد الديكتاتور الذي مازال يعامل كامبراطور في مستشفيات فاخرة، و كذلك قدمت شهداء أكثر خلال الشهور التي تلت علي يد نفس قوات الأمن التي قمعتنا جميعا لأجيال.
لسوء الحظ، فإن تلك الجماهير التي أعطت مثلا لباقي البؤساء حول العالم العربي في كيفية الكفاح من أجل الخبز والزهور ضد الطبقة الطاغية، لم تستطع حتي الاّن تأمين رغيف الخبز دون مشقة أو تنسم عبق الحرية كاملاً لأنهم قطعوا نصف المسافة فقط علي طريق استكمال ثورتهم.
يعلمنا التاريخ، ان من قاموا بنصف ثورة وأن من انتفضوا بشجاعة ضد مضطهديهم لكن فشلوا في ذات الوقت في بناء نظام اجتماعي جديد يستند علي المصادرة السياسية والاقتصادية للطغاة و تكوين هياكل بديلة للسلطة أكثر عدالة، قد دفعوا الثمن غاليا.
أكثر من مرة في تاريخ الثورات، استطاعت الطبقات الحاكمة التي فقدت مصداقيتها دون أن يتم تغييرها من الجماهير والتي تم السماح لهم بالتاّمر في الخلفية، استطاعت دوما ان تجد لنفسها طريقا لاسترجاع سلطتها الاقتصادية والسياسية والقمعية ومن الرجوع مرة اخرى بقوة لقطع رؤوس كل اولئك الذين تجرؤا بمسائلتهم عن ثرواتهم التي نهبوها او طالبوا يوما بالحرية و الديموقراطية.
في عام 1973، قام الحكام في شيلي بانقلاب عسكري دموي وذبحوا العمال والفقراء في ذلك البلد بأمريكا الجنوبية و أسسوا ديكتاتورية عسكرية نصف فاشية لمدة 20 عاما بعدها لأن الجماهير لم تنه ثورتها.
في عام 1933، وصل الحزب النازي في المانيا الي السلطة و جعلوا ملايين العمال و اليهود يدفعوا ثمنا انسانيا غير مسبوق لأن المقهورين لم يكملوا المشوار لاّخره في خلق بديل للنظام القديم العاجز.
لسوء الحظ، تواجه الثورة المصرية خطراً يقترب من مصير الثورة في شيلي و المانيا.
كانت الأعداد من الجماهير التي خاضت الحرب ضد الطبقة المستغلة في شيلي و المانيا كبيرة و كافية للانتصار لكن الأخطاء الخطيرة التي قامت بها القوي الثورية سياسيا واستراتيجيا وتكتيكيا اثبتت انها قاتلة في النهاية.
في حالة شيلي، أدت الأوهام التي ساورت قطاعات من الجماهير و المجموعات الثورية المنظمة في حيادية جنرالات القوات المسلحة في ذلك البلد الي تشويش الكثير من معسكر الثورة علي مدار 3 سنوات من الثورة عن طريق منعهم من الفهم الصحيح و معرفة المنقذ للطبقة الحاكمة في النهاية.
تلك الأوهام سمحت للجنرال بينوشيه بمحاصرة 30 الف ثوري وناشط ونقابي و اعدامهم في استاد لكرة القدم في بداية انقلاب عسكري دموي ادي الي تدمير الثورة و بدأ عقدين من الأكثر سوادا في تاريخ شيلي.
في المانيا، قام الثوريون والقوي اليسارية الاصلاحية المساندون من حوالي ثلثي الشعب (الحزب الشيوعي و الحزب الاشتراكي الديموقراطي) بخطأ فادح عندما قللوا من شأن الخطر الداهم الذي مثله هتلر علي مستقبل الديموقراطية ناهيك علي الأمل في تغيير اجتماعي جذري.
فشل الحزب الشيوعي و الحزب الاشتراكي الديموقراطي، و هي الأحزاب ذات القاعدة الجماهيرية والتي حصلت علي دعم مل يقرب من 65% من الشعب، في بناء جبهة متحدة ضد هتلر خلال الشهور التي سبقت انتصاره بنسبة 35% في انتخابات عام 1933.
بتوجيهات من ستالين في موسكو، قام الشيوعيون بتفضيل اهتماماتهم العصبوية الضيقة في صراعهم ضد الاشتراكيين الديموقراطيين علي الاهتمامات العامة و الملحة للثورة.
الكراهية العمياء للاشتراكيين الديموقراطيين و المرارة من خياناتهم للثورة (و هي بالفعل الخيانات التي كلفت الثورة الكثير و كانت ترجع لعام 1914) جعلت الحزب الشيوعي يقوم بوصف الاشتراكيين الديموقراطيين المتذبذبين بالاشتراكيين الفاشيين و بالتالي مساواتهم بالفاشيين الحقيقيين حول هتلر، مما أدي الي رفض الحزب الشيوعي الوقوف كتفا بكتف مع الاشتراكيين الديموقراطيين لتوقيف هتلر.
باستمرار اليسار في انقسامه، حدثت المأساة و فاز الفاشيون الحقيقيون بالانتخابات، و من بعدها قاموا سريعا بتدمير الأحزاب الجماهيرية علي رأسها الحزب الشيوعي و الحزب الاشتراكي الديموقراطي و سحقوا جميع النقابات والاتحادات والتشكيلات الديموقراطية كما أبادوا ملايين اليهود و المجموعات المقهورة الأخري، ليبدلوا بذلك طيف الثورة الذي كان يطارد الطبقات الحاكمة بطيف الفاشية الذي دمر الديموقراطية و أمل الثورة لأجيال لاحقة.
هذه الدروس التاريخية لها اهمية قصوي و ملحة للثوريين في مصر في تلك اللحظات الحاسمة لعدم تكرار أخطاء سابقة عند مواجهة الأخطار الداهمة لانقلابات الثورة المضادة.
من المآسي أن تقع بعض القوي المناصرة للثورة بوصف منظمة محافظة و متذبذبة سياسيا كجماعة الأخوان المسلمين التي خانت أهداف الثورة في أكثر من محطة (ومؤهلة لأن تفعل ذلك مجددا بلا شك) بالفاشية الدينية لأنه بذلك تساوي هذه القوي المناصرة للثورة بين قوة انتهازية و بين النظام القديم و النظام القائم الذي يسعي لسحق الثورة برمتها.
بالتالي، فان تلك القوي المناصرة للثورة و التي تجمع بين التحليل الخاطئ للجماعة وبين كراهيتهم العمياء لها، تري ان المواجهة الحالية ما هي الا معركة بين قوتين مضادتين للثورة و من ثم يجب الابتعاد عنها.
في وقت تشحذ فيه قوي الظلام الحقيقية خنجرا أخيرا لطعن الثورة برمتها وليس فقط جماعة الأخوان، يرفض بعض الثوريون التكاتف مع الالاف التي نزلت الي الشوارع منهم الاسلاميين ومنهم الثوريين العلمانيين لوقف الخطر الحقيقي لانتصار كامل ونهائي للثورة المضادة.
هنالك فارق هائل بين الوضع الحالي في مصر وبين التجارب الشيلية والألمانية. هؤلاء الذين دفنوا في مقابر جماعية في سنتياجو او معسكرات الاعتقال في المانيا تركوا لنا دروسا رائعة في الشجاعة و لكن للأسف لا يمكنهم العودة ثانية لتصحيح أخطائهم في سبيل تغيير النهاية الدموية لقصتهم. في المقابل، يملك الثوريون و تملك الجماهير في مصر فرصة قوية جداً تبدت في دعم الملايين للثورة عن طريق التصويت ضد مرشحي الثورة المضادة في الانتخابات الرئاسية، لتوقيف الخطر الداهم و كسب معركة الحياة أو الموت والتنفس ليوم اّخر استعدادا لنضالات قادمة تكتب قصتنا للتاريخ.





