بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مؤسسات الفساد تحرك مصر

أراد أحد رجال الأعمال أن يقدم رشوة إلى موظف حكومي كبير؛ ليحصل على تسهيل معين، وعندما دخل إلى مكتب الموظف غافله وألقى تحت الكرسي الذي يجلس عليه الموظف مبلغ 50 ألف دولار، ثم قال له: سيدي، لقد سقط منك على الأرض مبلغ 50 ألف دولار، فرد عليه الموظف الحكومي الكبير قائلا: لا، لم يسقط مني 50 ألف دولار، ولكن سقط منى 100 ألف دولار!!، وذلك في إشارة إلى أنه يريد رفع مبلغ الرشوة إلى 100 ألف دولار.

إن هذه النكتة المضحكة تعكس وجها من وجوه الفساد التي انتشرت وتعددت في كل قطاعات المجتمع، ولعل صورة موظف الأرشيف الذي يمسك بمنديل قماش طوله نصف متر يمسح به عرقه وهو يبحث للمواطن عن ملف مهم وينتظر منه تلويحا ببعض الجنيهات ليظهر الملف على الفور، لعل في هذه الصور هو التصور الذي يصدره إعلامنا عن الفساد في أفظع صوره وأن محاربة هذه الصور وعدم استسلام المواطنين لهؤلاء الموظفين “الجشعين” سيقضى تماما على الفساد في مجتمعنا وسيؤدى إلى تحقيق انتعاش اقتصادي وسيعم الرخاء والسلام الاجتماعي.

إن الجرائد والصحف حتى الحكومية منها لا تكف يوميا عن عرض صور من الفساد الذي ينخر في جسد المجتمع في كل المجالات ففي الزراعة لا يتوقف الحديث عن استيراد البذور الفاسدة وإصابة المحاصيل بالإشعاع النووي واستبدال المحاصيل الرئيسية بمحاصيل التصدير، فعلى سبيل المثال استوردت مصر في عام 85: 6 ملايين طن قمح وصدرت 7 أطنان فراولة، ولا يخفى على الجميع الفساد في قطاع البنوك والتسهيلات والقروض التي تقدم بدون آية ضمانات كما حدث مؤخرا في قضية بنك مصر اكستريور الثانية والمتهم فيها عبد الله طايل الرئيس السابق للبنك و12 آخرون بتهمة تسهيل الاستيلاء على 592 مليون جنيه من أموال البنك، كما كشف تقرير صدر مؤخرا عن بعثة البنك الدولي المقيمة بالقاهرة عن أن وحدة مكافحة غسل الأموال التي تم إنشاؤها بالبنك المركزي قد ضبطت ما يزيد عن 250 عملية غسل أموال مشبوهة وأن 60% من هذه العمليات يقوم بها أفراد يعملون بالجهاز الحكومي للدولة من وزراء وأصحاب رتب عسكرية ورجال أعمال. وقد بلغ حجم الأموال القذرة والناتجة عن أنشطة غير مشروعة إلى 11.3% من الناتج المحلي الإجمالي.

وإذا نظرنا إلى مجال الإسكان فحدث ولا حرج وفقاً لأحد التقارير عن المباني هناك شخص واحد على الأقل يموت كل يومين بسبب سقوط المنازل، ويكفى أن تقرأ مانشيتات أحد الجرائد التي تتحدث عن : المجتمعات الجديدة في مصر آيلة للسقوط وأن شبكات الصرف الصحي والمياه انهارت قبل استلامها حيث أن وزارة الإسكان استغلت حاجة المواطنين للشقق لتسلمهم شقق غير مطابقة للمواصفات كما تفرد بعض التحقيقات الحديث عن مدينة سكنية كاملة بالمقطم على وشك السقوط والجهات الرسمية سلمتها للمواطنين كما أن محافظة القاهرة متهمة بالتواطؤ مع بعض شركات المقاولات للنصب على المواطنين وتم حل 760 جمعية للإسكان بسبب انحرافاتها.

وإذا ما انتقلنا إلى مجال التعليم فسنجد أن الدولة تسعى قدما إلى القضاء على التعليم المجاني فالتعليم صار بالفعل كالماء والهواء فاسدا تماما!! فالنظام التعليمي يفتقد إلى التخطيط السليم والمناهج الدراسية أصبحت متاهة وألغازا والفصول مكدسة والدروس الخصوصية بديهية حتى النظام الجامعي أكله الدود وتم توجه الدولة نحو خصخصة جزء من الجامعة المصرية للجامعات الخاصة وتم الحديث عن إنشاء هيئة للدراسات العليا ترتفع فيها مصاريف الماجستير والدكتوراه من 600 جنية إلى 10 آلاف جنية!!

وكذلك الحال لا يختلف كثيرا في مجال الصحة والثقافة والفنون وكل المجالات إلى حد تصريح إحدى المصادر بأن هناك سبع قضايا فساد حكومي كل ساعة على الأقل!! فقد كشف التقرير السنوي لهيئة النيابة الإدارية المصرية أن عام 2002 شهد 64 ألف و959 قضية فساد أهدر فيهم 613 مليون جنيه!وتمثلت قضايا الفساد الحكومي حسب صحيفة (الأحرار) المصرية الأحد 1/ 7/ 2001 في ثلاثة أنواع هي: الفساد المالي، ويكمن في إهدار المال العام، والاستيلاء عليه بمخالفة القواعد والأحكام المالية المنصوص عليها في القوانين واللوائح المعمول بها، ومخالفة أحكام ضبط الرقابة على الميزانية العامة، ومخالفة أحكام المناقصات والمزايدات والمخازن والمشتريات، والمبالغة في معدلات الإنفاق الحكومي، والرشوة والتزوير.

أما الفساد الإداري، فتمثل في عدم أداء العمل بدقة وأمانة والانقطاع بدون سند قانوني، وعدم تخصيص وقت العمل الرسمي لأداء واجبات الوظيفة، والجمع بين الوظيفة وعمل آخر من شأنه الإضرار بواجبات الوظيفة أو لا يتفق مع مقتضياتها، ومزاولة الأعمال التجارية.

والنوع الثالث من الفساد هو جرائم السلوك الشخصي المتعلقة بالفساد الأخلاقي وجرائم الآداب العامة.

ولكن من المهم الإشارة إلى أنه بالرغم من تبارى الصحف ـ معارضة وحكومة ـ في الحديث عن الفساد باعتباره الآفة الكبرى ومحاولة النظام الحاكم التضحية ببعض عناصر الفساد من هنا وهناك إما لأنها عناصر ضعيفة لم تستطع حماية نفسها أو رغبة في إشاعة كذبة مفادها أن النظام معافى ونزيهة وأن هذه ماهى إلا عناصر قليلة لا تعبر عن القاعدة السليمة.

المشكلة ليست في عناصر هنا وهناك وليست في حكومة جديدة أو حكومة ظلت لأكثر من عقدين من الزمان ولكن المشكلة الحقيقية هي في طبيعة النظام الرأسمالي الذي لا يمكنه أن يواصل لعبته إلا في وجود هذه الدائرة من الفساد فكما قال ماركس “في إطار عملية الإنتاج الرأسمالي لا يعرف أحد متى تبدأ عملية الفساد ومتى تنتهي”.

أن النظام الرأسمالي وآلياته التي تنتج وتعيد إنتاج الأزمات التي نحيا في ظلها من بطالة وفقر ومرض وفساد هو المسئول عما نحن فيه وما النظام الحاكم وعصابته سوى أفراد ليس في تغييرهم نهاية للفساد بل في تغييرهم وتغيير النظام الذي أفرزهم أيضا، فالمجتمع الذي يقضى على الفساد هو مجتمع ديمقراطي بحق يحكم فيه المنتجون ويديرون المجتمع ويحددون أولوياته بأنفسهم، مجتمع لا يحصل فيه موظف على أي مزايا سوى أجره، مجتمع يلغى الطبقات بما تعنيه من فقر وتشريد للغالبية العظمى وغنى ورفاهية وفساد لقلة قليلة لا تذكر تعيش بشعار الفساد الأعظم ” لكي ترتزق لابد أن تتفق”.