غزة – أريحا وفشل سياسات الحركة الوطنية الفلسطينية
مثل الاتفاق الأخير والذي سمى باتفاق غزة وأريحا مفاجأة بالنسبة للكثيرين، مصدر تلك المفاجأة بالنسبة لهؤلاء هو النظر للاتفاق باعتباره الخطوة الأولى في سبيل تسليم القضية الفلسطينية للإمبريالية العالمية، قام بدور البطل الأساسي فيها منظمة التحرير الفلسطينية والتي نظر إليها لعدة عقود على أنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب والمتبنية لسياسة التحرير الوطني داخل العالم العربي في مواجهة الإمبريالية العالمية الممثلة في دولة إسرائيل.
وقد رأي البعض أن ضعف منظمة التحرير، والذي أدى بها في نهاية المطاف إلى عقد مثل هذا الاتفاق يرجع إلى عدم قدرتها على المضي في مواجهة عسكرية متكافئة مع إسرائيل!!
وإذا نظرنا نظرة نقدية إلى مثل هذا التحليل نجد بالفعل أن المساعدات الأمريكية الضخمة لإسرائيل أن المساعدات الأمريكية الضخمة لإسرائيل قد أعطت الدولة الصهيونية تفوقًا ضخمًا على منظمة التحرير وكل الدول العربية المجاورة، لكن مشاكل منظمة التحرير الأساسية لم تكن عسكرية، وإنما أهم مشاكلها كان نتيجة للإستراتيجية السياسية التي أدارت بها المنظمة الصراع، والتي أصر القادة على انتهاجها رغم الدروس الدموية المتكررة، وهي الإستراتيجية التي فضحت غيرة مرة طبيعة التحالف الطبقي الذي مثل أساس مشروع “التحرر” الذي تبنته. وقد تمثل خطأ تلك الإستراتيجية في فشل سياسات الحركة الوطنية الفلسطينية، التي تأسست على مبادئ تبنتها منظمة التحرير لم تعبر عن جموع الفلسطينيين، وإنما عبرت عن مصالح طبقة معينة تحكمها مصالحها الاقتصادية في صياغة تحالفاتها وتنازلاتها التاريخية.
اللاجئون:
خلال الثلاثينات أدى القمع البريطاني وإفلاس قادة الحركة الوطنية إلى تحطيم الموجة الأولى لمقاومة الحكم الاستعماري والاستيطان الصهيوني، وعندما ظهرت حركة وكنية جديدة في الستينات ظهرت تحت ظروف مختلفة هي ظروف الشتات الفلسطيني والتي نتجت عن عمليات الطرد الجماعي في عام 1948، وقد تعاملت كل طبقة من الطبقات الاجتماعية مع تجربة الطرد بطرق متباينة واختلفت ظروف كل منها عن الأخرى وفقًا لما كان عليه وضعها في فلسطين العربية قبل الطرد.
فأولاً: بالنسبة لملاك الأراضي فقد انقسموا إلى فئتين الأولى وهي التي استولت إسرائيل على المساحات الشاسعة من أراضيها ولم تدفع لها أي تعويض عنها، فكان أن خسرت عائلات كثيرة ممتلكاتها نتيجة لذلك، ولكن معظم هؤلاء الملاك كانت لديهم الإمكانيات المادية التي عوضتهم عن فقدان تلك الأراضي فكان أن انتهى المطاف بعدد قليل منهم إلى المخيمات. أما الفئة الثانية فكانوا ملاك الأراضي في الضفة الغربية والتي ضمتها الأردن عام 1948، فاحتفظوا بأراضيهم وانتفع الكثيرون منهم من آثار الطرد مستفيدين من الهبوط في تكلفة العمالة نتيجة لتوافد المطرودين وتسابق أصحاب رأس المال في ملكية الأراضي.
أما بالنسبة لباقي أجنحة البرجوازية فقد كانت مؤمنة ضد أسوأ أثار الطرد. كان التجار والمصرفيون والمستثمرون الفلسطينيون من أكثر أجنحة البرجوازية العربية تقدمًا، وتمنعوا بصلات طيبة مع الدول العربية المجاورة، فكانوا الأسرع في تحويل الممتلكات سهلة النقل، وترك الكثير منهم منازلهم إلى عواصم عربية قريبة قبل بدء الهجمات الصهيونية النهائية، وبلغ حجم المنقولات عبر البنوك حدا تضاعف معه حجم المال هناك، وسريعًا ما بدأ الكثيرون من البرجوازيين الفلسطينيين المشروعات في الدول العربية، ومستفيدين من المجهودات الناجحة التي أعادت لهم بعضًا من رأس المال المتجمد في البنوك التي استولى عليها الصهاينة.
أما المهنيون وشرائح أخرى من الطبقة الوسطى فكانوا مؤمنين بدرجة أقل للتعامل مع آثار الطرد، فقد انتهى المطاف بالكثيرين من هذه الطبقة إلى المخيمات، ولكن ما لبث معظمهم أن وجد عملاً في دول “مضيفة”، أو أستطاع الانتقال إلى دول يكثر الطلب فيها على مهارتهم. ووجد العمال اليدويون المهرة أيضًا طريقهم خارج المخيمات إلى الخليج حيث استخدموا لفترة في صناعة البترول. وإذا كان هذا هو وضع ملاك الأراضي والبرجوازيون والمهنيون، فقد كان الأمر مختلفًا تمامًا مع غالبية العمال والفلاحين الذين شكلوا 80% من الأشخاص المسجلين بدفاتر منظمة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونرا”. ولم يكن هناك أمل كبير في معيشة طيبة لهؤلاء وأعتبر حكام الدول المجاورة لفلسطين أن جيش الفقراء هذا – 700000 شخص – يمثل ضيوف غير مرغوب فيهم، فوجود أعداد كبيرة من الفلسطينيين الفقراء أعتبر عاملاًَ يزعزع الاستقرار وتمت معاملة سكان المخيمات بناءًا على هذا الأساس، وعانوا كثيرًا من القهر السياسي، ففي لبنان ظلت المخيمات تحت مراقبة الفرقة الثانية عشر بينما راقب الجيش والبوليس الأردني المخيمات بمنتهى الحذر وقمع بعنف كل مظاهرات الغضب.
لذا نستطيع أن نقول، أن الطرد الجماعي قد ساهم في تعميق الفروق الطبقية بين الفلسطينيين، فاستطاع أصحاب رأس المال والمهارات الفنية الهروب من المخيمات وتجنب أسوأ أنواع التفرقة، وتم استيعاب البرجوازية وشرائح من البرجوازية الصغيرة في اقتصاد الدول العربية المختلفة، بينما واجهت الأغلبية البطالة والقهر ومستقبل سمته الأساسية غياب الأمل.
البرجوازية الجديدة:
شجع التطور الاقتصادي للدول العربية في ال 20 عامًا التي أعقبت 1948 الفلسطينيين على الهجرة من الدول المصيفة التي ذهبوا إليها بعد الطرد مباشرة، ففي عام 1970 بلغ عدد الفلسطينيين المقيمين في الخليج وليبيا حوالي (200000)، وفي عام 1980 بلغ هذا الرقم حوالي (554000) حيث وجد أكبر تجمع للفلسطينيين بالكويت (278000) ثم السعودية (127000) ومن مجموع الشعب الفلسطيني عام 1980 (4.5 مليون) أقام 12.6% منه في الخليج وشمال أفريقيا.
وتكونت التجمعات الفلسطينية التي نمت في دول الخليج منذ أواخر الأربعينات أساسًا من رجال الأعمال الذين نزحوا إليها لاستغلال النمو السريع لاقتصاديات البترول، والمهنيين والفنيين والإداريين الذين خدموا في الدول الخليجية، مما أكسب البرجوازية الفلسطينية وضعًا مميزًا في دول مثل الكويت والسعودية، وقد نشط الفلسطينيون بالذات في التجارة والبناء والتمويل وأثرى الكثيرون بدرجة كبيرة مع بدء ازدهار اقتصاد النفط في الستينات.
وبحلول تلك الفترة – الستينات – كانت شريحة من الرأسماليين الفلسطينيين قد نشأت في الدول العربية، وفي نفس الوقت تضخمت شريحة المهنيين بسرعة بالإضافة إلى أن الدياسبورا (التهجير) الثانية أدت إلى تعميق الفروق الطبقية الفلسطينية، ففي تلك ال20 عامًا التي تلت الطرد استطاعت البرجوازية إعادة تنظيم نفسه، وتوسعت برأس مال ما قبل 1948، بينما شاركت شرائح من البرجوازية الصغيرة بنجاح في النمو العام للرأسمالية العربية، لذا فبالنسبة لتلك المجموعة من المجتمع الفلسطيني – أي حوالي 15% من الشعب الفلسطيني – فقد وجدت فرص الاندماج في الاقتصاد المحلي للدول المضيفة، إلا أنها قليلاً ما منحت جنسيات عربية وافتقدت القوة لسياسية التي تعود عليها بعضهم في فلسطين ما قبل 1948، لكنها تمتعت بمستوى معيشة أفضل بكثير من بقية الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة.
بالنسبة لمعظم الفلسطينيين الفقراء فلم يكن هناك طرق للهرب، فالعمل الدائم كان أمرًا صعبًا، التعليم ميزة، السفر والتنقل شبه مستحيل، فبينما لم تفرق الحركة الصهيونية بين الفلسطينيين حين طردتهم من أراضيهم، فرق بينهم المجتمع العربي، حيث اشتركت البرجوازية الفلسطينية في الكثير من الطبقات الحاكمة العربية، بينما اشترك الفلسطينيون الفقراء في تحمل ما يتحمله إخوانهم من العمال والفلاحين العرب.
لذا فقد نشأ فارق ضخم بين البرجوازية الفلسطينية وجماهير المخيمات، فالبرجوازية كانت في تكامل قام في الرأسمالية العربية وفي حلف وثيق مع المجموعات الحاكمة، ولم تختلف عنهم إلا في نقطة واحدة مهمة هي عدم تمتعها بالسيطرة على ملكية في أرضها وعدم قدرتها على توجيه جهازها الوطني السياسي فهي لا تعمل في الإطار الذي تخلقه كل الطبقات الرأسمالية في صعودها، باختصار افتقدت دولة خاصة بها.
فتح:
ترجع جذور المنظمة إلى الخمسينات في مجموعة من الطلبة الفلسطينيين بالقاهرة، وكان معظمهم من أبناء البرجوازية والبرجوازية الصغيرة، وقد أمضى عدد منهم السنوات التي تلت 1948 في تنظيم حرب العصابات ضد إسرائيل من الأراضي المصرية بهدف رفع مستوى الصراع إلى درجة تدفع مصر والدول العربية لدخول الحرب ضد إسرائيل، وفي تلك المواجهة – كما اعتقد الطلاب – سيخرج العرب منتصرين وسترد فلسطين إلى سكانها الأصلين.
ولكن عندما عادت الحركة الشعبية الفلسطينية للظهور في الستينات لم تهتم قيادتهم بما صار من أهم سمات الحياة الفلسطينية منذ الطرد الجماعي – الفرق الضخم بين الأقلية الثورية وجماهير المخيمات – فقد ركزت فتح – التيار الرئيسي في الحركة الجديدة – على المصالح المشتركة بين الفلسطينيين، الذين اعتبرتهم مجموعة قومية تهدف إلى التحرير وعودة الوطن الأم فكانت رسالة فتح بسيطة: “لابد على كل الفلسطينيين الانضمام للصراع لاستعادة حقوقهم، ولابد أن ترجه كل الجهود نحو العدو المشترك – الصهيونية – ومن ثم لابد أن يسقط الفلسطينيون اختلافاتهم الطبقية” وذلك في حركة موحدة لذا فقد أعلنت فتح أن المهمة الأساسية للحركة هي شن حرب شعبية ثورية ضد إسرائيل وللقيام بذلك “لابد من تجنب أي تهديد للأنظمة العربية” في البلاد التي تشهد نشاطًا فلسطينيًا، وبالتوافق مع هذا المبدأ – مبدأ عدم التدخل – طلبت من الفلسطينيين ليس فقط إسقاط اختلافاتهم الطبقية بل أيضًا اختلافاتهم مع الحكام العرب، فقد أرادت فتح حركة وطنية قادرة على الوصول إلى فلسطين محررة تتوحد وتتكامل عندئذ مع العالم العربي، أرادت حركة تكسب الفلسطينيين دولة وطنية طبيعية تدير فتح فيها الأمور لصالح البرجوازية الفلسطينية، وبهذه الطريقة أرادت فتح تأمين مصالح البرجوازية الفلسطينية اعتمادًا على الرأسمالية العربية، لذا لا نستطيع أن نقول أنها قد هددت سيطرة البرجوازيات العربية في دولها بل كانت على العكس تكييف للحركة الوطنية الفلسطينية لمصالح البرجوازيات العربية في مواجهاتها مع الامبريالية حينذاك.
تيارات سياسية أخرى:
نمت فتح بسرعة خلال الستينات جاذبة رجال أعمال ومهنيين صغار السن وأيضًا عناصر مناضلة من المخيمات، وتعود جاذبيتها حينذاك إلى بساطة شعاراتها – من أجل نضال فلسطيني من أجل العودة للوطن – الأمر الذي لمس وترا حساسًا عند الجماهير المنفية وإلى مساندة قوى إقليمية وعالمية عديدة، ولكن نجاحها كان أيضًا انعكاسًا لفشل تيارات سياسية أخرى في العالم العربي في إيجاد حلول لمشاكل جماهير الفلسطينيين.
فبالنسبة لهؤلاء الذين كانوا يبحثون عن بديل للمنظمات البرجوازية فقد كان أمامهم، نظريًا اختيارين، أما الأحزاب الشيوعية أو القوميين العرب.
وبالنسبة للأحزاب الشيوعية كان الوضع كالآتي:
لم تستطع هذه الأحزاب أن تقوم بجذب إلا أعدادًا صغيرة جدًا من الفلسطينيين، فقد كانت الأحزاب الشيوعية خلال الأربعينات والخمسينات تقريبًا بدون استثناء صغيرة الحجم، مهمشة ومتبقرطة بشدة، وكانت كلها متبعة لإستراتيجية الجبهة الشعبية التي فرضتها موسكو على الأحزاب التي تدور في فلكها منذ الثلاثينات، فأدى ذلك بها دائمًا على المحاولات المعتادة لجذب الأجزاء “التقدمية” من البرجوازية وطبقة ملاك الأراضي، بالإضافة إلى ذلك كان لها بعض المظاهر المفجعة، كما حدث في لبنان حيث رحب الحزب ببعض الشخصيات “التقدمية” مثل بيير الجميل مؤسس حزب الكتائب اليميني المتطرف.
وأما عن مصر التي تعتبر من أهم الدول العربية من ناحية طاقات طبقاتها العاملة النامية بسرعة، فكان الحزب الشيوعي قد وصل إلى مرحلة من الضعف بحيث كان قد انقسم منذ فترة طويلة إلى مجموعة من الأجنحة المتصارعة، أهمها تذيل خط حزب الوفد البرجوازي واثبت فشله في التدخل في النضال الجوهري الذي سبق انقلاب 1952.
فبالتالي لم تكن أيا من تلك الأحزاب قطب جذب بين الفلسطينيين والذين كانوا على أي حال مشككين بشدة من السلة بموسكو – التي لم تعارض إنشاء إسرائيل عام 1948 – وكذلك كان قد عايش بعضهم عن قرب إفلاس الحزب الشيوعي الفلسطيني سياسيًا، عندما تخلى الحزب عن الأممية في نهاية الثلاثينات وانقسم إلى جزئيين عربي ويهودي.
أما عن التيار السياسي الآخر، فكان تيار القوميين العرب، والذين كان لهم تأثير ملحوظ بالمقارنة بالأحزاب الشيوعية. فلقد حدثت أول صياغة محددة مؤثرة لأفكارهم على يد ميشيل عفلق الذي أسس حزب البعث عام 1940، حيث دعي على توحيد “أراضي الآباء” و”تجديدها وبعثها” وقد جذب البعث بالأساس الطلبة والتكنوقراط وضبط الجيش في سوريا والعراق ولكن لم تجذب سياسياته “الفوقية” “التسلطية” العمال والفلاحين.
كذلك كان هناك تيار آخر للقومية العربية أثر على الفلسطينيين، وهو الحركة القومية العربية التي أسست في لبنان عام 1949 بواسطة مجموعة ضمت عددًا من الفلسطينيين المعروفين، وكان أهم شعاراتها “وحدة، تحرر، ثأر.. دم، حديد، نار” وركزت تلك الحركة أيضاً على الوحدة العربية، وقد سجل جورج حبش أحد مؤسسيها، الاتجاه المضاد الماركسية في تلك الحركة: “نحن رفضنا مبدأ الصراع الطبقي، نحن آمنا بأنه يمكن تعبئة كل الطبقات في الدول العربية في الصراع الوطني”، وقد أيدت تلك الحركة بحماس حكومة عبد الناصر والضباط الأحرار، بتمسكها الرسمي بالوحدة العربية وبشعراتها المضادة للإمبريالية وتأييدها الشفوي للفلسطينيين.
ومن هنا كان للقوميين أثراً كافياً بالنسبة لمؤسسي فتح حتى يعرفوا بعض آرائهم في المقابل. فباتجاه أواخر الخمسينات حددت فتح أن الضعف الأساسي للحركة الوطنية الفلسطينية في الثلاثينات كان اعتمادها على الحكام العرب، وأنه بناءًا على ذلك يجب على الفلسطينيين منذ الآن بدء الصراع من أجل التحرير، وادعت فتح أن الوحدة العربية تصبح ممكنة فقط بعد تحرير فلسطين – ادعاء اعتبرته المجموعة تطوراً هامًا في الإستراتيجية الفلسطينية – وعلق خالد الحسن (أحد مؤسسي فتح) “لقد عكسنا شعار الوحدة العربية وهكذا عكسنا صيرورة التفكير”.
فتح تنطلق:
في عام 1962 انطلقت فتح، فاعتراف عبد الناصر بأنه ليس لديه خطة لفلسطين والنجاح المذهل للجزائريين في طرد الفرنسيين بعد تسع سنوات من حرب العصابات، ظهرًا كتدعيم لأفكار المجموعة، واحتشد النشطين سياسيًا في فتح التي بدأت تأخذ شكل حركة لها مرتكزاتها المستقلة، مما دعي إلى أثاره مخاوف الحكام العرب الذين رأوا قدرة الفلسطينيين على زعزعة الاستقرار في المنطقة وكان لابد لهم، بقيادة عبد الناصر من أخذ زمام الأمور بأيديهم فأنشأت الأنظمة العربية منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة أحمد الشقيري وهو رجل فلسطيني “مضمون” لرأس الحركة الجديدة، ولكن ذلك لم يؤثر على حركة فتح التي بدأت في تصعيد هجماتها، وانضم الكثير من الشباب الفلسطيني إليها وأطلقت أول غارة ضد إسرائيل في يناير 1965 بادئة ما أسمته “الثورة الفلسطينية”.
ومع هذا الانطلاق اعتمدت فتح على مبدأين أساسين في إستراتيجيتها: الصراع الوطني وحرب العصابات، ولكن كلا من هذين المبدأين كانا حلين غير مناسبين للمشاكل التي واجهت الشعب الفلسطيني.
فالنسبة الأول هو الصراع الوطني المرهون بعدم التدخل فقد قام خالد الحسن يشرح إستراتيجية المنظمة بالنسبة لهذا المبدأ بعد عدة سنوات ويقول “لقد قصدنا أن تحرك وتكسب خيال الجماهير الفلسطينية والعربية، اعتقدنا أنه يمكن خلق جو جديد لا يجرؤ فيه أي حاكم عربي أن يتجاهل مسألة تحرير فلسطين، وعندما يبدأ الحكام العرب يقعون تحت ضغط الجماهير من أجل اتخاذ خطوات فعلية، ندخل معهم في بحور ومفاوضات وتطلب منهم مشاركتنا في تخطيط إستراتيجية متكاملة من أجل التحرير الحقيقي لأراضينا”.
وهكذا لم تتغير الإستراتيجية الفلسطينية في جوهرها فكما كان يتعين في الماضي على الفلسطينيين أن يعملوا “كرافعة” للأنظمة العربية التي ستستخدم مسألة الفلسطينيين أصبح يتعين الآن على فتح المتعبة من التمحك بالأنظمة العربية، أن تنظم نضال جماهيري من أجل الضغط على الأنظمة وليس إلى تهديدهم، للمحافظة على مبدأ عدم التدخل مهما كان الثمن، ولكن مع الظروف المفروضة من تلك الأنظمة على جماهير الفلسطينيين أعتبر أي شكل للتنظيم تهديدًا وتم قمعه بوحشية، فكيف ينظم الفلسطينيون “العنف الجماهيري” دون أن يعرضوا حكم الأنظمة للمساءلة والخطر؟ كان هذا سؤالاً لم تجب فتح عليه أبدًا، بدلاً من ذلك أصرت فتح أن النضال الفلسطيني لابد وأن يحصر في المسائل الوطنية الفلسطينية أي في النضال من أجل وطن لكل الفلسطينيين وظل يحقق – في نهاية الأمر – مصالح البرجوازية الفلسطينية لا مصالح جمع المستغلين، وأدت هذه الصباغة بالحركة الفلسطينية إلى المصائب.
أما المبدأ الثاني الذي حدد توجه فتح هو “العنف الثوري الجماهيري وقد خرج هذا المبدأ من فكرة “الحرب الشعبية”، التي أنعشها انتصار الفيتناميين والجزائريين، ولكن عندما زار وقد لفتح الصين عام 1964 للحصول على أسلحة – وهذا الكلام منسوب لعرفات – قيل للفلسطينيين أنهم يضيعون وقتهم محاولين بدء حرب عصابات. قالوا لنا “ما تقترحونه لا يمكن تصديقه، فليس لديكم أي قواعد على الأراضي المحتلة ولا توجد أي إمكانية لخلق مثل تلك القواعد، فمن أين ستبدءون، لا توجد ظروف مناسبة من أجل حرب العصابات”.
ولقد كان الصينيون فعلاً على صواب، فحرب العصابات تحتاج إلى ظروف مختلفة تمامًا عما هو متاح بالنسبة للفلسطينيين ومنذ هذا الوقت فصاعدًا عملت الحركة بإستراتيجية متصدعة في مبدأيها الأساسيين: فـ”عنفها الثوري” كان غير ذي فاعلية أمام العدو الصهيوني، وإستراتيجيتها للتعبئة الجماهيرية قربتها أكثر وأكثر من الصدام والمواجهة مع الأنظمة العربية.
المنتقدون الراديكاليون:
بدأت أولى الانتقادات الواضحة لفتح داخل الحركة الفلسطينية الجديدة التي بدات في الظهور في نهاية الستينات، جاءت تلك الانتقادات بالأساس من أعضاء سابقين بالحركة القومية العربية الذين تركوا المنظمة في عام 1967 ليكونوا الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – والتيار الذي خرج منها عام 1968 وسمى بالجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين – وقد عكس هذا التيار عملية التجذير التي بدأت في الحركة القومية العربية منذ سنوات، وكانت جزئيًا نتيجة لنجاح فتح، ولكنها اتجهت فجأة إلى الماركسية اللينينية.
وفي الحقيقة امتصت الجبهة، وعدد من الانقسامات التي أنتجتها خلال أواخر الستينات، امتصت شكل من الراديكالية الوطنية كان منتشرًا بين حركات التحرير الوطني في كل العالم آنذاك، واستوعبت الكثير من الأفكار الموجودة في سياسات الأحزاب الشيوعية – خاصة منظمات العالم العربي حادة الستالينية – وارتباط عام بالجماهير، نظرية الجبهات متعددة الطبقات، نظرية المراحل، والحاجة إلى علامات خاصة مع الدول “الاشتراكية”.
وعلى الرغم من ضحالة النظرية السياسية للجبهتين فلقد استطاعنا تحديد التناقضات الضخمة في إستراتيجية فتح، ولكن مستمعين الجبهات كانوا قلة، ففي تلك المرحلة إيقاف فتح مستحيلاً حيث ظهرت أمام معظم الفلسطينيين والكثيرين من سكان المنطقة بمظهر القوة العربية الوحيدة والممكن الاعتماد عليها، وقد تأكدت تلك القيادة بتوليها زعامة منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1969 بدلاً من يحيي حمودة، خليفة الشقيري، كما تأكدت بالمساعدات العسكرية والمالية المتزايدة التي أتت إليها من الدول العربية.
مواجهات ومصادمات:
بعد عام مد الحركة إلى نهاية غير متوقعة حيث برز إلى السطح التناقض الأساسي في إستراتيجية فتح، فبحلول 1970 كانت منظمة التحرير الفلسطينية – تحت قيادة محكمة من فتح – قد طورت “دولة داخل دولة” في الأردن، فلقد كان لها جيشها، كما كان لها مجموعاتها الفدائيين وإدارات مدنية ومنظمات تعليم ورعاية، وإدارات الأمور في المخيمات على الحدود مع إسرائيل وفي المدن الشمالية وفي كثير من أحياء العاصمة عمان، وأراد الكثير من السياسيين الفلسطينيين ومن ضمتهم كوادر قيادية داخل فتح، أرادوا أن تستولي الحركة على السلطة، وفي النهاية وتحت ضغط هجمات حسين المتكررة وضغط أعضائها ومطالب الجبهات والأزمة الحادة التي نتجت عن فيض من اختطاف الطائرات، تبنت فتح إضرابًا عامًا مطالبة النظام الأردني بالدعوة إلى “اجتماع شعبي” يختار حكومة جديدة تضم ممثلين فلسطينيين، فأطلق حسين قواته على منظمة التحرير الفلسطينية، وفي بجر شهر، كانت قواعد الحركة في الأردن قد دمرت تمامًا، وغادرت المنظمة الأردن لتقيم قواعد جديدة في المخيمات بلبنان ولكنها كانت بعد هذه التجربة أكثر صلابة في تصميمها على أن الحركة لابد أن تحترم الحكام العرب، فلقد أصبح في عداد الأمور المحسوبة أنه لا يجب عليها أبدًا أن تهدد دولة عربية وتعاني من هزيمة كعام 1970، وكانت النتيجة توالي المصائب.
تم نقل مسرح عمليات منظمة التحرير إلى لنبان على أثر الضربة الأخيرة التي أدت إلى الضعف الشديد في إمكانيات المنظمة ولكنها استطاعت تخطي هذا الضعف بعد وقت قصير، أولاً: بسبب تجمع أثرياء الفلسطينيين حول الحركة مما أكد ارتباط فتح بالرأسمالية الفلسطينية وجعلها الممثل الرسمي للطبقة، وثانيًا: لإقناع المنظمة الملك فيصل – ملك السعودية – بمساعدتها وإمدادها بالمال والسلاح فقد وجد الفلسطينيون أنهم خلال الحرب الأهلية في لبنان يقاتلون في حرب دفاعية طويلة ضد ميليشيات اليمين اللبناني والقوات السورية، فالحرب بدأت بهجمات اليمينيين اللبنانيين ضد الفلسطينيين بمخيمات بيروت ولكن طبقًا لخطة عدم التدخل في شئون الدول العربية ظلت فتح بمناي عن الصراع، وبذلت جهودًا شاقة حتى يظل الفلسطينيون خارج الصراع، إلا أنه عندما أرسلت سوريا 40000 جندي لمساندة القوة اللبنانية اليمينية، اضطرت فتح خوض قتال يائس لإنقاذ المخيمات وضربت فتح بشدة ولكنها لم تدمر، إلا أن لبنان أصبحت منذ ذلك الحين تحت سيطرة قوات الاحتلال السورية والتي حددت تواجد المنظمة في أماكن صغيرة من البلاد، فلقد تم تقويض الفلسطينيين مكانيًا وسياسيًا، وعلى مدار الست سنوات التي تلت بقي الفلسطينيون نشطين (سياسيًا وعسكريًا) في أماكن محدودة من الأراضي اللبنانية.
كانت المواجهة الثالثة عندما شنت إسرائيل غزوها الثالث للبنان عام 1982 ضاربة بقوة كل ما قابلها في الطريق إلى بيروت تم طردت 10000 مقاتل فلسطيني وراقبت الدول العربية الموقف بسلبية واستقبلوا بهدوء، السفن التي تقلت المقاتلين وأودعتهم معسكرات معزولة تمامًا عن العواصم العربية.
ولم تنته الصراعات عند ذلك الحد، فقد أنشئت فتح على نفسها عام 1983 وأعلن جناح تابع لسوريا تحت قيادة أبو موسى أن الأغلبية التابعة لعرفات قد باعت القضية، وبمساندة القوات السورية دفع المنشقون عن فتح البقية الباقية من مؤيدي عرفات إلى الخروج من لبنان وأبحرت سفن أخرى تحمل المقاتلين باتجاه الدول العربية، والسوريون يستخدمون المنشقين عن فتح كما لو كانوا جزءًا من قواتهم الخاصة. ولبعض الوقت ظلت الجبهتان الشعبية والديمقراطية على الحياد، إلا أنه سرعان ما اتخذوا دمشق قاعدة لهم ووقعوا تحت تأثير سوري قوى، تمامًا مثل أبي موسى.
غزة – أريحا: وغياب حركة اشتراكية عربية:
تمثلت آخر الهزائم التي لحقت بالحركة الوطنية الفلسطينية في اتفاق غزة – أريحا، وبالفعل كانت النظرة الضيقة لقائدي حركة فتح – سبب رئيسيًا وراء التوجه الخاطئ الذي ينتهي بمثل هذا الاتفاق، ولكن غياب حركة اشتراكية عربية كان سببًا هامًا أيضًا، لقد كان ذلك يعني أن حركة العمال العرب لم تطرح نقط التقاء واضحة مع لفلسطينيين، الذين أداروا صراعهم بإستراتيجية حجتهم عن أهم القوى السياسية فعالية ومقدرة.
فخلال الخمسينات، وبينما كانت فتح ترسى قواعدها، كانت ممارسات الأحزاب الشيوعية تفضح إفلاس الستالينية العربية، ففي أثنين من أهم الدول العربية بدأت الأحزاب المرتبطة بموسكو في التخلي عن الطبقة العاملة، ففي مصر تم حل الحزب الشيوعي في 1963 بناءًا على الاتفاق على الطبيعة التقدمية لنظام عبد الناصر، ونصح القادة الأعضاء بأن يدخلوا في الاتحاد الاشتراكي، وفي العراق انتهى الحزب كذلك مثلما انتهى مثيله في مصر، فبعد أن أمضى الحزب الشيوعي عشر سنوات منذ نهاية الأربعينات في بناء قاعدة له، سلمها في النهاية للقوميين في عام 1959، ففي عام 1958 أصبح بالملكية ووصل الجنرال الوطني عبد الكريم قاسم للسلطة، واستغل الحزب الفرصة التي نتجت عن التجذير السريع للعمال والطلبة وحتى بعض أجزاء الجيش، استغل هذا التجذير ليوسع دائرة تأييده، وبقدم صيف 1959 كان الحزب في موقف قوي أمام حكومة ضعيفة، حينئذ أضاع الحزب فرصة تاريخية ليقود الحركة للسلطة، وتحت مشاهدة وبموافقة موسكو أوقف الحزب هجومه على قاسم، وفي مناخ اللبس الذي أعقب تصاعد الحركة انسلخ الحزب عنها، وبعد مضي عامين شعر الوطنيون بقوة تكفيهم ليبدءوا قمع الحزب وأنصاره، وفي عام 1963 بعد أن أطيح بقاسم في انقلاب وطني أخر، تم قتل الآلاف من الشيوعيين والعمال المناضلين.
كان غياب اتجاه اشتراكي أصيل كارثة بالنسبة للفلسطينيين، فسياسات التعاون الطبقي التي اتبعتها الأحزاب الشيوعية العربية أثرت تأثيراً سلبياً على الفلسطينيين، فتلك الأحزاب لم تكن قادرة على التعبير عن مصالح من عانوا تحت حكم الأنظمة العربية، لذل فلم يكن هناك بديل ثوري بالنسبة لمن كان يبحث عنه في مواجهة فتح وعندما ظهر تيار فلسطيني ذو توجه يساري في بداية الستينات وجد مثله الوحيد في الأحزاب الستالينية العربية واستوعب “الراديكاليون” في الجبهتين الشعبية والديمقراطية كل الأفكار الستالينية من “الاشتراكية في بلد واحد” إلى التحالف مع الدول “الاشتراكية” في المعسكر الشرقي، وفي غياب حزب شيوعي فلسطيني عبرت الجبهتان عن ستالينية فلسطينية لم تستطع أن تصمد أمام التسليم الرسمي لفلسطين.
الطريق الثوري الوحيد:
لهذا كانت الحركة الستالينية قد أثبتت أنها عقبة جمة لتطور حركة الطبقة العاملة للدول العربية ولم تستطع إيقاف المسيرة “الوطنية” لمنظمة التحرير الفلسطينية، وشجعت السلبية داخل صفوف العمال وفرضت قيادة بيروقراطية ومتعاونة طبقيًا مع أعداء الطبقة العاملة قد أظهرت رغبتها في تحدي الأنظمة، وقامت بهبات وانتفاضات متكررة معبرة عن قوتها وعن رفضها لمزيد من القهر، ففي منظمة ذات تراث من الحركات السياسية التي تبدأ وسرعان ما تثير مثيلات لها عبر الحدود الوطنية في منطقة كتلك تعتبر أي من النضالات ذات أثر مزعزع على المنظمة ككل.
وفي وضع مثل هذا يجب التشديد على ضرورة قيام تيار اشتراكي ثوري يعتمد بالأساس على طاقات الطبقة العاملة العربية يجب تطوير وبث الاهتمام بكل مظاهر النشاط العمالي في الدول العربية من إضرابات واحتلال المصانع والمظاهرات ومصادمات الخبز والحملات ضد القمع وفوق كل ذلك يجب بناء أحزاب عمالية مستقلة تنبع أفكارها من الماركسية الحقيقية.
صحيح أن النظرة “طويلة الأجل” لا تعطي الأمل في مواجهة فورية مع الصهيونية لأن نجاحها لا يمكن قياسه إلا بمدى تغلغل الأفكار الثورية عند العمال، ولكن لا يوجد طريق أخر غير بناء الحزب الذي يمكن أن يدافع عن مثل تلك الأفكار، وللنجاح في المشروع يجب العودة للمبادئ الأساسية للسياسة والتنظيم، والقيام بذلك داخل صفوف البروليتاريا صاحبة طاقات التغيير، وهو الأمر المختلف تمامًا عن مجهودات بناء تحالفات وهمية مع البرجوازية، تلك الطبقة العادية بطبيعة مصلحتها للقضية الفلسطينية إذا فهمنا القضية الفلسطينية على أنها قضية الاستغلال المضاعف للجماهير الفلسطينية المكونة للطبقة العاملة وقطاعات واسعة من البرجوازية الصغيرة.
لقد كتب ماركس أن التاريخ لا يثير مشكلة إلا إذا وجدت ظروف حلها، فبينما تكون المشكلة الفلسطينية أكثر وضوحًا بعد الاتفاق الأخير، يتبع الحل في مكان أخر.
وفي الحقيقة تكمن تلك القوة لبدء عملية التغيير في المدن الصناعية بمصر، مركز الرأسمالية العربية، فحركة جماهيرية بمصر يمكنها أن تدفع للسلطة قوة ذات مصلحة حقيقة في مواجهة الامبريالية وليس التعامل معها، فعندما يستولى العمال على المصانع والفلاحون على الأرض سيوجد للمرة الأولى البديل لكل من الرأسمالية العربية والدولة الصهيونية، أن الصراع ضد إسرائيل ومساندتها سيكون طويلاً ومرهقًا، إلا أنه ممكن على أساس إستراتيجية تأخذ في الاعتبار عدم أمكانية أي تهاون مع إسرائيل وتعطي الأمل في بديل اشتراكي أممي للعرب واليهود في فلسطين، أن القضية التي تواجه الاشتراكيين الفلسطينيين والعرب الآن هي هل سيكونوا مستعدين لإتباع الإستراتيجية الوحيدة التي تفتح فرصة إزالة كل من الأنظمة وكلب حراسة الامبريالية – الصهيونية.
إن طاقات حركة العمال العرب ليست موضع شك، فالمسألة التي تواجه كل الاشتراكيين العرب هي بناء تيار ثوري جديد يوفر القيادة الحقيقة في ظل الأزمات السياسية التي حدثت وستحدث، وبالنسبة للفلسطينيين فإن هذا لا يعني أنه يجب إنهاء مقاومة الإسرائيليين، ولكن يعني أن المهمة الضرورية حاليًا هي كسب المناضلين إلى صف الاشتراكية الثورية والمهمة العملية لبناء أحزاب عمالية مستقلة، ولقد حان الوقت في أن يتساءل الفلسطينيون كيف يمكنهم الاشتراك في تسنين سلاح قوة العمال.





