أوقفوا الحرب الإمبريالية
120 عاما من الدمار في البلقان
إن قنابل حلف شمال الأطلنطي قد حولت الموقف في كوسوفو إلى مأساة كاملة. فقد زعم كلينتون وتابعه بلير أن الهجمات الجوية هي من مساعدة شعب كوسوفو، وكن ما فعلوه لم يكن إلا زيادة سفك الدماء ونشر الرعب في الصربية وكوسوفو. لا أحد يعرف بالضبط عدد الضحايا المدنيين الذين قتلتهم آلاف القنابل والصواريخ التي أمطرت بها قوات الحلف على المنطقة.
إن صواريخ حلف الأطلنطي لم تضعف نظام ميلوسوفيتش بل زادته قوة، فحركات المعارضة ومنظمات حقوق الإنسان التي نمت خلال العقد الماضي في صربيا ومونتينيجرو (الجبل الأسود) تجد نفسها الآن معزولة في وجه النزعة القومية التي تزداد شعبيتها في مواجهة الهجمة الإمبريالية. وهذا ما حدث في العراق من قبل، فكلما زاد ضرب الولايات المتحدة للعراق كلما زاد استقرار نظام صدام.
وذكر مراسل ال بي بي سي في بلجراد “أن كل قنبلة تسقط تقوي نظام ميلوسوفيتش” وأضاف “لم يحظ ميلوسوفيتش أبدا بمثل هذا التأييد”. وعلق أحد معارضي نظام ميلوسوفيتش “إن الشعب ملتف الآن حول ميلوسوفيتش الذي صار يمثل المسيح المنقذ للشعب الصربي في مواجهة حلف شمال الأطلسي الذي يعمل على تدمير الحضارة الصربية.”
إننا ندين الحرب القذرة التي يشنها النظام الصربي في كوسوفو، فقد قامت وحدات الجيش الصربي بحرب همجية ضد جيش تحرير كوسوفو خلال العام الماضي، وراح ضحية هذه الحرب ما يزيد عن ألفي شخص من المدنيين وأعضاء الحركة. ولكن تدخل الأطلسي بدلا من أن ينقذ المدنيين الألبان زاد أعداد الضحايا بينهم.
إن تدخل الناتو لن يجلب السلام بل سيزيد من التوتر في منطقة تزخر بأسباب التوتر. فرئيس ألبانيا السابق (صالح بريشا الذي سقط على يد الانتفاضة الشعبية في ألبانيا قبل عامين) يحرض في شمال البلاد للحرب مع صربيا، وهناك إمكانية حقيقية لتفتيت مقدونيا حيث أن خمس سكانها من الألبان الذين طالبوا بالانفصال والانضمام إلى ألبانيا، ولكن حدوث هذا سيجر قوى أخرى مثل بلغاريا، التي تعتبر أغلب الأراضي المقدونية “جنوب بلغاريا”، وبالطبع تركيا واليونان.
أما عن جيش تحرير كوسوفو فقد تم تكوينه عام 1995 بعد تجاهل قضية كوسوفو في اتفاقيات السلام في البوسنة، ويحظى بالطبع بتأييد ضخم من ألبان كوسوفو إلا أن الاستراتيجية الكارثية التي يتبعها قادة هذا الجيش والتي ستقودهم إلى الخيبة، فبدلا من التحالف مع الفوى الديمقراطية المعارضة لميلوسوفيتش نجدهم قد لجأوا للجناح الأكثر يمينية ورجعية من القوميين الألبان. فتدريبات الجيش العسكرية تجرى على أراض ملك صالح بريشا الديكتاتور الألباني السابق الذي أطاحت به الجماهير قبل عامين. والآن يتحالفون مع أكثر القوى رجعية في العالم- الإمبريالية. فقد صرح متحدث باسم جيش تحرير كوسوفو: “إن منقذنا الوحيد هو حلف شمال الأطلنطي” وقادة الجيش على اتصال دائم بقوات حلف الناتو.
هنا تكمن مأساة الألبان.. فعندما تواجه حركة للتحرر الوطني ضعيفة خصما أقوى بكثير فإنها تلجأ إلى كسب مساندة أحد القوى العظمى، لكنها في النهاية تقع فريسة هذه القوى العظمى كما حدث في أفغانستان أو في حالة الأكراد.
ويجب علينا أن نفضح زيف الدعاية الغربية حول الدور الإنساني الذي تقوم به أمريكا وبريطانيا، وأن نوضح أهدافها الحقيقية من وراء التدخل في البلقان. ففي الوقت الذي تذهب فيه قوات الناتو للدفاع عن ألبان كوسوفو نجد الأكراد يعانون الأمرين على أيدى جيش تركيا عضو الناتو وحليفة الولايات المتحدة وإسرائيل. لا يغض الأمريكيون الطرف عن فظائع تركيا ضد الأكراد ولكنهم يساعدونها على اختطاف زعيمهم أوجلان والتحضير لقتله. ولا ننسى كذلك مذابح الإمبريالية في فيتنام وكمبوديا والصومال وبنما، والمساندة الدائمة للأنظمة القمعية الوحشية في أمريكا اللاتينية وسوهارتو في إندونيسيا وموبوتو في زائير.
ولكن ماهو هدف أمريكا من التدخل في البلقان، فلا يوجد هناك بترول مثلما الحال في العراق.
منذ سقوط الكتلة الشرقية في نهاية الثمانينات والولايات المتحدة تصر على إظهار أنها القوة العظمى الوحيدة في العالم، وهدفها الاستراتيجي هو فرض هيمنتها على العالم وبالتالي تمهد طريقها في نزاعاتها مع الدول الأخرى. وهذه النزاعات كثيرة، فهناك خلافات تجارية حقيقية بينها وبين دول أوروبا الغربية واليابان، وعليها أن تثبت لتلك الدول أنها القوة العسكرية الوحيدة القادرة على لعب دور الشرطي وعلي تلك الدول بالتالي أن تنصاع لرغباتها.
ولكن ورغم مأساوية الوضع وهيمنة التشاؤم إلا أن هناك بديل حقيقي لهذه البربرية التي تدمر البشر والثروات في حروب عبثية. إننا يجب أن نناضل من أجل عالم يتم فيه الإنتاج من أجل إشباع الحاجات الإنسانية وليس من أجل إنتاج تكنولوجيا الموت، فتكلفة عشرة فقط من قاذفات القنابل المشاركة في القصف 20 مليار دولار وهي كافية لتقديم الطعام والعلاج لفقراء العالم لمدة عام، وستمنع موت 30 ألف طفل تحت سن الخامسة يوميا نتيجة للمجاعة وأمراض يسهل علاجها. إن هذه الدول الإمبريالية تدعي أنها لا تستطيع إلغاء ديون الدول الفقيرة لكنها مستعدة لصرف المليارات لقتل البشر.
إن وقف هذا الجنون يجب أن يبدأ بالقضاء على الرأسمالية أصل كل الجنون، فنضال الجماهير بقيادة الطبقة العاملة هو البديل الحقيقي لمشاكل البلقان. وقد رأينا نضالات سابقة في البلقان خلال التسعينات، في إبريل 1991 أضرب 700 ألف عامل في صربيا واضطر ميلوسوفيتش لاستخدام الجيش لاستعادة النظام. وفي 1996 خرج عمال وطلبة صربيا ضد تزوير ميلوسوفيتش للانتخابات واستمرت حركتهم لأسابيع عديدة وهددت النظام بشكل حقيقي وأجبرت ميلوسوفيتش على التراجع عن قراراته بإلغاء نتائج الانتخابات.
إن دمار الحرب يشل لوقت وجيز الطبقة العاملة وتبدو الصورة وكأن الخلافات القومية طغت على وحدة مصالح العمال. ولكن كما تفجر الأزمة الرأسمالية الحروب فإنها تفجر الصراع الطبقي وتطرح إمكانيات لوحدة الطبقة العاملة، وبناء حزب عمالي ثوري هو الشرط اللازم والضروري للوصول بهذا الصراع إلى نهايته بالقضاء على الرأسمالية وبناء مجتمع إنساني خال من القوميات ومن الحروب ومن الاستغلال.
شهد العالم خلال المائة وعشرون عاما الماضية حروب دورية في البلقان كانت تصاحبها مجازر وترحيل لشعوب بأكملها. وقد تدخلت القوى الإمبريالية دائما بزعم مساعدة أحد شعوب البلقان. وكانت نتيجة هذا التدخل في أفضل الأحوال تكون تجميد الصراع بشكل مؤقت ليعاد بعد سنوات قليلة بشكل أعنف. أما في أغلب الحالات كانت النتيجة تصعيد للمجازر وآلاف القتلى وتسميم العلاقات بين شعوب المنطقة.
ففي هذه المنطقة الواقعة في جنوب شرق أوروبا يعيش عدد كبير من الشعوب، فهناك السلوفيين والكروات والصرب والألبان والبوسنيين والمجريين وسكان الجبل الأسود والمقدونيين واليونانيين والبلغار والأتراك والبوماك والإيطاليين والغجر ويهود وغيرهم. وقد عاشت هذه العرقيات المختلفة أغلب تاريخها في تآخي وسلام، يتكلمون بلغات مشتركة ولم يكن العنف جزء من طبيعة حياتهم.
كانت منطقة البلقان من أفقر المناطق في أوروبا وكانت نقطة التقاء ثلاث إمبراطوريات ضخمة هم الروسية والنمساوية والعثمانية في القرن التاسع عشر. ومع انتهاء ذلك القرن بدأت الدول الصناعية الحديثة مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا في الاهتمام بهذه المنطقة.
وقد واجهت كل الحركات التي ظهرت في البلقان في أواخر القرن التاسع عشر من أجل محاولة بناء دول قومية مستقلة عقبتان أساسيتان. الأولى هي أن الدول الإمبريالية الكبرى كانت تريد تقسيم البلقان بينها والعقبة الثانية هي عدم إمكانية بناء دول قومية في منطقة بهذا التنوع العرقي والقومي دون الدخول في حروب بين القوميات المختلفة. وهذا ما كتب عنه ليون تروتسكي عن البلقان عام 1913. هذه العوامل كانت تعني أن الحركات القومية تأخذ جانب إحدى القوى الإمبريالية. فقد قال تروتسكي “أنه في شبه جزيرة البلقان المتخلفة لا توجد مساحة للسياسات القومية إلا إذا تطابقت هذه مع السياسات الإمبريالية” وقد تمزقت هذه المنطقة بالنزاعات بين نصف دستة من الحركات القومية المختلفة وارتباطاتها مع القوى الإمبريالية”
فحينما طالب الشعب البوسني بالاستقلال عام 1875، تعارض هذا مع الإمبراطورية العثمانية التي كانت تسيطر على أغلبية أراضي البلقان، ولكن حكام بلغاريا وجدوها فرصتهم لكسب بعض الأراضي من الأتراك. أما روسيا القيصرية والتي كانت تزعم حماية الشعوب السلافية في المنطقة فقد أعلنت الحرب على تركيا عام 1877. أما القوى الإمبريالية الأخرى فقد فرضت معاهدة برلين عام 1878 والتي أعادت تقسيم البلقان بشكل يتسق مع المصالح الإمبريالية.
وبالتالي أصبحت البوسنة مستعمرة نمساوية. ومع قدوم 1885 كانت بلغاريا وصربيا في حرب على الرغم من كونهما من أكثر من عانى على يد الجيش التركي. ووقتها كما الآن، كانت هناك تقارير عن النساء والأطفال الذين يموتون في المجاعة وعن اغتصاب النساء والتهجير القسري والفظائع الأخرى.
وتفجرت الحرب مرة أخرى عام 1912 عندما حاولت كل من اليونان وبلغاريا وصربيا طرد الدولة العثمانية الواهنة من المنطقة، ثم دخلت في حروب مع بعضها البعض عام 1913 حول توزيع الأراضي، ومرة أخرى تدخلت القوى الأجنبية وحولت الحركات القومية المختلفة على بعضهم البعض وفرضت معاهدة لندن وبرتوكول فلورنسا على مختلف القوى المتحاربة عام 1913. وقد أيدت كل من بريطانيا وألمانيا تكوين دولة ألبانية لتوازن التأثير الروسي على بلغاريا وصربيا.
وتفجرت المنافسة بين القوى الإمبريالية في الحرب العالمية الأولى عام 1914. فبريطانيا، والتي كان من المفترض أن تحمي الدولة الألبانية، كانت قد وقعت على اتفاقية سرية مع إيطاليا تقوم بموجبها بالتخلي عن ألبانيا في مقابل أن تؤيدها إيطاليا في الحرب ضد ألمانيا. وعانت شعوب البلقان بشكل ضخم خلال الحرب نفسها. فقد تم تهجير المدنيين الصرب مئات الأميال بعيدا عن موطنهم، وقامت القوات النمساوية بقصف طوابير اللاجئين. وحسب أحد شهود العيان: “لم يكن هناك أي أخشاب للتدفئة.. لم يكن هناك سوى مساحة من الخراب في وسطها آلاف البشر يعانون وبلا أمل.” وراح اللاجئون يلعنون من تخلوا عنهم وكان من الممكن سماع صيحات من نوع “لماذا لم تأتي روسيا؟ أين الفرنسيون؟ هل نسينا البريطانيون؟”
وأسفرت نهاية الحرب عن صعود سلسلة من الأنظمة المتسلطة سيطرت على البلقان في العشرينات والثلاثينات، ادعت تمثيل أحد القوميات واضطهدت القوميات الأخرى.
ومع الحرب العالمية الثانية اجتاحت قوات المحور الألمانية المنطقة عام 1941 وأقامت حكومة نازية سيطر عليها الكروات تحت قيادة أوستاتشي. وتحت قيادة هذا النظام انزل القوميون الشوفينون الكروات والألبان أشد الانتقام من الصرب الذين كانوا القوة المهيمنة في مملكة الصرب والكروات ما قبل الحرب.
وقام نظام أوستاتشي بقتل 600 ألف من الصرب واليهود والغجر الأمر الذي نال إعجاب أجهزة الاستخبارات النازية مثل جهاز إس إس والذي ذكر في تقرير له عام 1942: “إن وحدات الاوستاتشي قامت بمجازر ليس فقط ضد الرجال في سن التجنيد ولكن ضد كبار السن والنساء والأطفال.” وجاء في كتب “تاريخ كوسوفو” لمؤلفته ميراندا فيكرز: “إن الوحدة 21 المشكلة من متطوعين ألبان قامت بقتل العديد من الصرب ومواطني الجبل الأسود في كوسوفو.” كما قامت القوميات الأخرى بتسوية حساباتها في مناطق عديدة، لقد فجرت القوى الإمبريالية العداوات بين شعوب المنطقة.
ولكن على الجانب الآخر، فقد أوضحت حركة المقاومة ضد النازي ونظام أوستاتشي الموالي له إلى أي درجة يريد العمال والفلاحين من مختلف العرقيات العيش سويا في سلام على الرغم من ألاعيب الإمبريالية والحكام المستبدين. فحركة الأنصار فيما أصبح يوغوسلافيا الحالية قد تشكلت أساسا من الصرب ولكنها ضمت كروات وألبان وبوسنيين ويهود وغيرهم. وكان قائد الحركة هو جوزيف بروز تيتو وهو نصف كرواتي وكان رئيس يوغوسلافيا الاتحادية التي تشكلت بعد الحرب حتى وفاته في منتصف الثمانينات.
وفي عهده احتوت يوغوسلافيا على الصرب والكروات والسلوفاك والمقدونيين وأهل كوسوفو والجبل الأسود وغيرها من القوميات وتمتعت القوميات المختلفة بدرجة من الاستقلالية والحكم الذاتي حتى عهد قريب.
ونظام تيتو لم يكن نظام اشتراكي أو شيوعي ولكنه كان أحد صور رأسمالية الدولة.
وفي ظل الانتعاش الرأسمالي العالمي فيما بعد الحرب استطاع تيتو أن ينمي الاقتصاد اليوغوسلافي كما استطاع أن يوازن علاقاته بين روسيا والولايات المتحدة أثناء الحرب الباردة من خلال حركة عدم الانحياز.
لم تختف الخلافات القومية بشكل تام ولكن الازدهار الاقتصادي مكن الدولة المركزية من الموازنة بين القوميات المختلفة.
ولكن مع دخول الأزمة يوغوسلافيا في السبعينات ثم في الثمانينات سقط هذا التوازن، وظهر سياسيون مثل سلوبودان ميلوسوفيتش في صربيا وفرانكو تودجمان في كرواتيا لعبوا على النعرات القومية من أجل احتواء وإجهاض الاحتجاجات العمالية والجماهيرية المتصاعدة التي كانت تهدد سيطرتهم على الحكم.
وتلى ذلك لجوء كل القوميات إلى استدعاء تاريخ الاضطهاد الذي وقع عليها وإلقاء اللوم على أعضاء القوميات الأخرى. فالصرب اليوم ينتقمون في شخص الألبان من هزائم النبلاء الصرب على يد العثمانيين وفي شخص الكروات من نظام أوستاتشي وبالمثل فكل قومية لديها تاريخها المختار للمآسي التي عانتها. وفي النهاية عانت كل الشعوب من الحروب التي دمرت يوغوسلافيا وشهدت المجازر الضخمة التي قام بها الصرب والكروات وغيرهم.
ففي الأسابيع الماضية مثٌل أمام محكمة جرائم الحرب في لاهاي اثنان من القادة الكروات متهمين بقتل رجال ونساء وأطفال وتدمير المنازل والمساجد في وادي بحيرة لاسيفا في وسط البوسنة، من المعروف أن الولايات المتحدة وحلف الأطلنطي ساندت الكروات أثناء حرب البوسنة.
كما ساندت الولايات والغرب اتفاق دايتون للسلام في البوسنة والذي قسم البلاد على أسس قومية عرقية خالصة (جزء للمسلمين وجزء للصرب وجزء للكروات) الأمر الذي دل على قبول الغرب للتقسيم (والتطهير العرقي) كأساس للتصالح وقضى على أي محاولات بذلها بعض أعضاء القوميات المختلفة للوصول إلى حل للتعايش السلمي بين تلك القوميات.
إن تاريخ تدخل القوى الإمبريالية في البلقان هو تاريخ مساندة الطغاة وإذكاء الحروب القومية ولم يكن أبدا لوقف الظلم أو نصرة المقهورين. وفي كل المرات كان المستفيد هو أحد المجموعات الحاكمة أو غيرها، وكان الثمن يدفعه دائما الفقراء من كل القوميات والأعراق. والحملة على كوسوفو ليست استثناءا لهذا التاريخ.





