بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

13 يوم في غزة

القطاع الذي عانى منذ نجاح حماس في الانتخابات التشريعية يناير 2006 نجح في فرض مأساته على صفحات الجرائد الأولى حين كسر القفص وخرج الى شمال سيناء يتمشى، ويشم الهوا. داخل القطاع، فتح يلومون حماس، والباقون يلومون المجتمع الدولي ومصر. وبين مقدر للموقف المصري وغاضب من تصريحات مبارك وأبو الغيط، يقول البعض أن مبارك كسبان كسبان. فهو على مدار ثلاثة عشر يوما لفتح الحدود بدأها كبطل العرب وراعي الشعب الفلسطيني، وقضاها بورقة ضغط قد تعيد له مكانته لدى الولايات المتحدة، وأنهاها بحدود متأججة تستلزم ازدياد التسلح في سيناء وفرصة لا تعوض لادخال تعديلات على اتفاقية كامب ديفيد.

23 يناير
الخامسة الا الربع صباح الأربعاء 23 يناير دوى آخر انفجار، من أصل سبعة انفجارات، مسقطا جدار الفصل العنصري الذي أقامته اسرائيل بارتفاع ثلاثة أمتار كي تعزل القطاع عن العالم، وتؤمن قواتها التي كانت تحتل الشريط الحدودي مع مصر من نيران المقاومة الفلسطينية.

بحلول السادسة صباحا كان عشرات الآلاف من الفلسطينيين في الشارع في شبه احتفالية عشوائية. يحتفلون بسقوط الجدار، بمدد الشوف، وبرؤية أقاربهم في رفح المصرية، ببوادر كسر حصار دام عامين، وفاقت قسوته الاحتمال آخر أربعة أيام.

تدافعت أيدي وأقدام تسقط السلك الشائك (الحدود المصرية) والفرحة تعلو الوجوه. الحاج علوي، صاحب سوبر ماركت في العريش، والذي عاصر اندفاع الفلسطينيون الى شمال سيناء عبر ثغرات سابقة وحين تم فتح معبر رفح سابقا، وصف الحالة قائلا “المرة دي مش بس جوع. الناس خارجين محرومين”.

في مساء اليوم ذاته ملأ آلاف الشباب شوارع العريش. يبحثون عن السينما، والمقاهي، والشيشة.

في الليلة الأولي لفتح الحدود قال أحد ضباط حرس الحدود المصريين، طلب عدم ذكر اسمه ” لم يسقط الجدار العازل عن غزة فجأة. لقد جاء انهيار الحدود نتيجة عمل دؤوب استمر لشهور في نشر الجدار الحديدي بالأوكسجين ثم جاء تفجيره في اللحظة المناسبة فتهاوى مثل قطع الدومينو”.

وعن الهدف وراء فتح الحدود بهذا الشكل قال “فتح الحدود رسالة سياسية لاسرائيل. في النهاية سيضطرون الى فتح معبر كرم أبو سالم على الأقل ان لم يتم اعادة فتح معبر رفح. فأي قدر، ولو بسيط، من السيطرة هو أفضل لاسرائيل من هذه الفوضى”.

وقال الضابط الذي أمضى من 2005 وحتى الآن على الحدود المصرية مع غزة “حماس أفضل من حركة فتح في ضبط الحدود”.

أبو البراء، احد قياديي كتائب القسام، الجناح المسلح لحركة حماس، والذي لعب دور ضابط اتصال عملية اسقاط الجدار أكد كلام الضابط “المصريون يعرفون كل كبيرة وصغيرة في قطاع غزة. وأعتقد أنهم كانوا يعرفون وتصنعوا عدم المعرفة، أو ربما كانت لديهم فكرة أن حماس بامكانياتها الضعيفة لن تستطيع تفجير هذا الجدار الهائل، ولكنها تقوم باحداث ثغرات فيه.”

24 يناير
غرقت شمال سيناء في الدولارات والشيكلات (العملة الاسرائيلية)، وفي البضائع المغشوشة التي تباع لمليون ونصف مستهلك خرجوا فجأة من القمقم، وأصحاب القوة الشرائية دخلوا شمال سيناء للتسوق. التجار أتوا للتخزين، وحتى بعد امتلاء غزة بالسلع لم يقوموا بخفض الأسعار داخل القطاع. فخبرتهم علمتهم أن الحصار الى عودة، وأن المنفذ الى انسداد.

وبين أولئك وهؤلاء، خرجت آلاف الأمهات بجيوب خاوية، يرتدون جلاليب فلسطينية مطرزة بالخيوط التقليدية الحمراء والخضراء، بعد أن حمموا أطفالهم وألبسوهم ملابس العيد. عمال فلسطين، يزيدون عن المائة ألف، انقطع رزقهم مع اغلاق معبر ايريز (مع اسرائيل) ثم الحصار الذي قطع الخامات عن القطاع لمدة عامان، قدموا الى شمال سيناء مع عائلاتهم وقطعوا ما بين مدنها سيرا على الأقدام. فلم يكن لديهم ترف شراء راحتهم ب 40 شيكل تقلهم من الحدود الى العريش.

25 يناير
تصعيد مفاجيء من الطرف المصري باغلاق الحدود. اشتباك يبدأ بتراشق الحجارة، يستل بعدها عناصر حماس أسلحتهم ويقتلون ثلاثة كلاب بوليسية مصرية، بعد أن أطلقها الأمن المصري على الفلسطينيون. في الوقت الذي يعتلي بضعة شباب الجرافات وقومون بتجريف فتحات جديدة في السور الحدودي. ينتهي الصدام بانسحاب الجنود المصريين عن الحدود تماما وتدشين حملة اعلام مصرية شبه منظمة عن السيادة المصرية المنتهكة، والاحتلال الفلسطيني لشمال سيناء، وأحزمة ناسفة تسقط سهوا في التاكسي.

ولكن الواقع غير ذلك. فالاشتباكات دائما ما كانت تبدأ باستفزازات مفتعلة من قبل قوات الأمن المصرية الفلسطينيون العالقون على الجانب المصري. ويرى بعض المراقبون للوضع من سكان شمال سيناء “أن الادارة المصرية تفتعل الاشتباكات على الحدود بهدف اشعال اعلام “السيادة” وتأمين غطاء للتملص من تعهدات سبق وقطعتها مع حماس”.

ويقول أبو البراء، قيادي بكتائب القسام، بعد اسقاط الجدار “تحول دورنا الى ضبط الحدود وضبط المخدرات والسلاح…. ولكن مع تطور الأحداث وحدوث اشتباكات تم فتح أكثر من ثغرة… الجانب المصري حاول منع الناس، وحاول عمل اغلاق تدريجي، بينما خطتنا أن تظل الحدود مفتوحة حتى فتح معبر رفح أو حتى تحدث تعهدات دولية بفتح المعبر وتزويد القطاع باحتياجاته بشكل مستمر”

26 يناير ـ 3 فبراير
كان الوضع يتغير على الأرض بين ساعة وأخرى بغض النظر عن التصريحات الرسمية. وكان اللاعب الرئيسي في تغيير القواعد هو السلطات المصرية.

غرف الضيوف وساحات منازل شمال سيناء فتحت أبوابها للفلسطينيين الذين أغلقت في وجههم الفنادق والشاليهات بأوامر الداخلية. تحمل أهالي شمال سيناء الحصار الذي اتسع ليشملهم بعد إغلاق المحال قسرا، واعتقال الباعة الجائلين، ووقف وصول البضائع لشمال سيناء بأكملها.

4 فبراير اليوم 13
مرة أخرى، تكرر فجأة سيناريو رفض عودة الفلسطينيين إلى غزة، واحتجازهم على الحدود المصرية، ولكن هذه المرة تم ترحيلهم قسرا بعربات أمن مركزي الى مدرسة رفح الثانوية. مكالمات هاتفية من أمهات لأبنائهم على الجانب الآخر تفيد بأنهن يتعرضن للضرب من قبل الأمن المصري أدت إلى رمي الجنود المصريين بوابل من الحجارة، رد عليه الجنود بقنابل الغاز المسيل للدموع، ثم الرصاص الحي.

انتهى اليوم بعبور أغلب العالقين على الجانبين بعد مفاوضات متوترة، وسقوط جرحى مصريين وقتلى فلسطينيين، في عملية بدت أشبه بتبادل الأسرى. عشرات من سيارات الأمن المركزي حملت العالقين الفلسطينيين والمصريين من والى مدارس رفح التي تحولت الى ثكنات عسكرية. آلاف الجنود بعصي مكهربة ومدافع اطلاق قنابل الغاز.

ومن هنا، بدأت مرارة فلسطينية بتصريحات الرئيس مبارك تصفهم ب”الجوعى”، ووزير الخارجية يتوعدهم ب”كسر الرجل”، وجنود يطلقون عليهم الكلاب والرصاص – مشهد طالما ارتبط في ذاكرتهم بالمعابر الاسرائيلية.

استمرار الحصار = نهاية حماس
ويؤكد سامي أبو زهري، المتحدث باسم حماس في القطاع، خلال الأسبوع الأول لفتح الحدود “لا نعتبر أن الأزمة قد حلت بفتح الحدود، فالأزمة ناتجة عن إغلاق المعابر وليس نقص السلع”. وفيما يأمل بانفراج العلاقة بالسلطة المصرية، يستبعد أبو زهري خطر ازدياد النفوذ المصري داخل غزة اذا ما تولت الأخيرة تلبية احتياجات القطاع “نريد ربط اقتصادنا بالاقتصاد العربي والاسلامي وتحريره من الهيمنة الاسرائيلية. تلك الهيمنة التي طالما سمحت للاسرائيليين بابتزاز الشعب الفلسطيني.”

ولكن تغير الموقف الرسمي في مصر والحملة التي شنتها وسائل الاعلام المختلفة وأدت إلى تكبيل أيدي حماس مرة أخرى. وعلى الرغم من تأكيد حماس في الوقفة الاحتجاجية التي أقامتها على الحدود يوم 1 فبراير “كسرنا القيد ولن نعود الى القفص. سنفتح كل المعابر وأولها رفح”. الا أنهم يدركون أنهم في موقف صعب. فمن جانب، تم تصعيد التواجد العسكري المصري بشكل غير مسبوق وربما يخرج عن اتفاقية كامب ديفيد. مما يجعل اعادة فتح الحدود بالقوة مواجهة مسلحة عواقبها موجعة للجانبين وليست مجرد “اشتباكات”. ومن جانب آخر استمرار الحصار يعني افشال حماس في غزة. فليس بالامكان تمرير الاموال الى داخل القطاع كالسابق! وان حدث، يبقى نقص السلع والخامات واستمرار التصفيات الاسرائيلية لعناصر الحركة وكوادرها تحديات لا قبل لهم بها.

ويؤكد عدد كبير من سكان القطاع أنهم لن يتوجهوا الى صناديق الاقتراع اذا ما تمت انتخابات أخرى. فالانتخابات التشريعية التي شهدت نسبة مشاركة غير مسبوقة لم تحترم نتائجها ولم تأت لهم غير بوجع البطن والرأس.

ويبقى أكثر المتضررين من الحصار هم طبقة العمال الذين لا يتقاضون تحويلات من فتح أو رواتب من حماس. أولئك يقفون غير قادرين على الشراء حتى حين تفتح الحدود وتتوافر بعض السلع.

بين فتح وحماس.. يبقى العمال
سهير ابراهيم، 29 سنة، جاءت من تل السلطان برفح الفلسطينية وجلست على الرصيف بمدينة الشيخ زويد المصرية مع ستة أبناء تقاربوا في العمر حتى تظن أنهم كلهم توائم. وعلى عكس معظم الفلسطينيين الذين عبروا الحدود لم يكن معها أية مشتروات “كان نفسي أروح دار سيدي (أي جدي) في العريش لكن الحرس المصريين مسكرين كل الشوارع. صار لي 13 سنة ماخرجتش من غزة ولما فجروا الحدود من قبل ما خرجتش لأني وقتها كنت حامل. اليوم جيت مع عيالي وعم يتطلعوا على الأرفف ويقولولي “يامه بدي هيك وبدي هيك” وما عم بقدر اجيبلهم شيء. ما عندنا مصاري (فلوس). جوزي لا بيقبض من فتح ولا من حماس، بيشتغل عامل بناء وغزة عطشانة أسمنت من زمان”.

وأضافت.. “احنا عايشين بس بالاسم عشان بنتنفس هوا”.

حال الصيادين في ميناء غزة كان أسوأ. فقبل الحصار والبوارج الاسرائيلية تقوم بقنصهم اذا تعدوا 2،5 كيلومتر من الشاطئ وبالتالي لا تطال شباكهم سوى الأسماك الصغيرة. ومع الحصار ارتفعت أسعار الوقود بشكل جنوني حتى فقد الابحار جدواه. فما معنى انفاق 120 شيكل وقود لصيد كيلوجرامات قليلة من الأسماك لن تجني سوى 20 شيكل.

من المستفيد؟
يؤكد مصطفى رمضان، صاحب ستوديو تصوير وخدمات انترنت في رفح المصرية، أن “فتح الحدود كان مكسبا للناحيتين. مليون ونصف مستهلك فجأة يتجهون الينا. خلال 4 أيام وصل حجم مبيعاتي الى خمسة آلاف دولار. رزمة الورق 80 جرام وصل سعرها 45 جنيه مصري بدلا من عشرين. كلانا استفاد من فتح الحدود”. وعن من المستفيد من إعادة إغلاقها قال “أولمرت وبوش والمعنيين بمصالحهم. عدا ذلك لا أحد. واذا كانت مصر تبحث عن الريادة، فهي لا تشترى بالمال”.

والحقيقة أنه خلال 11 يوما قضيتها بين مدن غزة وشمال سيناء، لم ألتقي فلسطيني واحد يحلم بالتوطين أو العيش في سيناء. تباينت أحلام الشباب بين الدراسة في القاهرة، والسفر للخارج. وبعيدا عن هذا وذاك تكدس عشرات الآلاف في نهاية كل نهار عائدين الى قطاع غزة.