بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

المشكلة ليست في شارون.. بل في الصهيونية التي خدمها

نهاية مبجّلة لمجرم عتيد

اعتبر البعض بقاء أرييل شارون في حالة من غياب الوعي لثماني سنوات انتهت بموته في 11 يناير الماضي بعضا من الجزاء على ما اقترف من فظائع خلال عمره الطويل في الصفوف الأولى للإجرام الصهيوني. إلا إن إفلاته المتكرر من المحاكمة كمجرم حرب، وتبرئة أبنائه من قضايا فساد مالي، ومراسم جنازته ودفنه كرجل عظيم، حتى ممن تتضرعوا إلى ملك الموت لصعقه بعد قراره بالانسحاب من قطاع غزة في العام ٢٠٠٥ وأيضا ممن عدوه مغاليا في إجرامه، وبمشاركة من ممثلي النظام العسكري القائم في مصر وهو من حارب على جبهتها في الحروب الأربعة التي حاربت إسرائيل فيها مصر، ووصفه كبطل وقائد شجاع من قبل بايدن وبلير ممثلي القوى الإمبريالية الكبرى، إنما يؤكد أنه قد رحل مطمئنا أن ما بذل عمره في بناءه ونجاحه واستمراره كنظام استيطان واستعمار وإحلال وهيمنة اقتصادية، لا يزال إلى الآن، على الأقل، في مرحلة تصاعد.

وحيث أن الصهيونية حركة سياسية ناجزة تتمثل في كيان إسرائيل وحلفها الدولي وشبكات دعمها والمصالح الرأسمالية التي تمثلها، تأتي قصة هذا الشخص فقط لتتّبُع جزء حيوي من التاريخ الصهيوني. اعتباره “ملك إسرائيل” و”أسد الله” بعد حربي ١٩٦٧ و١٩٧٣ أو “جزار بيروت” بعد اجتياح ١٩٨٢ أو “بلدوزر” الاستيطان في الضفة الغربية، وتصنيفه ثامنا ضمن استطلاع رأي لدى الإسرائيليين عن أهم مائتي شخصية إسرائيلية في التاريخ دلائل واضحة على حيوية الأدوار التي أداها في تحقيق الصهيونية وبقائها. إلا أن نمطية تصنيف مقارنة أقل شخصانية، لآفي شلايم – أحد مؤرخي ما بعد الصهيونية* – في مقابلة أجريت معه مؤخرا، تضع شارون رمزا لإحدى المراحل الخمسة الكبرى في تاريخ إسرائيل. يأتي في هذا التصنيف ديفيد بن غوريون كرمز لتأسيس الكيان، وليفي أشكول كرمز لتوسعه، ومناحيم بيغن كرمز لتثبيت أول معاهدة مع دولة عربية للقبول به، وإسحاق رابين كرمز لاعتراف الفلسطينيين به، وأرييل شارون أخيرا كرمز للسياسة الأحادية التي انتهجها في العقد الأخير.

بغض النظر عن مدى صحة التصنيفات التي وضعها شلايم، إلا أنها أكثر قدرة على فهم إسرائيل كنظام تحكم حركًته مصالح ومعطيات وظروف سائدة. الإصرار على إبراز وحشية شارون الفرد هي ممارسة واعية للأنظمة العربية خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية (٢٠٠٠ – ٢٠٠٥) بالشراكة مع اليمين الفلسطيني المهيمن على منظمة التحرير، والساعين سويا إلى تثبيت أركان بقائهم من خلال الاندماج التام في مصالح إسرائيل عوضا عن الصراع معها كما يفضل شارون نفسه وهو على رأس الدولة الصهيونية.

إن شارون هذا أيقونة إجرام فعلا، لكن إلى أي مدى يختلف عن شخص تحتفي بحمائميته الأنظمة العربية أو القيادة الفلسطينية أو اتجاهات يمينية أخرى في المنطقة، حتى وإن بصوت مرتبك، كشمعون بيريز مثلا؟ عن ماذا يعبر كل منهما؟

إسرائيل من خلال رموزها
وُلد أرييل شنيرمان (اسم شارون عند الميلاد) في العام ١٩٢٨ في موشاف* كَفار ملال والمؤسس في العام ١٩١١ في السهول الواقعة بين طولكرم ويافا على الساحل الفلسطيني. كطفل لعائلة استوطنت فلسطين ضمن موجة الهجرة الصهيونية الثالثة،* اندمج سريعا في المنظمات الصهيونية الآخذة في التوسع كشبكة إدارية لسياسة واقتصاد الاستيطان الناشئ ونواة دولة إسرائيل المقبلة. انضم وهو في الرابعة عشر من عمره إلى فرقة مسلحة مكلفة بحراسة قريته الاستيطانية، غادرها فقط ليلتحق بميليشيا الهاجناه (نواة تأسيس الجيش الإسرائيلي)، حيث بدأ سريعا في صناعة اسمه ضمن تاريخ الإجرام الصهيوني.

شارك في معارك وادي اللطرون الشهيرة، والتي اكتسبت أهميتها القتالية من كونها أحد المعارك القليلة التي قرر الملك الأردني عبدالله الأول خوضها دفاعا عن مصالحه في تثبيت سيطرته على القدس في حرب نكبة فلسطين (١٩٤٧ – ١٩٤٩)، حيث أُصيب وأُسر خلال هذه المعارك التي تم فيها ثبيت سيطرة إسرائيل على نصف القدس الغربي. بعد إطلاق سراحه ضمن عملية تبادل أسرى، قاد عملية أخرى في نهاية العام ١٩٤٨ على الجبهة الجنوبية ضد مصر. وبعد قيام إسرائيل الدولة، قام ديفيد بن غوريون بتكليفه في مهمة خاصة نظرا لشراسته القتالية الواضحة، وهي تشكيل وحدة خاصة لمواجهة عبور الفدائيين واللاجئين للحدود عبر تنفيذ عمليات هجومية في القرى الواقعة على الحدود. هنا حصل آرييل على اسم عائلة شارون، ومن قبل بن غوريون نفسه، ضمن حملة هذا الأخير لإعادة عبرانية فلسطين* ومعها المستوطنين الأوروبيين ضمن التزوير التاريخي الممنهج الذي اتبعته الصهيونية في ادعاء شرعية وجودها من تاريخ مغرق في القدم، قامت باستملاكه وتحريفه لتبرير فاشية النظام السياسي الذي أوجدته ونتائجه الكارثية.

كان أشهر جرائم هذه الوحدة مذبحة قرية قبية في العام ١٩٥٣ والتي راح ضحيتها ٧٠ شخص، حيث قال شارون في حينها أنه لم يعلم عن وجود أشخاص داخل عشرات المنازل التي قامت الوحدة بنسفها، مستدركا أن هدف هذه العمليات هو ردع العرب عن التفكير بإمكانية مهاجمة إسرائيل نظرا لفداحة الخسائر التي سيجرّونها على أنفسهم. هذه الوحدة والمعروفة برقم ١٠١، هي نواة حرس الحدود الإسرائيلي لاحقا، وهذا الأخير منفذ مذبحة كفر قاسم الشهيرة في العام ١٩٥٦ وشارون على رأسها، بينما كان هو على خط المواجهة مع مصر وغزة ضد الفدائيين هناك، استعدادا لصعوده التالي من خلال حرب السويس في نفس العام.

شمعون بيريز (المولود سيزمون بيرسكي قبل أن يتعبرن هو الآخر)، والذي قدم إلى فلسطين مهاجرا ضمن نفس الموجة الثالثة، ومؤسس أحد الكيبوتزات* في فلسطين الانتدابية كسائر جيل العمال الصهاينة المأدلجين لتأسيس كيان قومي مثل شارون. وصل إلى مهام خاصة في الإدارة العسكرية مع بداية عقد الخمسينيات، حيث قام بن غوريون بتعيينه مسئولا عن شراء السلاح. أنشأ خلال هذه الفترة علاقة إسرائيل المتميزة مع فرنسا والتي تم تتويجها ببناء مشروع إسرائيل النووي مع نهاية العقد، ووضع إسرائيل في خدمة فرنسا وبريطانيا لشن العدوان على مصر في العام ١٩٥٦، حيث اقتضت خطة الهجوم أن تصل إسرائيل إلى قناة السويس لإشعال الحرب، ومن ثم تأتي بريطانيا وفرنسا لتجبر كل من إسرائيل ومصر على التراجع إلى مسافة ١٥ كلم على طرفي القناة، ليتم بالتالي تقويض قرار التأميم الذي أنهى السلطة الاستعمارية على منشآت القناة.

أُوكلت مهمة التنفيذ لرجل المهمات الصعبة، قائد حرس الحدود، آرييل شارون. خلال التنفيذ، وصل الجيش الإسرائيلي إلى بعد ١٥ كلم عن القناة، واستطاع شارون أن يتجاوز أوامر المجرم الآخر موشي ديان في افتعال مواجهات غير موافق عليها مع الجيش المصري، ملحقا به هزيمة سبقت انسحابه إلى الضفة الأخرى، واعتبر عندها شارون كما في أحد عملياته ضد المقاومة في دير البلح كعسكري ميداني ذي ميول لكسر أوامر الرؤساء وخوض مواجهات غير مصرح له بها وإن بنتائج لصالح إسرائيل. جموح شارون وانشغاله ببرنامج دراسي في جامعة تل أبيب أبقياه لفترة ضمن نفس الرتبة العسكرية، إلى أن وصل “رمز السلام” إسحاق رابين إلى قيادة الجيش الإسرائيلي في العام ١٩٦٤، موكلا إلى شارون قيادة المنطقة الجنوبية، ليحرز فيها مجده العسكري والشعبي الأكبر.

وضعت هيئة الأركان لمن عُرف عنه سابقا تصرفه “الخارج عن السيطرة” دورا دفاعيا في حرب ١٩٦٧، ليقوم كما هو متوقع بنمطيته بقيادة هجوم بري عبر الحدود مع مصر، والذي اعتبر ابتكارا في التكتيك العسكري وساهم في صناعة انتصار إسرائيل في حرب الأيام الستة. وما أن غادر الجيش النظامي للدخول في العمل السياسي، اندلعت حرب العام ١٩٧٣ ليتم استدعائه ضمن جيش الاحتياط، مبتكرا خطة اقتحام حاجز القناة وحصار السويس ومحاولة اجتياح الإسماعيلية دون تفويض عسكري بتنفيذ هذا المخطط، مدركا تماما الانتصار الحاسم الذي حققه لإسرائيل، والصورة الشعبية التي حققها لنفسه على عتبة مهنته السياسية.

في تلك الفترة، كانت لا تزال أحزاب إسرائيل أشبه بفترة تأسيسها منها إلى اليوم. كان لا يزال حزبا ماباي ومابام في المشهد السياسي وعلى وشك الدخول في مراحل حزبا العمل والليكود. شارون كما نقيضه المزعوم، بيريز، أبناء الموشاف والكيبوتز على التوالي من أتباع ماباي الذي يعد أقل يساريةٌ من مابام، والذي بدوره أقل من الحزب الشيوعي القابل بقرار تقسيم فلسطين في العام ١٩٤٧. هذا فقط لتوضيح ماذا يعني اليسار في كيان احتلال كهذا.

في تلك الفترة ذهب شارون إلى تأسيس الليكود من جملة أحزاب أخرى عاصرت التأسيس دون أن ينجح في تأمين أي قاعدة سياسية ليتزعمها، وكان بيريز في المقابل مع بن غوريون وديان في تأسيس حزب التحالف.

يجتمع النقيضان مرة أخرى في حكومة إسحاق رابين الأولى عام ١٩٧٤، حيث بقي بيريز وزيرا في عدة تخصصات منذ الستينيات، وعمل شارون كمستشار خاص لإسحاق رابين. إلا أن انتخابات ١٩٧٧ مثلت مناورة أساسية لشارون، حيث انضم إلى حكومة مناحيم بيغن من خلال تحالفات داخل الكنيست، وأصبح وزيرا للزراعة ووزيرا للبنى التحتية لاحقا وقاد حركة الاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة التي مضى على احتلالهما في حينها عشرة سنوات. هنا صنع شارون قاعدته السياسية كمنافس قوي على خارطة الأحزاب الإسرائيلية، إلا أنه لم يستطع تخطي بيغن أو إسحاق شامير لاحقا، كما لم ينجح بيريز في حينها بتخطي رابين جوهريا. خلال هذه الفترة قاد العدوان الأكثر دمارا على لبنان خلال حربها الأهلية كوزير للدفاع في حكومة بيغن، وعمل على سحق المقاومة الفلسطينية اللبنانية بالتعاون مع حلفائه من الميليشيات الفاشية اللبنانية التي نفذت مذبحة صبرا وشاتيلا التي راح ضحيتها ما يزيد عن ثلاثة آلاف ضحية تحت الغطاء العسكري الإسرائيلي، ليتسق هنا مع حافظ الأسد، الذي صعد إلى الحكم من خلال إحباط التدخل السوري لمصلحة المقاومة الفلسطينية إبان سحقها في الأردن (١٩٧٠-١٩٧١)، وتدخله – الأسد – في لبنان لمنع انتصار القوى الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية على اليمين الفاشي الحاكم مع بداية الحرب الأهلية اللبنانية في العام ١٩٧٦. شارون أكمل هنا ما بدأته الأنظمة العربية سابقا في محاصرة قوى الثورة الفلسطينية.

هدف شارون إلى تغيير خارطة المنطقة وإخراج المقاومة الفلسطينية نهائيا من الصورة، وقد نجح إلى حد بعيد من حيث تجريف فصائل المقاومة الأساسية والمساهمة في إنضاج خيارات اليمين الفلسطيني ممثلا بياسر عرفات لخوض جولات التنازل عن الحقوق التي نعيشها إلى اليوم، وإن لم يهدف بالضرورة إلى أبعد من سحق المقاومة المسلحة دون أي مشروع سياسي مع الفلسطينيين.

ومع اضطراره للتراجع عن موقع وزير الدفاع كأقل ثمن ممكن أن تدفعه إسرائيل على المذبحة، مما ينفي مجددا استفراد شارون في تنفيذ العمليات العسكرية، بقى على رأس وزارات الزراعة والصناعة خلال حكومات بيغن وشامير- بيريز الائتلافية، بينما بقي بيريز خارج حكومة بيغن، ومتحالفا مع حكومة شامير اللاحقة ليكون على رأس الحكومة عند تنفيذ مذبحة حمام الشط في تونس في العام ١٩٨٥، ومحافظا بصعوبة على زعامة التحالف قبل أن يعود رابين للقيادة من خلال واجهة حزب العمل الجديد في العام ١٩٩٠.

إسرائيل والتحولات الاقتصادية العالمية
منذ منتصف الثمانينيات، بدأت تغيرات اقتصادية كبرى تؤثر على إسرائيل كباقي دول العالم في معايير الإدارة الحكومية للاقتصاد. اندفاع سياسات تحرير الأسواق المالية في المراكز الرأسمالية كان أثره الأول أزمات البنوك عالميا نتيجة عدم المقدرة على سداد القروض الحكومية الأكبر في حينها، حيث ارتفعت كلف التمويل بشكل هائل مما أدى إلى العجز عن السداد، وتضخمت العديد من العملات العالمية مما أدى إلى عسر مالي حكومي شديد على مستوى العالم، ودفع إلى تعاظم السياسات النيوليبرالية التي تعني انسحاب الحكومة من الإنفاق المالي لفتح المجال أمام رؤوس الأموال للاستثمار وفق ما يعرف بآليات السوق الحرة التي ينحسر دور الدولة فيها بتنظيم الاستثمار الخاص ووفق أولويات غير اجتماعية غالبا.

أُنشئت إسرائيل بدايةً على نسق صناعي منذ شبكات الاستيطان الأولى في فلسطين في أواخر العهد العثماني، وحافظت على مصادر تمويل سياسي من الشبكة الصهيونية يسبق قيام الدولة ويستمر إلى اليوم، ومصدر تمويل دولي من أوروبا وشمال أمريكا نظرا لعلاقاتها السياسية وكونها نقطة ارتكاز أساسية للسياسة الإمبريالية في المنطقة مع صعود الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. أُتيح لبرنامجها التنموي (الصهيوني بطبيعته والقائم على الاستيطان، والعسكرة، والإنشاءات الضخمة) ما لم يتحصل عليه أي نظام سياسي آخر، إلا أن هذه الأزمة العالمية في منتصف الثمانينيات، وضعت إسرائيل أكثر تحت ضغوط الأسواق العالمية، وجعلها أكثر طلبا للاستثمارات التي تحتكم إلى إمكانية جني أرباح وفق آلية السوق، والتي تتطلب توسعا وتوجهات سياسية مختلفة نحو الاندماج في المنطقة اقتصاديا لزيادة مردود الاستثمار، علما بالتفوق النوعي للصناعات الإسرائيلية التي ستجعلها مركزا للإقليم، والذي ستتيح له عملية السلام إمكانيات تراكم رأسمالي غير مسبوقة.

هنا مركز الاختلاف الحديث في التحالفات السياسية للأحزاب الإسرائيلية: كم يكفي الفلسطينيين، أو قيادتهم اليمينية بالأحرى، لعقد اتفاق سلام يكفي متطلبات الاستثمار العالمي؟ كم من الأرض ممكن التخلي عنها، أو ضمها، أو إخضاعها كمنطقة نفوذ اقتصادي؟ كيف تكون الاتفاقيات مع الدول العربية لتشجيع الاستثمارات المتبادلة وغير المتكافئة؟ يحتشد خلف هذه الاعتبارات جملة من الأحزاب الراغبة بحل الدولتين مع تقديم تعريفات متباينة لهزلية الدولة الفلسطينية القادمة التي ستضمن استمرار التفوق الاسرائيلي. ويحتشد في الجانب المقابل مجموعة كبرى أخرى تمارس الاستيطان بشكله الأولي الذي لم يستقر قانونيا كما أشكال الاستيطان الأسبق، والذي يرغب في المزيد من الأرض والمزيد من التصعيد ضد الفلسطينيين والعرب من حولهم والمزيد من الاستغلال وفق النهج العسكري الاحتلالي الأولي الذي يرى أن الظروف الدولية لا تزال تسمح له بذلك (جنينية حركة المقاطعة الدولية، والاستبداد والديكتاتورية في الدول العربية، وعدم وجود تحديات جدية للنظام الرأسمالي العالمي الذي تشكل إسرائيل قاعدة متطورة له في المنطقة). معسكر برمزية ليبراليّ تل أبيب المفتعلة، مقابل معسكر برمزية مستوطني الخليل العسكرية، هذين الشكلين ضمن إسرائيل نفسها، الأول يمثله شمعون بيريز، والثاني يمثله آرييل شارون.

عقد التسعينيات مثّل الصعود المحدود لفكرة المعسكر الأول، والذي لجأ أيضا إلى ضرب لبنان تحت قيادة بيريز الحمائمي مرتكبا مذبحة قانا في ١٩٩٦، بينما كانت نخب النظام العربي الرسمي تدعو إلى التطبيع غير المسبوق استدعاءً للأرباح الهائلة التي تنتظرها هي الأخرى نتيجة انضوائها تحت مشروع إسرائيل للهيمنة الاقتصادية الإقليمية والذي كتب بيريز عنه باستفاضة.
إلا أن محدودية ما رغب هذا المعسكر بإعطائه للفلسطينيين خلقت ظروف الانتفاضة الثانية التي أطاحت به وعادت بالمعسكر الثاني الذي يتصدر المشهد إلى يومنا هذا، بداية بشارون ووصولا إلى نتنياهو مرورا بأولمرت. لهذا المعسكر شرعيته الآن، فقد رفض الفلسطينيون الفتات الذي قُدم لهم مقابل اندماجهم، فقام بتلقين الدروس عبر قمع شديد في الضفة والقطاع، وإخضاع اقتصادي كامل للمنطقتين، وبناء الجدران الفاصلة والتوسع في الاستيطان، وعدوان مدمر شامل ومتكرر على غزة ولبنان وجيوب المقاومة في الضفة، بالتعاون مع السلطة الفلسطينية التي قطعت تماما مع تاريخها كاشتقاق للثورة الفلسطينية، وبالشراكة الاقتصادية المتعاظمة مع مختلف الدول العربية والإسلامية وأفريقيا وشرق آسيا وأمريكا الجنوبية، والتي كانت سابقا مساحات واسعة من العالم شبه مغلقة على إسرائيل.

الواقع السياسي الآن
عاد واجتمع المجرمان شارون وبيريز في الظاهر كما في الباطن، والتحق بيريز في الحزب الذي أطلقه شارون في الشهور الأخيرة من حياته الواعية، كاديما، ويعني التقدم. يعكس هذا الحزب روح إسرائيل الأزلية: قضم أكبر قدر من الأرض، وطرد أكبر عدد من الفلسطينيين وغيرهم، وتعظيم الهيمنة الاقتصادية، وفقا لما تسمح به الظروف السياسية والمصالح الرأسمالية العالمية. وهذا ما يجري الآن، المناورة عبر التهديد المتعاظم للثورات العربية التي تشكل خطرا وجوديا على إسرائيل في المدى الطويل بطابعها الاجتماعي المتعارض مع المصالح الصهيونية في المنطقة، والمناورة ضد التضييق القانوني للمقاطعة الاقتصادية والسياسية والملاحقة القضائية الآخذين في التوسع تدريجيا.

شارون مجرم حرب وفاشي خطير بلا أدنى شك، ولو استمرت حياته وتمكّن بعض ضحاياه من مقاضاته دوليا لكان ذلك بعضا من عقاب مستحق. لكن شارون شخص في نهاية الأمر ولا يدور في الفراغ، بل هو تعبير صارخ عن طبيعة هذه الدولة القابعة على صدورنا جميعا في هذه المنطقة. وباستثناء كراهية الإنسان العربي المباشرة له كوحش أوغل في دماء الناس، لا يجب أن نقبل شيطنته منفردا والعزف على وتر معسكر السلام الذي يمثله مجرم حرب من صنف آخر كبيريز، حيث نعلم جيدا أي سلام هذا المتصالح مع أركان الصهيونية كدولة أقيمت على اقتلاع الفلسطينيين وتهديد من بقي منهم ومن يجاورهم من خلال نظام عسكري استيطاني في خدمة مصالح رأس المال العالمي والصهيوني، بل والعربي والفلسطيني إلى حد بعيد.

الصراع مع الصهيونية وليس مع درجة الجرائم التي ترتكبها، والعمل السياسي في هذا المضمار عليه أن يهدف لتفكيك دولة الاستعمار لا التصالح مع أقسام منها، والثورات العربية التي تحرز انتصارات كبرى مباشرة لشعوبها من أهم عوامل تقويض هذه الدولة الفاشية التي تقوم على مشروع إقليمي يتطلب دول جوار ديكتاتورية فاسدة مضطهدة لشعوبها. الصهيونية تستشعر خطر الثورات الوجودي عليها، وهي عضو مبجّل داخل معسكر الثورة المضادة في المنطقة، وتساهم في عرقلة الثورة في سوريا وفي مصر على وجه التحديد لأنها تدرك جيدا أن لا مكان لإسرائيل بين دول عربية تملكها شعوبها فعلا، وهو ما يفسر الجهود الأمريكية والأوروبية الراهنة لإنضاج اتفاق جديد ونهائي مع السلطة الفلسطينية لتقوية أركان المعسكر المضاد للمصلحة الشعبية.
——–

* مؤرخي ما بعد الصهيونية: عدد من المؤرخين الإسرائيليين الذين يجمعهم/ن نقض للرواية التأسيسية للصهيونية وإسرائيل ومن خلال الأرشيفات المدنية والعسكرية، من أحداث حرب النكبة (١٩٤٧-١٩٤٩) التي أسفرت عن قيام إسرائيل على إثر التطهير العرقي في فلسطين، ومن الأساطير التوراتية المؤسسة للشعب اليهودي قوميا كمبررات للاحتلال العسكري والاستيطان الإحلالي. لا يعني الاتجاه موقفا سياسيا جامعا، فهو يجمع رومز يمينية مثل بيني موريس الذي اكتفى “بإظهار الحقيقة”، وإيلان بابيه الناشط سياسيا في حملات المقاطعة العالمية.

* الموشاف والكيبوتز: قامت خطة الصهيونية على استيطان فلسطين من خلال إنشاء تجمعات سكانية وقرى زراعية عبر البلاد المنوي احتلالها واقتلاع أهلها، وتم تمويل هذه المشاريع من خلال تبرعات كبرى من الأثرياء الصهاينة بداية إلى أن تم تأسييس الصندوق اليهودي لاستيطان فلسطين كمنظومة متكاملة لشراء الأراضي إن أمكن أو وضع اليد عليها وتوزيع الملكيات على العائلات المهاجرة في حالة الموشاف، أو امتلاكها تعاونيا في حالة الكيبوتز، وتم اعتماد برامج تصنيع زراعي حديثة في ذلك الزمن، ولكل قرية استيطانية مجالس مدنية ترتبط ببعضها البعض ويتبع لها وحدات عسكرية لحمايتها وتثبيتها. بهذا تم إيجاد نواة اقتصادية لها مرافق وتقوم أساسا على النموذج التعاوني ولها تمثيل سياسي أمام الاحتلال البريطاني الذي رعى نموها وفتح الطريق أمامها، وكانت قادرة على خنق الاقتصاد الفلسطيني شبه الإقطاعي تحت الاحتلال، لتكون في لحظة اندلاع الحرب المتوقعة مع الفلسطينيين والعرب كيان متجانس له الإمكانيات على خوض الحرب وإعلان دولته.

* الهجرات الصهيونية: يُعتبر أن هناك خمسة هجرات صهيونية إلى فلسطين قبل وقوع النكبة وقيام إسرائيل: الأولى (١٨٨٢–١٩٠٣)، والثانية (١٩٠٤-١٩١٤)، والثالثة (١٩١٩–١٩٢٣)، والرابعة (١٩٢٤-١٩٢٩)، والخامسة (١٩٣٠-١٩٣٩)، عدا طبعا عن الهجرة غير المصرح بها من بريطانيا من ١٩٣٩ إلى ١٩٤٨. إلا أن الموجة الأولى لم يكن لها المنظومة السياسية التي أقيمت مع بداية القرن العشرين، والثانية كانت بأعداد محدودة نظرا لمعارضة الدولة العثمانية الهزيلة للمشروع الصهيوني. أما الثالثة وقد بدأت مع الاستعمار البريطاني لفلسطين والذي كان قد قدّم الضمانات السياسية مما شجع بعض الطبقات المهنية ليهود أوروبا للانخراط في المشروع الصهيوني بشكل أسرع. تنامى إحساس الفلسطينيين بخطر حقيقي منذ العام ١٩١٩، واندلعت مواجهات متكررة بين الفلسطينيين من جهة والاحتلال البريطاني والمستوطنين من جهة أخرى، وحكمت هذه الدينامية توقيت السماح بالهجرة من قبل الاحتلال.

* مشروع عبرنة فلسطين: جزء من أركان السياسة العبرانية في الحركة الصهيونية، والتي عملت عبر كتابات عديدة على تبني هوية عبرانية للمهاجرين اليهود في حالة من نزع الهوية الأوروبية التي تم اعتبارها تشويها لهوية اليهودي الأصيلة والعودة إلى الأسماء العبرانية القديمة. ديفيد بن غوريون هو أصلا ديفيد غورن، واعتمد اسمه العبراني بعد استيطانه في فلسطين العثمانية، وراح يضغط على الطليعة الأوروبية الحاكمة في إسرائيل مباشرة بعد قيامها لاتخاذ أسماء عبرية لأنفسهم، مترافقا مع إعادة تسمية الجغرافيا الفلسطينية بأسماء عبرية أو تحوير الأسماء العربية الفلسطينية للجغرافيا – والتي تعد لغويا امتداد للعبرية القديمة – نحو العبرية الجديدة التي تبني على خليط من اللغات واللهجات تعد العبرية القديمة أو الكنعانيات جزءا منها.