بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

الاختيار المر بين الإخوان والفلول:

تونس 2014.. الثورة مستمرة

في الذكرى الثالثة لاندلاع الثورة التونسية، عمت احتجاجات وإضرابات في عدة مدن على مدار يومين شملت احتجاجات الفلاحين بقطع الطرق وحرق الإطارات وترديد هتافات مناوئة للحكومة ومنددة بالزيادات الضريبية الجديدة. الأمر تطور مع دخول أصحاب سيارات نقل البضائع إلى الخط الاحتجاجي، كما اقتحم محتجون مقر حركة النهضة في محافظة بنزرت.

تدخل الأمن بوحشية كبيرة في معتمدية القطار واعتقل 18 ناشطا، كما اقتحم مقاهي ومحال إنترنت واعتدى على المواطنين بشكل عشوائي. وعلى إثر ذلك وجّه الاتحاد الجهوي للشغل بالقصرين، بمشاركة ثلاثة أطراف أخرى منها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، الدعوة إلى إضراب عام بالولاية، نظرا لحالة التهميش والإقصاء التي عانتها الجهة قبل الثورة وبعدها.

تأتي الاحتجاجات ضمن حراك واسع شهدته الساحة التونسية العام الماضي تضمن اقتحام مقر الولايات وأقسام الشرطة، حيث طالب المتظاهرون بتأمين وظائف ومشاريع تنموية لمحافظاتهم في ظل إهمال حكومي تام للمطالب الاجتماعية.

في المقابل يبدو الحراك على الساحة السياسية أشد خفوتا مقارنة بما آلت إليه الأوضاع عقب اغتيال المعارض البارز البراهمي. فمن ناحية نجحت القوى السياسية والاتحاد التونسي للشغل، الذي لعب دور الوساطة المشبوه بين الحكومة والمعارضة، في استيعاب الغضب الشعبي المتزايد تجاه النهضة بتحجيم الحركة الاحتجاجية دون تجذيرها إلى عمقها الاجتماعي، ومن ناحية أخرى استطاعت المعارضة تسوية الوضع لصالحها بحل يُرضي تعنت النهضة في التخلي عن السلطة فور الانتهاء من كتابة الدستور.

الوضع السياسي الحالي، ومع تشكيل حكومة جديدة، آل بمكاسبه إلى إخوان النهضة رغم تخليهم عن السلطة، لأنهم على الأقل لم يلقوا مصير نظرائهم في مصر بموجة شعبية عارمة مما قد يضع فرص المشاركة السياسية أمامهم ولو مع مؤشرات التراجع الشعبي. كما استفاد على الجانب الآخر البديل الليبرالي الذي طرح نفسه دوما في صورة حزب “نداء تونس”، وهو مجموعة شخصيات وقيادات فلولية سابقة يحتفظون بولائهم للنظام السابق أمثال رونيه الطرابلسي، وزير السياحة في الحكومة الجديدة، والمعروف عنه صلاته القوية بالرئيس الهارب بن علي.

المشهد يشي بأن الدور الذي لعبته المعارضة وحاولت من خلاله تقديم صورة “المنقذ” المستجيب لمطالب الشعب في تنحية النهضة هو نفس الدور الذي ستتلاعب به كثيرا في التغطية على المطالب الشعبية الملحة، كما أن ذلك الدور قَطع الطريق على مواصلة الحراك الشعبي في فضح المشروع الاقتصادي والاجتماعي لحركة النهضة الإسلامية والذي لا يختلف في جوهره عن نظرائها من القوى السياسية المعارضة.

ومع مصادقة مجلسيّ الوزراء والنواب على مشروع ميزانية الدولة للعام الجديد، تدور في الأفق معارك اجتماعية قادمة تنتظر تصعيد الثورة التونسية وتجذير مطالبها، فالشعب الذي تضاعف عليه البطالة والفقر الأعوام الماضية يواجه اليوم مشروع ميزانية اقتصادية تعتمد قواعد الترشيد والتقليص في نفقات الوزارات والمؤسسات العمومية ووقف الزيادات في الأجور والحد من التشغيل في القطاع العام وترشيد نفقات الدعم للمحروقات، وهو ما أكده وزير المالية.

الدلائل تبدو واضحة في حالة التقارب الدامغ بين الأطراف السياسية (النهضة والمعارضين الليبراليين) مع دعوة وزير المالية في حكومة الترويكا، التي ترأستها النهضة، إلى عدم تسييس مسألة ميزانية 2014 وإبعادها عن أي تجاذبات سياسية وأيديولوجية. يتزامن هذا التصريح مع بدء عمل الحكومة الجديدة المتمثلة في غير النهضاويين وحذوها بمنتهى الجدية حذو سابقيها في تطبيق مشروع الميزانية رغم تعليق بعض البنود إثر الاحتجاجات الشعبية السابقة.

ومع حلول الذكرى الثالثة لأولى ثورات المنطقة، فإن المحصلة النهائية التي تشهدها الساحة التونسية هو الإطاحة بالإسلاميين عن السلطة، لكن في ظل استمرار نفس السياسات التي يتبعها حاليا المعارضون من الليبراليين رغم رحيل الانتقال الديمقراطي، الأمر الذي قد يخلق بوعزيزي آخر في مسار ثوري لن ينتهي إلا بتحقيق مطالب الشعوب في التشغيل والتنمية ورفع الاستغلال والاضطهاد والتهميش.