بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

اليسار المصري والثورة السورية

عمل فني للفنان تمام عزام - فرانسيسكو غويا

قبل 3 أعوام، ومنذ أن اندلعت الاحتجاجات الشعبية ضد النظام السوري، كانت ولازالت الآلة العسكرية النظامية تحصد آلاف الشهداء وملايين المهجرين وتدمير كامل للبنى التحتية، وعمليات التمشيط تحتجز مئات الآلاف من المعتقلين في تصعيد استهدف المظاهرات السلمية المطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية.

في مدينة درعا حيث قام الأمن باعتقال 15 طفلا إثر كتابتهم شعارات تنادي بالحرية وتطالب بإسقاط النظام على جدار مدرستهم بتاريخ 26 فبراير 2011. في خضم ذلك كانت هناك دعوة للتظاهر على الفيسبوك استجاب لها مجموعة من الناشطين يوم الثلاثاء 15 مارس عام 2011. و منذ ذلك الحين والأوضاع تفاقمت.

ووفقا لإحصاءات 1070 يوم من الثورة، وصل عدد الشهداء الموثقين 98191 شهيد وأصبحت نسبة العائلات المتأثرة حوالي 60 % من تعداد السكان، وما يقارب مليون ونصف لاجئ في عدة دول منها لبنان وبها حوالي 140 ألف لاجئ مسجل في مفوضية اللاجئين، وتركيا حوالي 150 ألف لاجئ، والأردن حوالي 130 ألف لاجئ وتلك هي دول الجوار. أما مصر التي ظلت لفترة طويلة غير محسوبة علي دول الجوار أصبح فيها حوالي 13 ألف لاجئ مسجل، فيما تشير الأرقام غير الرسمية إلى أن العدد يصل إلى أكثر من 150 ألف لاجئ.

وبحلول الذكرى الثالثة للثورة السورية، فإن أطروحات الجدل التي أثيرت من جانب القوى السياسية مازالت تلقي بظلالها على تحليل مآلات ثورات البلدان العربية وفي إطار سيرورات ثورية مشتعلة بالمنطقة.

الاشتراكيون الثوريون والثورة السورية (دينا عمر)

لم تنفصل سوريا عن المنطقة العربية كما لم تكن في معزل عن السوق الرأسمالي العالمي وسياسات الليبرالية الجديدة وآثارها الاجتماعية المخيفة. إن النظر إلى حالة التدهور التي عصفت بسوريا منذ تولي بشار الأسد السلطة ووسط أرقام متزايدة حول الفقر والبطالة والأوضاع المزرية للطبقة العاملة، يضعنا أمام حتمية تحرك الجماهير السورية في هبات شعبية وانتفاضة واسعة ضد النظام الحاكم، وخاصة مع ثورات شعبية عارمة اجتاحت المنطقة وأسقطت على إثرها رؤوس ديكتاتوريات عاتية.

ومع مناقشة مواقف اليسار المصري، فإن الكثير ممن أبدوا تأييدا في بادئ الأمر للثورة الشعبية في سوريا أصبحوا يسوقون جديا ل”هيمنة القوى الإرهابية على المشهد السوري” وذلك بمجرد تحول الصراع من الطابع السلمي إلى شكله المسلح، ومن ثم أصبحت التنبؤات الخاصة بانتهاء الثورة وهزيمتها هي الأكثر هيمنة عليهم. فيما عكفت العديد من القوى اليسارية على تصدير الخطاب القومي وترويج أكاذيب نظام “الممانعة” والمؤامرات الصهيونية في المنطقة في تخبط واضح وتفسيرات غير ناضجة للحالة الثورية العامة.

الفصل بين الظروف الموضوعية، التي فرضت نفسها على الساحة بقوة، للثورة السورية، وبين الأحلام الطوباوية في صنع ثورة شعبية اجتماعية خالصة كانت إحدى العوامل التي لم يستطع منظرو بعض فصائل اليسار المصري، أو غير اليسار، الإفلات منها. لعل اختلاف مسار الحدث السوري اختلافا كبيرا عن باقي ثورات المنطقة، كتونس ومصر، وتقديم نموذج صراع مسلح “سريع” و”طويل المدى”، أثار مجالا متسعا لتشويهات الأفكار البرجوازية في مقابلة الأفكار الماركسية المشيرة إلى حتمية اصطدام الثورات الشعبية الجذرية بأجهزة الدولة القمعية.

فيما يلي سنحاول توضيح عدة نقاط اعتمد عليها الاشتراكيون الثوريون في تناول الثورة السورية.

1 – الطبقة العاملة ومعضلات التفسير

التحول السريع من شكل الاحتجاجات التي تميزت بطابعها السلمي إلى الاشتباكات المسلحة، كان يمثل أحد العوامل التي أثارت التساؤلات داخل صفوف الاشتراكيين الثوريين حول طبيعة الاحتجاجات في سوريا، وخاصة مع المقارنة بالدور الحيوي الذي لعبته الطبقة العاملة في مصر بالقوة التي أجبرت الديكتاتور مبارك على التنحي فورا. لكن من الواضح أيضا أن فصل التحليل العميق للثورة السورية وتجاهل الظروف الذاتية للطبقة العاملة السورية قد يبدو مغايرا تماما لأسس التحليل الماركسي.

فاليد الأمنية القمعية التي كرسها النظام طيلة عقود من الزمن، ارتكبت أفظع المجازر وقضت على مظاهرات حماة بالثمانينات بقتل ما يزيد عن 20 ألف شخص، حالت أيضا دون خوض الطبقة العاملة السورية مزيد من الاحتجاجات والتمرس النضالي، بدءا من صوره الأولية كالدخول في إضراب إلى القدرة على التنظيم المستقل في مواجهة سيطرة الأمن على النقابات العمالية، وبناء عليه لم تكتسب الطبقة العاملة السورية خبرات ثورية تؤهلها إلى تكوين قاعدة اجتماعية قوية قادرة على جمع المطالب السياسية والاقتصادية بالدرجة التي تهدد مصالح النظام عندها.

اليد العسكرية كانت في المقابل تعتمد أسلوب القصف العشوائي والقنص مع التمدد الأفقي جغرافيا ليشمل عدة مناطق مختلفة. وفي المقابل استمرت الطبقة البرجوازية السورية التي أظهرت دعما لنظام بشار الأسد في تهريب أموالها بعد اشتداد القصف العشوائي وحصار أحياء ومدن كاملة وما ترتب على ذلك من تدمير مصانعهم وأعمالهم وأسواق شرائهم وربحهم وفي ظل حصار اقتصادي خانق، ليصل أكبر 10 رجال أعمال سوريين، من مجمل 30 %، إلى مصر. فيما اعتمد النظام بشكل رئيسي على الدعم الخارجي من الأنظمة المتحالفة معه سياسيا وعسكريا كروسيا وإيران ومضاعفة الاتفاقات العسكرية والاقتصادية بينهم، وعلى الدعم الداخلي من الطبقة البرجوازية المقربة من أقرباء ونسائب الأسد ولصوص رجال الأعمال واستيلائهم على معونات اللاجئين.

ومن خلال متابعة التحركات العسكرية لقوات النظام ومناطق تحول الصراع إلى شكله المسلح، فالملاحظ أن محافظة حلب، القلب الاقتصادي لسوريا وأكبر المناطق الصناعية حيث تتركز الطبقة العاملة، تحولت إلى ثكنة عسكرية تضاهي العاصمة دمشق، بل وحرص النظام السوري على البقاء عليها تحت سيطرته الكاملة دون وصول المعارضة المسلحة إليها، وهو ما قد يفسر التحركات العسكرية النظامية العنيفة تجاه المدن والبلدات الواقعة على الخط الواصل بين قلبي النظام (حلب ودمشق)، معرة النعمان مثلا. وهو ما حال بالضرورة دون تقدم حلب على الخط الاحتجاجي منذ بدء التظاهرات من ناحية، ومن ناحية أخرى تأثر كثافة الطبقة العاملة لاعتمادها بشكل ما على العمالة الوافدة من المناطق المحاصرة.

وبناء عليه فإن قرار الطبقة العاملة في الدخول لإضرابات تستطيع من خلالها تكبيد النظام خسائر ضخمة، لم يكن، بشكل نسبي، محض اختيار وفقا للظروف القمعية أولا، ووفقا للتشرذم والتشتت وضعف الخبرة النضالية ثانيا. وهي الأسباب التي تغاضى عنها تماما اليساريون في الإطار الحرفي والنمطي لقبول الثورة السورية على قدر قوة اشتباك وتدخل الطبقة العاملة.

2 – الجيش الحر.. الإرهاب.. الثورة لم تنتهِ

النظرة العامة للجيش الأسدي وقوته العددية، التي تقارب نصف مليون مجند، والمتضاعفة بمراحل إذا أضيفت إلى قوته العسكرية المصنفة بالمرتبة الرابعة إلى السادسة في امتلاك الأسلحة المختلفة، يضعنا بوضوح أمام اعتماده القوة المفرطة والضربات العسكرية الموسعة منذ التظاهرات السلمية بدرعا وباستخدام أدوات حربية لم يجرؤ أن يواجه بها العدو الصهيوني. وطيلة عدة عقود استطاع نظام الأسد، الأب ثم الابن من بعده، تكريس اليد القمعية الاستخباراتية وتوسيع التوغل الوحشي للمؤسسة الأمنية والعسكرية كقلب صلب للدولة، وهو ما انعكس، بطبيعة الحال، على مجريات الأحداث التي شهدت حدة وقوة اختلفت عن نظيرتها ببقية البلدان.
ظهور الانشقاقات داخل صفوف الجيش النظامي، فيما عرف ب”الجيش الحر”، بعد 3 أسابيع من تنفيذ العمليات العسكرية ضد المدنيين كان أمر حتمي ونتيجة لتوجيه الدولة لاقتتال قواعد الجماهير الموحدة في مصالحها الاقتصادية بعضها ببعض. إن تجاهل الطبيعة الطبقية داخل الجيش السوري يعكس بدرجة أخرى تجاهل الطبيعة الطبقية للمجتمع السوري في ظل سيطرة الجيش على ما يقارب 60 % من الاقتصاد وإحداث تفاوتات طبقية عميقة. لا ننسى في هذا الصدد رهان الاشتراكيين الثوريين في مصر على القواعد العريضة من صغار الجنود وفرص انضمامهم للثورة الشعبية المصرية حال تقدم المؤسسة العسكرية لسحق الثورة، وضباط 8 أبريل المنشقين مثال على ذلك.

ومثلما أن المظاهرات الشعبية صنيعة القمع الاقتصادي الاجتماعي، فالتحول إلى الصراع المسلح صنيعة القمع العسكري، وهو ما بدا في تكوين كتائب شعبية بانضمام الأهالي بجانب الجنود المنشقين إلى حمل السلاح ومنهن الكرديات. فيما شهدت الفترة حتى عامين من اندلاع المظاهرات انشقاق كتائب كاملة والاستيلاء على مخازن الأسلحة التابعة للنظام. تميزت تلك الكتائب بضعف القدرة التنظيمية وخاصة مع هروب القيادات العليا المنشقة خارج البلاد، لكنها لا شك مثلت طرف عسكري تدرب في أعنف الظروف القتالية.

انخفاض الدعم الاقتصادي الداخلي وتأثر الطبقة البرجوازية في حرب بلا هوادة أبقت النظام الأسدي في حالة من الضعف والهشاشة وفقدان السيطرة على أكثر من 50 % من الأراضي السورية، يقابل ذلك على الطرف الآخر ضعف وإنهاك للجيش الحر في معارك طويلة تراجعت فيها القوة العددية والقتالية له، وترعرع خلالها مقاتلي جبهة النصرة وقدوم المقاتلين الأجانب للدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) بكفاءة قتالية أعلى ومصادر متجددة من التمويل والسلاح وفي ممارسات تتطابق تماما مع النظام في عدائيتها للثورة الشعبية.
وبرغم الانعكاسات السلبية على تقدم الحراك الشعبي ومحاولات الثورة المضادة النيل منه، إلا أن تسليط الضوء حول التجارب الثورية في الإدارة الشعبية الذاتية طرح نفسه بقوة على حركة الاحتجاج القائمة حتى اللحظة، بدءا بتفاعل المظاهرات مع الأحداث السياسية، إلى عدم انسياق الحراك الشعبي لأي من قوى الثورة المضادة، كذلك ظهور أنوية مجالس شعبية منتخبة ديمقراطيا لتسيير أمور المواطنين، وإصدار صحافة شعبية بديلة فرضت نفسها بقوة في تنمية الوعي الثوري وتعميم التجارب الثورية.
الثورة السورية طرحت تناقضات القوى السياسية على الطاولة، فالمراهنون، بشكل مجرد، على الطبقة العاملة يتهمون من حملوا السلاح منهم ب”الإرهابيين” دون النظر إلى طبيعة التضاؤل في تطور البناء القاعدي الشعبي وأفق تدخل العمال. أما من يتغنون بنظم الممانعة فيتجاهلون عن عمد دور حزب الله الذي لا يقل أبدا عن دور تنظيم القاعدة في القضاء على الثورة السورية.

ومثلما تميز تنظيم الاشتراكيين الثوريين عن باقي التنظيمات والأحزاب اليسارية بمصر في وضوح تحليله الماركسي بخصوص الدولة ومواقفه العدائية الصريحة تجاه قوى الثورة المضادة المتمثلة في الإخوان والفلول، فإن الاشتراكيين الثوريين على الجانب الآخر أبدوا تأييدا غير مشروط للجماهير الشعبية السورية في مواصلة ثورتها ضد نظام الطاغية بشار الأسد وفي سيرورة ثورية لن تتوقف عند راهنية الحدث، في مواجهة قوى الثورة المضادة الممثلة في النظام والجماعات الإرهابية. ولذلك فإن صياغة موقف تنظيم الاشتراكيين الثوريين بمصر يمكن تلخيصه في عدة نقاط وهي: الرفض التام لكل التدخلات الأجنبية أومحاولات تسوية الصراع لصالح النظام المجرم فيما يعرف بجنيف 1 أو 2 لإنها تهدف إلى إبقاء الصراع السوري وفقا للتوازنات الإقليمية ولصالح الدول الإمبريالية بغض النظر عن مطالب الشعب.

ومن خلال الأجهزة الدعائية، كالموقع الإليكتروني والجريدة، استضاف مقر مركز الدراسات الاشتراكية مناضلين سوريين، منهم شهود عيان شاركوا بأحداث الثورة، كما عملوا على تنظيم الندوات للتعريف بمطالب وأهداف ثورات الشعوب بالمنطقة العربية في إطار ما عُرف ب “الربيع العربي” وفي القلب منها الثورة السورية.

ملاحقة التطورات والتحليلات المتغيرة وفقا للظروف الموضوعية في سوريا كانت إحدى النقاط المبدئية التي اعتمد عليها الاشتراكيون الثوريون في تفسير تعقيدات الأزمة السورية من خلال إجراء حوارات مع مناضلين ماركسيين سوريين يُطرح من خلالها الأسئلة الملحة للمرحلة. كما شارك العديد من المحامين الاشتراكيين الثوريين في متابعة المحتجزين السوريين داخل السجون المصرية والدفاع عنهم ضد بطش الدولة المصرية كما سنوضح لاحقا.

اليسار المصري ومفهوم الدولة والثورة السورية (عبير يحيى)

يظل السيناريو السوري هو “البعبع” الذي حذرنا منه الجميع كما حاولت قوى اليسار وخاصة منذ تولي مرسي الرئاسة. فيما عكفت الدولة على استهلاك الإعلام الرسمي والنخب السياسية في مصر على تصدير الثورة السورية بكونها ثورة القاعدة والفاشية الدينية ضد النظام، أو إنها اقتتال أهلي بين أطياف مختلفة، شيعة وسنة وعلويين وجيش غير وطني تفكك وانساق وراء هذا الاقتتال، أملا بالطبع في أن نشكر جيشنا الذي حمانا من الاقتتال الأهلي في 30 يونيو!.

هكذا تُرى الثورة السورية وخاصة من قبل اليسار الستاليني المصري، ولايمكن تحليل مثل هذه الصورة دون النظر إلى تحليلهم للأحداث الأخيرة في مصر ونظرتهم للدولة والثورة بعد 30 يونيو.

منذ تولي مرسي الحكم هرعت القوى السياسية بما فيها يسار الدولة لتكوين جبهة الإنقاذ، وهي خليط ليبرالي فلولي لمواجهة حكم الإخوان، مبررين مثل هذا التحالف بمواجهة الفاشية الدينية. وبضراوة وشراسة عارضوا نظام الإخوان على انحيازاته الاقتصادية وانتهاكاته لحقوق الإنسان، تحت شعار “لا داعي للفرقة يجب أولا إسقاط الإخوان”. شاركت النخب اليسارية في تناسي رجال نظام مبارك الذين ظهروا من جديد في زي معارضة ثورية للإخوان. وأخيرا بات استدعاءهم لتدخل الجيش جهارا، لتصبح المؤسسة العسكرية، من خلال طرحهم، آخر أمل للثورة بعد معارضة دامت عام للمجلس العسكري رفع المتظاهرون فيها شعار “يسقط حكم العسكر” في كل المعارك ضد الداخلية والشرطة العسكرية.

بعد 30 يونيو انقلبت الآية وأصبح بطش الشرطة ضروري، والتعذيب في الأقسام والسجون ملفق، ولاسبيل لمصر سوى التقشف وربط الحزام، كل هذا تحت راية محاربة الإرهاب في حالة سعار ضد جماعة الإخوان التي تم إعلانها جماعة إرهابية.

البعض ينبهر من هذا التحول ويظنه “بيع” للمبادئ والحقيقة إنه ليس كذلك على الإطلاق، بل بالعكس إنه تمام الاتساق مع المبادئ. فيسار الدولة لطالما رأى في الإسلام السياسي الشر الأكبر والفاشية الدينية التي يجب القضاء عليها دون حتى تحليل حقيقي لهذه الظاهرة. وبالتالي فقد حصر نفسه في معركة الدولة المدنية والدولة الدينية دون أي مساس بالجوهر الحقيقي لهذه الثورة. أما عن الجيش فمعارضته له طوال حكم المجلس العسكري كانت فقط لاصطفافه مع الإخوان لا معهم. هم لايرون الثورة في جماهير خرجت للحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية سواء ضد نظام مبارك أو الإخوان وفي مؤسسات قمعية هي قلب الثورة المضادة والمدافع الأول عن مصالح رجال الأعمال بل وهم في أنفسهم أصبحوا رجال أعمال، لايرون الثورة عملية مستمرة ومتصلة ضد الظلم والاضطهاد والاستغلال بل ثورة على مراحل أولا التخلص من الإخوان وبعد ذلك سنحقق مطالب الثورة الجذرية وهو ما لايحدث أبدا!!

هذا هو موقف اليسار من الثورة المصرية وتحدياتها وإذا مددنا الخط على استقامته نرى رؤيته للثورة السورية أيضا مبررا بل وامتدادا لنفس الأفكار، بالرغم من إعلان أغلب هذه الأحزاب تضامنهم مع الشعب السورية إلا أن رموز هذه الأحزاب لا تتوانى في مهاجمة الثورة السورية وتصدير صورة مغلوطة عنها بل ومهاجمة السوريين المتواجدين في مصر والتحريض عليهم بتهمة تضامنهم مع الإخوان (كما فعل المذيع يوسف الحسيني سليل حزب التجمع). فمرة أخرى يتم تجاهل الجماهير الغفيرة التي شاركت أملا في التغيير والتي تم قمعها بمنتهى الوحشية من قبل نظام بشار الأسد لتلخيص الثورة في مجاهدين متطرفين إسلاميين فمنهم من ذهب إلى الدفاع عن نظام بشار بحجة نظام تقدمي يواجه الرجعية وآخرين اتخذوا موقف الحياد بين القاتل والمقتول.

الدولة المصرية والثورة السورية (ماهينور المصري)

بخطاب إستاد القاهرة الذي ألقاه المعزول مرسي، يوم السبت 15 يونيو، تحت عنوان: “الأمة المصرية لدعم الثورة السورية”، والذي كان أشبه بخطبة صلاة الجمعة، كان هذا نقطة تحول كبيرة في علاقة المصريين بالسوريين اللاجئين في مصر .

هذا الخطاب الذي كان جزءا منه رسالة للمصريين قبل خروجهم ضد حكم الإخوان المسلمين في 30 يونيو يهدد فيها المعارضة ويعلن تأييده للشعب السوري ضد بشار الأسد جعل موقف المصريين الذي كان متعاطفا على الأقل مع اللاجئين ينظر إليهم على أنهم داعمون لنظام الإخوان المسلمين الذي كان قد حصد أقل شعبية له.

تلقى العسكر هذا الخيط واستغلوا آلتهم الإعلامية لتصدير خطاب كراهية واضح ضد السوريين والفلسطينين، فبعد فض اعتصام الإخوان في رابعة سادت هيستريا في وسائل الإعلام عن استغلال الإخوان للسوريين والفلسطينين في جرائم مسلحة ضد الشعب أو ضد منشآت عسكرية. وعلي الرغم من إصدار الجالية السورية بيانا توضيحيا جاء فيه إنهم يقدرون “عاليا تطلعات الشعب المصري الشقيق في تحقيق مطالبه وأهدافه في الحرية والكرامة، ونثمن هذه الحرية التي يتمتع بها في التعبير عن نفسه وأهدافه دون خوف من مصير مشابه لما يعانيه أهلنا في سوريا.. لم نكن، ولن نكون، طرفا في الأزمة السياسية الحاصلة الآن في الشارع المصري الذي نحترم كامل خياراته، وأننا لم ولن نحتشد تأييدا لهذا الفريق المصري أو ذاك، وكل سوري يشارك في أي اصطفافات سياسية مصرية يعبر عن شخصه ويتحمل تبعاته القانونية”.

الا أن هذا لم يرحمهم من بطش الدولة التي تفرض سياستها البوليسية بخلق عدو هو الإرهاب المتمثل في الإخوان المسلمين الذين يستعينون بسوريين وفلسطينين من أجل مؤامرة كونية لتقسيم مصر فقررت الدولة المصرية أن تمنع دخول السوريين بدون تأشيرة، وهو الأمر الذي كان معمول به من قبل الثورة ولا دخل لحكم مرسي في إعطائهم أي امتيازات فكل ما فعله هو استغلالهم للحديث عن أن مشروعه “الإسلامي” سيكون المخلص لسوريا وفلسطين والمحرر لشعوبهما، وذلك بشكل دعائي حتى ينسى المواطن معاناته احتراما لهذه الحرب المقدسة.

أصبح هناك تضييق علي السوريين فمنع الطلاب من التعامل علي إنهم مصريين داخل الجامعات مما عرض حياتهم العلمية للخطر، وتم حرق عدد من محلات السوريين في دمياط ، والتعدي علي طفلة سورية بالإسكندرية فقط لأنها سورية مما أدي إلى فقدانها إحدى عينيها، وأصبحت مصر التي كان وضع اللاجئين فيها أفضل من باقي دول الجوار جحيما، ولم يعد هناك حلا في ظل الأوضاع الاقتصادية المتأزمة والاضطهاد المتصاعد سوى الهروب إلى أوروبا، خاصة أن أوضاع الفلسطينين السوريين أكثر صعوبة بسبب عدم تلقيهم أي مساعدات من مفوضية اللاجئين حيث أنهم تابعين للأونروا والتي لا يوجد مكتب لها بمصر.

محاولات العيش التي أدت إلى الموت

لم يجد اللاجئون حلا سوى أن يتركوا مصر، ولأن مأساتهم تبين وبوضوح أن النظام الرأسمالي العالمي واحد، ويعمل بتوافق حتى لو بدا أن هناك تعارض ظاهري، فقد قام عدد كبير منهم بتقديم طلبات إقامة أو لجوء لبعض الدول، التي رفضت هذه الطلبات، والتي تعطيهم تلك الإقامة فقط إذا خاطروا بحياتهم ليكونوا مستحقين نعمة العيش في دول تدعم بشكل أو بآخر مأساتهم وقتلهم.

هنا لا يكون هناك حلا أمام هؤلاء اللاجئين سوى الهجرة غير النظامية عن طريق البحر، يهربون من موت مؤكد في بلادهم إلى موت محتمل غرقا في عرض البحر، أملا في العيش بحد أدنى من الكرامة.

أكثر من 17 مركب تم احتجاز من بهم بتهمة الهجرة غير الشرعية خارج مصر، وعلي الرغم من أنه لا وجه قانوني لاحتجازهم، لكن جهاز أمن الدولة المصري (صانع الفتن الأكبر) كان رأيه أن القانون خلق ليكسر فما بالك إذا كانت الدولة الواضعة للقانون هي التي تريد أن تخرقه، وعلى إثر ذلك تم ترحيل أكثر من ألف لاجئ إلى لبنان، وتركيا، وسوريا.

في يوم الثلاثاء 17 سبتمبر، وفي حدود الساعة 3 ظهرا، حوصرت سفينة تقل 306 من اللاجئين الذين حاولوا الوصول إلى إيطاليا، وأُطلقت النيران على السفينة على الرغم من استسلام المهرب، مما أدي إلى مقتل شهيدين هم عمر دلول وفدوى طه.

تم ترحيل عدد كبير من القصر، و تسليم عدد من اللاجئين المحتجزين إلى السلطات السورية حال وصولهم مطار دمشق، وتم احتجاز عدد كبير من اللاجئين في عدة أقسام في ظروف غير آدمية مما أدي إلى تدهور حالتهم الصحية.

محاولات للتضامن

ظل اللاجئون لا يعلمون سوى مفوضية اللاجئين والتي لا تستطيع الوقوف في مواجهة الدولة المصرية في حالة اضطهاد اللاجئين خوفا من غلق مكتبها، بالإضافة إنها لا تشمل السوريين الفلسطينيين الذين لا يقعوا تحت مظلتها، كما إنها لاعب في فريق الأمم المتحدة الذي هو أداة في يد الدول الإمبريالية. بالإضافة إلى منظمات مثل الإغاثة الإسلامية التي عانت من مشاكل بعد الهجوم علي مؤسسات المجتمع المدني المرتبطة بالإخوان، ومنظمات مثل “أميرة”AMERA التي توفر مساعدات قانونية وطبية.

ظهر في تلك الأثناء محاولات شعبية لعمل جماعات ضغط لتغيير القوانين والأوضاع الخاصة باللاجئين وليس فقط تحسينها من منظور العمل الخيري مثل حركة التضامن مع اللاجئين والتي عملت على محاولات وقف الممارسات غير القانونية للدولة المصرية على اللاجئين المحتجزين. في البداية لم تنجح وتم ترحيل عدد كبير لكن في النهاية استطاعت أن تحرز مكسب بسيط وهو إخلاء سبيل المحتجزين المتبقين في الأقسام ومنحهم إقامات بمصر.

وقد استطاع عدد من المهتمين بأوضاع اللاجئين من اليسار من الاشتراكيين الثوريين وعدد من النشطاء المستقلين من محاولة توضيح الموقف الحقيقي لليسار من صمود الشعب السوري فتم عمل مؤتمرات تضامن سواء مع الثورة السورية أو مع اللاجئين خاصة هؤلاء في مخيم اليرموك، وتم إصدار عدة بيانات مثل بيان حملة «لا تقتلونا مرتين» من سوريا إلى مصر: معاناة اللاجئين الفلسطينيين متواصلة، وبيان الاشتراكيين الثوريين “كفاكم اضطهادا للاجئين.. واجهوا عدوكم الحقيقي” في 15 يوليو 2013 والذي جاء فيه: “إن تشويه سمعة السوريين والفلسطينيين في مصر، وعقابهم على جرائم لم يرتكبوها، يأتي في سياق توحيد الصف وراء الجيش في سعيه لإعادة النظام القديم، إعادة تخليق لأنا جماعية من المصريين ضد الأجانب الذين كانوا السبب وراء كل الأزمات.. إن تشويه السوريين والتنكيل بهم يأتي أيضا في سياق تشويه الثورة السورية وإخفاء طابعها الجماهيري، وإبراز دور الإسلاميين المتطرفين وسحبه على جميع السوريين المعارضين لحكم بشار أو الفارين من المذابح.. إن مساعدة اللاجئين السوريين في مصر الآن مهمة ثورية بامتياز، لا إنسانية فقط”.

هكذا يظل وضع اللاجئين يبين إن في العالم ما يكفي ليعيش البشر كلهم سعداء، ولكن هذا لن يتحقق سوى بانتصار الثورة على من ادعى حماية حقوق البشر وطعنهم من الخلف، وعلى من شيطنهم وجعلهم وقود لآلة القتل والدمار.

الثورة السورية في عامها الثالث تطرح تحدياتها بسيرورات ثورية شعبية تنذر الأنظمة التي لم تسقط بعد، وتفضح على الجانب الآخر معسكرات الثورة المضادة وكل القوى السياسية المتخاذلة.