بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

«داعش» والنظام السوري.. وجه واحد للثورة المضادة

جاءت الثورة التونسية بموجة عاتية من تأثير قطع الدومينو على الوطن العربي امتدت من أقصاه إلى أدناه بمختلف درجات القوة والضعف، ومثل كل الثورات الشعبية في العالم أجمع وعلى مدار التاريخ، كانت دوما وستكون أبدا هناك ثورة مضادة يكافح من خلالها النظام للبقاء، بمساندة القوى العالمية المحيطة وهو ما نراه جليا في مثال الثورة السورية.

بعد 3 سنوات من الثورة، سادت المعارك المسلحة في مختلف الاتجاهات على الأراضي السورية. الثورة المضادة في سوريا من أشرس الثورات المضادة في المنطقة وأكثرها دموية، فهي لا تتمثل فقط في الجيش النظامي التابع لبشار الأسد وإنما أيضا تمتد للفصائل الجهادية الرجعية التي تتقاتل فيما بينها على نفوذها داخل الأراضي السورية، وفي سبيل تحقيق أهدافها التي تتمثل في تطبيق الشريعة من خلال منظور تنظيم القاعدة.

ترتكب الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) أفظع الجرائم الدموية بحق الشعب السوري، فلا يمر يوم إلا وتطالعنا فيه الأخبار عن وجود اقتتال بين التنظيم والكتائب المسلحة الأخرى وضد المدنيين، مرتكبة في ذلك وباستخدام قوتها العسكرية الداعمة للثورة المضادة، أفظع الجرائم التي لا تقل دموية عن جرائم النظام الأسدي. تستهدف داعش الأكراد بسوريا ومحاصرة بلداتهم الأمر الذي يسفر عن وقوع قتلى بين الطرفين مثلما حدث بمحافظة الحسكة بالشمال الشرقي، بالإضافة إلى قيامها باعتقال المقاتلين في الكتائب الأخرى وتعذيبهم داخل سجون أنشأتها بالمدارس والمباني الحكومية التي سيطرت عليها. وطبقا للتقرير الذي أصدره المرصد السوري لحقوق الإنسان في مارس 2013، فإن سجون داعش تكتظ بما يزيد عن 1500 سوري بمدينة الرقة بتهم كالكفر والعمالة للغرب.

تتطابق ممارسات داعش، كثورة مضادة، مع النظام السوري الحاكم بقيادة السفاح بشار الأسد، تلك الجماعة التي تتبع الفكر السلفي الجهادي منبثقة من الجماعة الأم “تنظيم القاعدة” استطاعت تأجيج مرحلة الاقتتال وسط تنوع للمجموعات المسلحة المقاومة لنظام بشار الأسد بمختلف توجهاتها وأهدافها، مثل جبهة النصرة المختلفة في تكوينها عن داعش والمتناسقة معها في أهدافها وتوجهها الفكري، حيث أن جبهة النصرة مكونة من مجموعة من السوريين المعتنقين للفكر السلفي الجهادي، أما داعش فهي تعتمد بالأساس على استقدام المحاربين من خارج سوريا للجهاد في سبيل “تطبيق الشريعة الإسلامية”. وعلى الرغم من التوافق الفكري بين المجموعتين، إلا أن جبهة النصرة أعلنت عدم انتماءها للتنظيم على الرغم من اتصالها الوثيق بتنظيم القاعدة.

وعلى الرغم من وجود عدد من الكتائب التي تتبع الفكر السلفي الجهادي في الأراضي السورية مثل كتائب أحرار الشام وصقور الشام والفاروق وغيرها، إلا أن تلك الكتائب أصرت على استقلالها عن باقي التنظيمات الداخلية والخارجية، بل امتد الأمر إلى تنظيم تلك الكتائب في الأشهر الأخيرة من الثورة السورية عمليات قتالية ضد بعضها البعض وضد المدنيين السوريين وضد الجيش السوري الحر بالإضافة إلى الجيش النظامي. فيما دفعت الحالة التنظيمية المتراجعة للجيش الحر لاتخاذ بعض كتائبه طرقا بعيدة كل البعد عن أهداف الثورة.

النظام الأسدي على الجانب الآخر يلقى دعم اليمين المتطرف في أوروبا الذي وصل إلى حد القتال بجانبه، كما صرح تنظيم الزئبقة السوداء النازي باليونان، وهو ذاته اليمين المتطرف الذي لم يدعم سوريا في حربها منذ عقود ضد اسرائيل والتي أسفرت عن احتلال الجولان حتى اليوم، بالإضافة إلى انضمام حزب الله في المشهد المسلح لقمع الثورة.

وفي ظل هذه المعارك المتداخلة لأطراف متعددة، فإن وجود داعش على الساحة السورية يمثل أهمية كبرى للتوازنات الإقليمية التي تحرص عليها الدول الإمبريالية الكبرى وحلفائها بالمنطقة، فالسعودية، التي تورطت في تمويل الكتائب المسلحة، تمثل عمود الثورة المضادة بالمنطقة وتخشى هبوب رياح التغيير إليها في حال تصاعد الحراك الشعبي السوري وتقدمه وفي ظل احتجاجات تطالب بإسقاط الملكية في شرق البلاد، كما أن المحافظة على حرب طويلة الأمد يصب بالضرورة في مصلحة إسرائيل ويفقد سوريا الدور الحيوي الذي لعبته في انتقال السلاح من إيران إلى حزب الله من خلال توفير جبهة هادئة خانعة ليست في مواجهة عسكرية مع إسرائيل.

ومن الملاحظ تقدم الحراك الشعبي ضد ممارسات داعش، ففي أوائل شهر يناير الماضي خرجت مظاهرات من أحياء صلاح الدين والمشهد والأنصاري الشرقي وبستان القصر بمدينة حلب، في جمعة “الشهيد أبو ريان ضحية الغدر”، وهو أحد رموز الثورة السورية الذي اعتقلته قوات النظام وداعش أيضا، نددت التظاهرات بممارسات داعش مجددة مطالب الشعب السوري بإسقاط نظام الأسد في ظل اختفاء قسري منذ شهور للعديد من النشطاء في سجون داعش، كالناشطة سمر صالح والإعلامي أحمد بريمو، وأبو مريم قائد مظاهرات بستان القصر، إضافة للأب باولو والعشرات من الأسماء الثورية المعروفة. كما خرجت المظاهرات الشعبية العارمة في مدينة أعزاز الحلبية منذ أكتوبر من العام الماضي، ضمن إضراب عام منع حركة البيع والشراء، مطالبين بخروج داعش منها، فيما قوبلت تلك المظاهرات بالرصاص الحي من عناصر التنظيم. أما محافظة الرقة فخرجت تظاهرات شعبية عريضة تدين اعتداء داعش على الكنائس في ممارسات طائفية تتزامن مع تزكية النظام الأسدي للفتنة منذ اندلاع الثورة السورية.

المقاومة الشعبية العازمة على استكمال النضال ضد الثورة المضادة مازالت مستمرة، ففي أبريل الجاري نجح مقاتلون من المعارضة السورية في استعادة السيطرة على عدة مباني بريف اللاذقية، كما تستمر المقاومة الكردية ضد داعش بشمال سوريا، بالإضافة إلى المعارك اليومية التي تقوم بها كتائب المعارضة ضد النظام وضد الجناح الثاني للثورة المضادة كداعش وغيرها في محافظات ريف دمشق وحلب وحماه واللاذقية ودير الزور وغيرهم، بالإضافة إلى نجاح اليسار الثوري السوري في دخول المشهد من خلال تكوينه لكتائب “تحرر الشعب” المسلحة التي تقاتل إلى جانب الثورة السورية.

التحرك الشعبي يثبت لأنظمة العالم بيمينها ويسارها العفن كذب تجريد الاحتجاجات من صفة الثورة إلى حرب بين طوائف دينية، فعلى الرغم من المعارك الدائرة التي تهدف إلى القضاء على الثورة الشعبية وقتلها أو دفعها نحو نفق السطحية من خلال القبول بالتغيير لرأس النظام مع الإبقاء على قلبه كما في النموذج اليمني. الحراك الحالي الذي يتميز بالاستقلالية عن الانجذاب لتيارات الثورة المضادة يواجه تحديات في غاية المشقة في مواجهة النظام الأسدي بسياساته الدموية والجناح التكفيري للثورة المضادة المتجسد في داعش وغيرها من الكتائب التي تحارب الثورة الشعبية وأهدافها.