بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

المعتقلون في الثورات العربية

قد تبدو كلمة “اعتقال” اختصار مخل لحجم ضخم من التعذيب والقهر والإذلال البدني والنفسي لمئات الآلاف من المعتقلين شملتهم البلدان العربية إثر الانتفاضات الشعبية الواسعة التي اجتاحت المنطقة. وقد تبدو أيضا مغزى لدلالات سياسية أعمق من محاولات استعادة “الاستقرار” مثلما تروج تلك السلطات وكما سنوضح لاحقا.

وفقا للأعداد الكلية فإن بعض مراكز حقوق الإنسان رصدت الأرقام الفعلية للمعتقلين في بعض البلدان، لكن في بلدان أخرى لم يُستدل على حجم ضخم من المقبوض عليهم سواء وقعوا في قبضة الاعتقال أم اختفوا في ظروف غامضة، وخاصة تلك التي شهدت صراعات مسلحة عنيفة. ووفقا للمعلومات المتاحة فإن الاعتقالات لم تشمل المحتجين فقط، بل اقترنت بقرارات سياسية تقضي باحتجاز السلطات الأمنية لمن تشتبه بهم حيث سجلت البحرين أعلى نسبة اعتقال تعسفي وصلت إلى 95% من الحالات، تحت غطاء قوانين مكافحة الإرهاب وحظر التظاهر.

مبدئيا، فإنه من الملاحظ أن الإعدامات  للمتظاهرين والقتل والتعذيب دون محاسبة لرجال الشرطة، بل وإطلاق اليد القمعية كانت أبرز الملامح لملف الاعتقالات بالثورات العربية. ففي تونس ومصر تم تبرئة جميع رجال الشرطة المتهمين بقتل المتظاهرين، في حين تم تشديد العقوبات المغلًظة على المعتقلين. فيما يلي عرض يوضح حجم انتهاكات السلطات الحاكمة للمعارضين.

المعتقلون في سوريا: طريق الآلام
تتصدر سوريا ملف المعتقلين، فكثير ممن تلقي السلطات السورية القبض عليهم يموتون قبيل حجزهم وأثناء وصلات تعذيب دموية قد تشمل إلقاء جثثهم على الطريق، أمثال إبراهيم قاشوش، مغني الثورة السورية في حماة الذي انتزعت السلطات الأمنية حنجرته انتقاما وترهيبا لجموع أشعلتهم أغانيه، بل ولجأ جنود الجيش العربي بمقايضة الرجال المعتقلين على زوجاتهم نظير إطلاق سراحهم، كما صورته عدسة إحدهم في فيديو شهير تم رفعه على موقع اليوتيوب، في حين رصد فيديو آخر إذلال المعتقلين وإجبارهم على النطق بألفاظ توحي بخضوعهم للديكتاتور.

ومع اندلاع الاحتجاجات المناهضة للسفاح بشار الأسد في سوريا، اتخذت السلطات الأمنية، بأذرعها الاستخباراتية الموغلة بتوحش، منهج الاعتقال كسبيل للقضاء على حركة احتجاجية في طريقها للاتساع، مثلما حدث بالقبض على 11 تلميذ أشعلوا شرارة الاحتجاجات بدرعا على حوائط مدرستهم، وفي ظل تعذيب قاسي شمل تقليع أظافرهم.

الأمر في سوريا تعدى في قسوته الاعتقال، فبالإضافة إلى حجز آلاف المعتقلين في خبايا السجون وصعوبة الاستدلال على مكانهم، وبالإضافة أيضا إلى اعتقال أهالي المطلوبين لكسر إرادتهم ودون توجيه أية تهم، فالقوات الأمنية استخدمت المدنيين قبيل اعتقالهم كدروع بشرية في المناطق المسلحة المشتعلة. أما في المناطق المحاصرة، وتحت الضغوط الدولية لدخول الصليب الأحمر، فلم يشمل فك الحصار جميع المدنيين، بل قايضت السلطات الحاكمة على خروج النساء والأطفال في مقابل اعتقال كل الذكور ممن تراوحت أعمارهم بين 14 و60 عاما كما حدث عند فك حصار معضمية الشام.

ووفقا للتقديرات فإن ما لا يقل عن 250 ألف سوري اعتقلتهم القوات الأمنية منذ اندلاع الثورة بمارس 2011، إما بشكل عشوائي أثناء اقتحامات الجنود للأحياء والمناطق الثائرة أو باستهداف النشطاء والمعارضين البارزين، بالإضافة للاعتقالات والإعدامات التي نفذتها قوى الثورة المضادة الممثلة في الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” بحق المدنيين، ناهيك عن 4 مليون معارض هاجروا من الأراضي السورية إثر التهديدات وتخوفا من الاعتقال منذ استيلاء بشار الأسد على الحكم عام 2000 وقبيل اندلاع الثورة.

أحكام قاسية.. تعذيب.. وتحرشات بالبحرين
وفقا لمرصد البحرين لحقوق الإنسان فإن الاعتقالات منذ بداية الاحتجاجات طالت أكثر من 6 آلاف مواطن، وما يقارب من 2800 لا زالوا معتقلين، من بينهم 100 طفل تحت 18 عاما.

ظروف الاعتقال القاسية كانت إحدى أبرز الملامح في سجون البحرين، حيث يخوض الآن، وضمن سلسلة من النضالات الواسعة، أكثر من 400 معتقل سياسي في سجن “جو” إضرابا عن الطعام  منذ 25 أبريل، احتجاجا على تعرضهم لاعتداءات بالضرب وانتهاكات صارخة تشمل إجبارهم على تقبيل أحذية عناصر الشرطة بالإضافة للإهمال الطبي للمرضى منهم.

ولعل أبرز ما يفتحه ملف المعتقلين بالبحرين هو حجم الانتهاكات الضخمة بحق المرأة البحرينية التي تشاركت الرجال التعذيب البدني بالإضافة إلى الإذلال النفسي والجنسي بتعريتهن والفزع الدائم تحت تهديد الاغتصاب وتلمس رجال الشرطة لمناطق بأجسادهن في تحرشات مهينة، فيما أصدرت محاكم النظام حكما بالسجن 5 سنوات على إحداهن بتهمة الانضمام إلى ائتلاف 14 فبراير، وضمن أحكام قاسية بالسجن صدرت العام الماضي ضد قيادات من المعارضة.

الإعدام وتطبيق حد الحرابة على المعتقلين بالسعودية
وفي الوقت الذي تنتشر فيه دبابات قوات درع الجزيرة بقيادة السعودية لقمع الثورة البحرينية واستخدام أسلحة محرمة دوليا ضد المتظاهرين، أصدرت محكمة سعودية، قبل عدة أيام، حكما بالإعدام ضد اثنين من أبناء بلدة العوامية بمحافظة القطيف، ذات الغالبية الشيعية بالمنطقة الشرقية للسعودية، على خلفية الاحتجاجات السياسية التي بدأت قبل 3 أعوام والمطالبة بالملكية الدستورية، وهو أول حكم إعدام يصدر بحق المقبوض عليهم بتلك الفترة، في الوقت الذي تشير إليه بعض الصحف بتهديدات شملت 12 آخرين قد يتعرضون لنفس الحكم بالأيام القادمة.

وفي السعودية كما في البحرين، اتخذت السلطات الأمنية نطاق أوسع شمل اعتقال أهالي المقبوض عليهم والمتضامنين مع ابنائهم من أمام وزارة الداخلية بالرياض. كما ساد بطش الدولة ليشمل، ليس فقط المتظاهرين، لكن القبض على أحد الحقوقيين السعوديين عندما ألقى محاضرة عن “مشروعية المظاهرات”.

وفي المجمل، تشير الأرقام إلى اعتقال السلطات الأمنية لنحو 300 محتج يقبعون داخل سجون المباحث منهم 20 سبق للمدعي العام أن طالب بإقامة حد الحرابة عليهم بتقطيع الأطراف، كما سبق وأن أصدرت الجزائية المتخصصة أحكاما بالسجن بحق متظاهرين تراوحت بين أقل من 10 سنوات و30 عاما.

قراءة سريعة
من الواضح أن ملف المعتقلين لم يقتصر على الدول التي شهدت تحركات شعبية واسعة، فبرغم الضعف النسبي للحراك المغربي، إلا أن التحركات الشعبية الممتدة على خلفية مطالب اجتماعية وفي إطار إعلان الحكومة لخطط تقشف جديدة تشمل تخفيض الدعم، عززت الأساليب القمعية المشابهة للدول السابقة، حيث اعتقلت الشرطة11 ناشطا بحركة 20 فبراير التي انطلقت في إطار انتفاضات الشعوب العربية عام 2011 وتطالب بالملكية الدستورية، أثناء مشاركتهم في مسيرة احتجاجية نظمتها النقابات العمالية يوم 6 أبريل الماضي، وحوكم المعتقلون بالسجن من 9 أشهر إلى سنة. فيما استمرت اعتقالات المعطلين المطالبين بفرص عمل، وإضرابات السياسيين الصحراويين داخل السجون بسبب التعسف وسوء المعاملة.

وفي إيران، صدر مؤخرا قانون جديد يقضي بالإعدام شنقا لكل من يحمل السلاح ضد “الدولة” في إطار الاحتجاجات المطالبة بالإفراج عن المعتقلين والداعية لربيع ثوري إيراني، وهو مفهوم مطاطي يندرج تحته تلفيق واضح للتهم وتسويقها ضد المعارضين بشكل عام، وفي بلد فرضت الإقامة الجبرية على قيادات المعارضة السياسية أمثال موسوي وكروبي واعتقلت الكثير من مؤيديهم. أما الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية فلا زالوا يواصلون نضالهم الأسطوري خلف القضبان وبأمعائهم الخاوية في إضرابات جوع اشتعلت بكثافة مع تحرك الشعوب العربية منذ 2011، وضمن سلسلة مقاومة تفضح انبطاح وانتهازية السلطة الفلسطينية تجاه قضية الأسرى والقضية الفلسطينية ككل.

برغم قسوة ودموية التقرير أعلاه، لكن التشابه النسبي للانتهاكات الصارخة والجرائم المميتة للسلطات الحاكمة لم يكن محض صدفة على الإطلاق، كما لم يكن منعزلا عن الهجمات الواسعة للثورة المضادة، قانون مكافحة الإرهاب مثلا الصادر في البحرين تضمن في إحدى بنوده حظر التظاهر بشوارع العاصمة، وهو الأمر الذي لا يمت لفعل الإرهاب بصلة ضمن تهديدات مشددة ضد المعارضين عامة تتضمن السجن وسحب الجنسية، وانقلاب واضح على العمال بفصل الآلاف من وظائفهم. وبالطبع تعنت واضح في الإفراج عن المعتقلين وعدم توفير مناخ سياسي ديمقراطي معارض.

قضية المعتقلين هي قضية الثورة. إن الانتفاضات الواسعة المؤثرة هي أقوى الضربات التي وجهتها الجماهير للسلطات الحاكمة وأصابتها بالارتباك الذي اضطرت على إثره استيعاب الغضب الشعبي ببعض الإصلاحات الآنية والمحدودة، في الوقت الذي تستعيد فيه الطبقة الحاكمة توازنها باستشراس واضح للمؤسسات الأمنية تجاه الثوار، وانقلاب الثورة المضادة، ليس فقط على المحتجين، لكن ضد جميع المطالب السياسية والاجتماعية.

استفحال ملف المعتقلين، مع هجوم شرس للثورات المضادة، هو ضمن جرائم ارتكبتها السلطات الحاكمة ولا تسقط بالتقادم في إطار سيرورات ثورية وصراع طبقي صارخ بين شعوب تطالب بالعدالة الاجتماعية وطبقات حاكمة تستميت في الدفاع عن مصالحها أولا، ولن تتوقف تلك السيرورات، وفي ظل تردي الأوضاع المعيشية، بتنصيب أحدهم أو باعتقال الآخرين.