بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

المقاومة الفلسطينية.. ميزان القوى الرابح

ما يقارب الشهر من القتال الدامي وحرب بقاء يستنزعها الكيان الصهيوني، يلخصها المحلل العسكري لصحيفة “هآرتس”، عاموس هرئيل بقوله: “نحن اليوم نواجه مقاتلين متمرسين يتحركون بدقة غريبة، ولا يطلقون النار عبثا، ضرباتهم لا تخطئ على الأرض، وكأنهم يتدربون على يد شخص واحد. إنه لأول مرة منذ بدء العدوان العسكري على غزة، يواجه مقاتلو حماس الجيش الإسرائيلي بريا في مواجهة تقدم نموذجا جديدا في المقاومة”، وهي تصريحات تبدو في مجملها مقاربة توضيحية لما أعلنه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مؤتمر بحضور رئيس قوات الحرب، بأن “العمليات العسكرية في غزة صعبة وفي غاية الخطورة”.

الأرقام توضح حجم التهديدات التي تلقاها الطرفان خلال أسبوعين من الاشتباكات قبيل التحرك البري، حيث تم تسجيل 1500 نقطة استهدفتها صواريخ المقاومة الفلسطينية داخل إسرائيل وفي العمق، في حين ضرب الطيران الصهيوني 2000 نقطة بالقطاع، وبنسبة خطر تزيد 25% فقط عما نفذه المقاومين. المقارنة ستزداد عمقا عند الأخذ في الاعتبار القوى العددية والعسكرية لجيش الاحتلال الصهيوني الذي يبلغ قوامه 136 ألف جندي و50 ألف آخرين تم استدعائهم من الاحتياط، وقوة جوية تعد الأقوى في الشرق الأوسط، وترسانة صاروخية واسعة، وميزانية عسكرية تصل إلى 16 مليار دولار، بالإضافة إلى احتياطي أسلحة أمريكية تقدر بـ 3 مليار دولار.

حصاد المقاومة الذي تم الإعلان عنه، قبل بضعة أيام، هو إطلاق كتائب المقاومة ما يقارب 1950 صاروخ على مختلف أنحاء الأراضي المحتلة، فيما شهدت التطورات الميدانية حصيلة هائلة من انتصارات عسكرية نوعية بإسقاط 3 طائرات استطلاع وطائرة حربية مقاتلة من طراز F16 وتحطيم 29 دبابة و14 ناقلات جند و7 جيبات عسكرية و7 جرافات وقتل ما يزيد عن 100 جندي صهيوني وإصابة مئات آخرين، فيما توجت المقاومة انتصاراتها بأسر جندي وضابط إسرائيليين أثناء المعارك، في إشارة تحتاج التدقيق حول موازين القوى في الصراع الحالي.

إسرائيل: تورط عميق واختيارات أضعف
تحول التكتيكات الحربية للقوى العسكرية الإسرائيلية إلى التحرك البري لا يعني انتصارها، كما أن استمرار إطلاق الصواريخ الفلسطينية وحده لا يعني انهزام إسرائيل. وفقا لاستطلاع رأي أجرته القناة الإسرائيلية العاشرة، فإن أغلب المستوطنين يعارضون الحملة البرية على غزة، فيما مارس الائتلاف اليميني الحاكم ضغطا سياسيا عكسيا ظهر في التهديدات منذ اليوم الأول بحملة برية واسعة وحشد 50 ألفا من جنود الاحتياط، ليعلن بعدها نائب وزير الحرب الصهيوني أن رئيس الحكومة ناتنياهو مسئول عن فشل العملية العسكرية في غزة داعيا إياه إلى تقديم استقالته.

على المستوى العسكري، تعد الظروف الحالية هي أفضل الظروف المتاحة لتنفيذ أقوى الهجوم الإسرائيلي على القطاع مقارنة بالاعتداءات والحروب السابقة، المقاومة الآن وحيدة، وتتآمر قوى الثورة المضادة بالجانب المصري على قطع شرايين الحياة والإمدادات بتدمير ما يقارب 90% من الأنفاق عبر الحدود في ظل ارتفاع نبرة الهجوم على حماس، فيما شهد الجانب اللبناني تقويضا غير مسبوق على عكس ما جرى في 2006 وفتح جبهة الجنوب تضامنا مع غزة ضد إسرائيل في 2009، كما انعزل الجانبين السوري والإيراني عن المشهد تماما لانخراطهم في حروب داخلية، ومع ذلك مُنيَ الجيش الإسرائيلي بأعلى معدل خسائر في ظل تراجع ميداني واضح مقارنة بالأعوام السابقة.

وبرغم توقعات محدودية التدخل البري في بدايته، إلا أن الأمر اتسع ليمثل مستنقعا انغرست فيه قوات الاحتلال التي وجهت ضربات عشوائية مكثفة دون تحقيق تطورات ميدانية تتلائم مع حجم الهجوم واستعصاء الجهة الشرقية للقطاع حيث تتمركز المقاومة، يتزامن ذلك مع الحفاظ على نفس الخطاب السياسي الذي لم تتخطاه إسرائيل حتى الآن منذ نوفمبر 2012 بأن: “الهدف من العملية هو القضاء على الأنفاق”. مازالت المجازر تتوالى بسقوط ما يقارب 1700 شهيد فلسطيني حتى كتابة هذا المقال، فيما اعترفت مصادر عسكرية أن عمليات فدائية جديدة انطلقت من أنفاق كانت إسرائيل قد دمرتها في السابق.

لكن المكاسب أو الخسائر للأطراف المقاتلة ليست فقط التطورات الميدانية، فالأرقام تشير إلى أن كل قتيل إسرائيلي يقابله 120 شهيد فلسطيني مدني، بتضاعف 3 مرات عما كان عليه عام 2009، أو يقابله 3 مقاومين من كتائب القسام. الحقيقة أن هذه الأرقام تعكس دلالات واضحة ليس فقط في همجية إسرائيل في الصراع الحالي، لكن في الإشارة إلى مسارات سياسية وعسكرية آخرى تختلف كثيرا عما سبقتها السنوات الماضية. العدو الصهويني يدرك الآن حجم تورطه سياسيا وعسكريا في عملية اختلفت موازينها عن السابق بحصد أرواح ما يزيد عن 100 من جنوده، كما يدرك تماما أن مواساة الرأي العام الإسرائيلي ستتم بمزيد من الدماء الفلسطينية، وبالعدول عن التدخل البري الفاشل والرجوع للنقطة الأولى والاعتماد على قصف الطيران، ثم توسيع حجم المجازر واستهداف مقرات حكومية وغير حكومية وتحقيق أعلى معدلات تصفية بشرية للمدنيين. والحال، فأوهام استعادة قوة الردع انعكست بالمزيد من تضييق هامش التفاوض، فيما تواصل المقاومة عملياتها خلف خطوط العدو.

على المستوى الاقتصادي، تشير التقديرات إلى خسائر إسرائيلية تتعدى 3 مليار دولار وتدمير كامل لقطاع السياحة والطيران، في ظل تراجع تام في المصالح التجارية المحلية التي تقع تحت طائلة الصواريخ الفلسطينية، وهي أيضا أكبر خسائر اقتصادية تتكبدها إسرائيل طوال السنوات الماضية.

الطرف الإسرائيلي أكثر الأطراف الخاسرة، فالخسائر العسكرية والسياسية الداخلية المهولة التي مُنيت بها إسرائيل لم تتسبب فقط في إرباك قوى التوازن بين الطرفين، لكن انعكست بظلالها على إرباك حسابات سياسية استغلها الاحتلال تحت غطاء عدوانه العسكري. المصالحة الفلسطينية انطلقت في العدوان الأخير لتتخطى في مضمونها قيادات الفصائل والحكومة إلى مصالحة وتضامن كل الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي، فجماهير الضفة الغربية التي أشعلت مظاهرات عنيفة واشتبكت مع قوات الاحتلال دخلت من جديد لمعادلة الانتفاضة الشعبية. لم تخرج الجماهير فقط تضامنا مع أهالي غزة، لكن حملت أيضا رسائل ضمنية لزعزعة استقرار اتفاقيات السلام المذلة مع إسرائيل، خرجت الجموع الغاضبة تتحدى المعابر والتنسيق الأمني وسياسات تسليم المقاومين.

السلطة الفلسطينية: شريك الرهانات الخاسرة
على الجانب الآخر يقبع الحليف السياسي والأمني لإسرائيل في رام الله حيث السلطة الفلسطينية وسمائها المرتبكة بصواريخ المقاومة العابرة إلى تل أبيب. تناقض واضح في الخطاب الذي أبداه الرئيس المنتهية ولايته محمود عباس، ومحاولات استعادة تجاوب انعزل تماما عن الجماهير الفلسطينية بالضفة وغزة على السواء طوال الأعوام الماضية. وما بين “لن أسمح بانتفاضة ثالثة” و”لن ينعم أحد بالاستقرار ما لم ينعم به أطفال غزة”، التي صرح بها مؤخرا، يكمن مأزق سياسي عميق للسلطة التي انحرفت بوضوح عن ثوابت القضية الفلسطينية.

تهديدات الإدارة الأمريكية بقطع المعونة المقدرة بـ 400 مليون دولار عن السلطة الفلسطينية هي وسيلة للضغط ورفض المفاوضات مع حكومة تضم من بين أعضائها حمساويين يهدد المصالحة الفلسطينية، فيما لا تشير أي دلائل تعبر عنها السلطة الفلسطينية عن وقف ورفض التفاوضات كنتيجة لفشلها الذريع خلال الجولات الأخيرة.

التحديات الآن أمام السلطة الفلسطينية على امتداد مساعيها السياسية الجارية إما تعميق مطالب حماس والضغط في تحقيق هدنة تنتصر لإرادة المقاومة، مثلما أطلق قيادات الحركة تصريحات حول الكفاح المسلح كحل أوحد لتحرير فلسطين، أو أن تتشابه تلك التصريحات مع سابقاتها خلال سنوات العدوان الأخيرة وفي ظل استمرار الحفاظ على الاتفاقيات المذلة والتنسيق الأمني وتسليم المقاومين. لعل انتصار المقاومة في أسر جندي وضابط إسرائيليين سيزيد تقارب السلطة من الاحتمال الأخير.

الأسباب تداعت من جانب آخر ليعلن عباس إثر تكوين حكومة التوافق الوطني أنه ملتزم بانتهاج السلام ونبذ العنف حتى حل الدولتين، كما جاءت تصريحاته واضحة وصريحة بتنسيقه مع إسرائيل للبحث عن المستوطنين المفقودين نهاية الشهر الماضي، رغم أن اتفاق المصالحة ينص على وقف التنسيق الأمني مع الكيان المحتل في الوقت الذي لم يتفوه فيه أعضاء المنظمة بوصف “المقاومة” لسيل العمليات الفدائية ضد المحتل، فيما وصف عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، عزام الأحمد، تفاصيل عملية خطف ضابط إسرائيلي بأنها تفجير “انتحاري” فلسطيني لنفسه!

والحال أن برغم اتفاق الأهداف السياسية التي ذكرها عباس في مساعيه مع الخطوط العريضة لمطالب حماس بالعمل على إنهاء الحصار وفتح المعابر واحترام حقوق الصيد البحري وإلغاء المناطق العازلة الحدودية، إلا أنه في الوقت نفسه، وفي المجمل، يدفع حماس لقبول المبادرة المصرية وتوقيع هدنة لوقف إطلاق النار بدعوة لا يعني مغزاها السياسي سوى استعادة منهج التفاوض حول تلك النقاط كمواد ملحقة وليست أسباب أولية، والعودة من جديد للمربع الأول.

المقاومة الفلسطينية: حصاد الثبات والصمود
وفقا للصحف الإسرائيلية فإن: “حماس خرجت من هدنة استمرت 19 شهرا أكثر قوة وذكاءا وأكثر فعالية في ضرب إسرائيل، وأن ترسانة حماس التي تقدر بنحو 10 آلاف صاروخا تعد أكبر مما كانت عليه عام 2012، أما صواريخها المتوسطة أصبحت أكثر دقة ولديها صواريخ طويلة المدى تصل إلى ما بعد تل أبيب والقدس”، لتنطلق منظومتها العسكرية “من الدفاع إلى الهجوم”.

ووفقا لما أعلنته كتائب القسام، فإن الصواريخ المستخدمة هذه المرة تضاعف مداها من 75 كم كحد أقصى إلى 150 كم، لينعكس ذلك على التطورات الميدانية باستهداف مدينة حيفا التي تبعد 140 كم عن غزة بعد أن حققت المقاومة أقصى استهداف لها لمدينة القدس في عام 2012 والتي تبعد 75 كم عن القطاع. انطلقت الصواريخ لتضرب جميع أرجاء إسرائيل وتنطلق معها صافرات الإنذار باستهداف مناطق حيوية ومطارات دولية.

للتذكير، فإن المقاومة الفلسطينية التي تقود صد عدوان ومهاجمة العدو هي تضافر لكتائب الشهيد عبد القادر الحسيني وأبو علي مصطفى وألوية الناصر صلاح الدين وكتائب شهداء الأقصى، وفي مقدمتهم كتائب القسام التابعة لحماس وسرايا القدس التابعة للجهاد الإسلامي.

وعلى عكس التقارير المنشورة على مختلف المواقع الإلكترونية، فإن الحديث عن تطور أسلحة المقاومة بدءا من انتفاضة الحجارة إلى صواريخ جراد بمنتصف العقد الماضي، يختزل ضمنيا تاريخ طويل من العمليات المسلحة التي قادتها مختلف الفصائل مع انطلاق شرارة الكفاح المسلح منذ الستينات والسبعينات، كما يغض الطرف ضمنيا عن مساعي داخلية وخارجية دؤوبة ساهمت في تقويض المقاومة في فترات التراجع. إن تطور العمل المسلح هو مخزون نضالي عميق يتراكم وتتسع تكتيكاته، من خطف طائرات إلى حفر أنفاق، وفقا للظروف المتاحة وتحت أسس ثابتة من قضية التحرير الكامل للتراب الفلسطيني وعودة اللاجئين وتحرير الأسرى.

سياسيا، وعلى عكس إسرائيل والسلطة الفلسطينية، فإن المقاومة استطاعت بجدارة قلب الموازين، فمن ناحية فضحت الوجه العميل وأربكت السلطة الفلسطينية التي ارتعدت مع اختفاء المستوطنين الثلاث قبيل الحرب على غزة، فيما برز التحدي القائم في خيانة “التنسيق الأمني” كعلامة استفهام تواجه أسس المصالحة، ومن ناحية أخرى أربكت توقعات العدو الصهيوني والأنظمة المتحالفة معه في المنطقة، وعلى رأسها النظام المصري ومبادرته الجائرة، وعدائيتها الواضحة، ليس فقط للمقاومة الفلسطينية، لكن للحركات الثورية ومد التحرر ككل في ظل تبعية أمريكية صهيونية.

إن المقاومة في الوقت الذي تتشارك فيه بصواريخها نضال الإضراب عن الطعام مع الأسرى داخل أسوارهم، وتنفذ وعودها بأسر صهاينة لتحريرهم، فهي أيضا تطلق دعما لجماهير الثورات العربية ضد جلاديهم. واليوم، ومع كل تلك التحديات فإننا نعلن تأييدنا الكامل والغير مشروط للمقاومة الفلسطينية ونحيي صمود أهالي القطاع في مواجهة العدوان الغاشم، كما نفضح السلطة العسكرية العميلة بمصر لمشاركتها جرائم حرب تُضاف إلى جرائمها بالاعتقالات والقتل والانقلاب الدموي على ثورة الشعب المصري.