بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بين ريتا و”عيونهم”.. بندقية

المقاومة الفلسطينية انتصرت، لم يكن ذلك خافياً على المتابع الدقيق للعدوان  الصهيوني الأخير، وتحت تأثير إعلام الأنظمة فإن البعض يلزمه الكثير من الوقت لكي يستوعب حجم التغيرات التي حدثت مؤخرا في تلك البقعة الملتهبة من الشرق الأوسط، أما على الصعيد الإنساني فإن التقارير تتحدث حول سقوط ما يزيد عن  1830 شهيدًا و9370 مصابا هي حصيلة 28 يوما من العدوان الإسرائيلي على القطاع.

الكعكة.. لمَن النصيب الأكبر؟!
“قيمة الخسائر المباشرة للعملية الإسرائيلية بغزة تتراوح بين 4 و6 مليارات دولار، واجتماع للدول المانحة في النرويج في سبتمبر المقبل للبحث في تمويل إعادة الإعمار”.
– وكيل وزارة الاقتصاد الفلسطيني تيسير عمر

تصاعدت الأصوات وقبل بدأ جولة المفاوضات الغير مباشرة مع العدو الصهيوني حول مَن صاحب النصيب الأكبر في اقتسام تلك الكعكة. السلطة الفلسطينية وعلى لسان المتحدث باسم حركة فتح أحمد عساف تحدثت حول أن التهدئة ثمرة صمود شعبنا والجهود التي قادها الرئيس عباس، وأن هناك أكثر من طرف إقليمي كان يسعى للإمساك بقرارنا واستخدامه كورقة مساومة لكن حكمة وصمود الرئيس عباس في وجه كل المؤامرات حالت دون ذلك!.

حسناً دعنا نلقي هذا الهراء جانباً.

خالد مشعل نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس كان حاضراً عندما تحدث حول ضرورة توحيد الجهود من أجل إعادة إعمار غزة في دعوة كان أول من أطلقها جون كيري وزير الخارجية الأمريكي عندما تحدث عن دعم غزة بـ 47 مليون دولار، ولكن هذه المرة كان بشرط إيقاف صواريخ المقاومة، وهو ما تم رفضه وقتها.

في غزة وبعد 8 سنوات من الحصار الإسرائيلي المتواصل على القطاع يعاني سكانه من نسبة بطالة تجاوزت 40%، ويعيش نسبة 70% منه تحت خط الفقر، ومليون منهم يعتمدون على المساعدات الإغاثية، أما الاستثمار والمشاريع الخاصة في القطاع فلا محل لها من الإعراب في ظل حالة من الانقسام وضعف البنية التحتية يصبح من الهراء مجرد التفكير في إقامة مجرد مشاريع إنشائية.

النيوليبرالية الفلسطينية كانت حاضرة وبقوة سبيلها منذ 2006 عندما تم الحديث حول خطط التنمية وبناء مؤسسات الدولة “الرازحة تحت الاحتلال” مع زيادة المديونية وقروض البنك الدولي والقضاء على أي حاضنة شعبية ممكنة للمقاومة، كل هذا ما يسمى بـ “الطريق الثالث” (وهو شعار القائمة الانتخابية التي ترأسها رئيس الوزراء الأسبق سلام فياض خلال انتخابات المجلس التشريعي عام 2006).

تصريحات طارق عباس، ابن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في مقابلة مع صحيفة “نيويورك تايمز” اﻷمريكية بتاريخ 18 مارس 2014، والتي استدعتها المواقع الفلسطينية بمناسبة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، تمثل نموذجا فاضحاً لتوجهات النيوليبرالية الفلسطينية، وحديثه حول أن الفلسطينيين والإسرائيليين يجب أن يعيشوا في دولة واحدة، وأن يتساووا في المواطنة والحقوق والواجبات!.

“أنا لا أريد أن أكره أحدا، أو أقتل أحدا، أنا فقط أريد أن أعيش تحت ظل القانون”، مضيفا: “إذا كان الإسرائيليون يرفضون أن يعطوا الفلسطينيين دولة مستقلة، فيجب أن يعطوهم حقوقهم المدنية على الأقل”. هكذا تحدث رجل الأعمال البارز ونائب رئيس شركة الاستثمار العربية الفلسطينية، التي يملكها شقيقه الأكبر ياسر، ويتبجح بتأييده حل الدولة الواحدة بعدما ضاق ذرعاً من العيش تحت الاحتلال.

الأنظمة العربية العميلة كانت حاضرة وبقوة شأنها شأن صواريخ المقاومة، ولكن ما يأتيك في وجهك ليس كمن يطعنك في ظهرك.

الأردن قرر جعل مطار الملكة علياء الدولي بديلاً معتمداً لمطار بن غوريون الإسرائيلي، مستجيباً بذلك لطلب الكيان المحتل، بغض النظر عن العدوان الغاشم الذي يشنه ذلك الاحتلال. نفس الموقف اتخذته الحكومة المصرية، لم تتوقف تلك الرحلات الجوية القادمة من سيناء إلى تل أبيب، وفيما يبدوا أن الأوضاع الأمنية التي تعاني منها تل أبيب والتي على إثرها قامت العديد من الدول الأوربية بإلغاء رحلاتها الجوية إليها، لم تكن كافية بالنسبة للقاهرة. كامب ديفيد ما زلت مسيطرة على الأجواء، ومصالح الطبقة الحاكمة في مصر مرتبطة بالكيان الصهيوني، هكذا تحدث لواء بالجيش المصري واصفاً جوهر العلاقات بين النظامين المصري والإسرائيلي.

وعلى شاكلة “وإن سهما أتاني من الخلف.. سوف يجيئك من ألف خلف” تحدثت الصحيفة الإسرائيلية يديعوت أحرنوت حول أن القاهرة أبلغت حماس بفتح معبر رفح بالإضافة لتشغيل الميناء والمطار أنه موضوع غير قابل للنقاش، على الرغم من تقارير تتحدث عن رضوخ إسرائيلي أولي لشروط المقاومة فيما يتعلق برفع الحصار وفتح المعابر ووقف كافة أشكال العدوان وحرية الصيد حتى 12 ميلا وإلغاء “المناطق العازلة” والإفراج عن الأسرى المحررين في صفقة التبادل، ورفض إعادة تشغيل المطار والميناء البحري وحرية التنقل والتواصل بين غزة والضفة.

خطاب الملك السعودي الأخير كشف عن حقائق كثيرة، منها أن فلسطين ليست أولوية بالنسبة إلى النظام السعودي، حتى في وقت يتعرض فيه أهلها للإبادة الجماعية من قبل الصهاينة، وعلى خطى جون كيري ومبادرته، ذكر الملك الكهل بأن زيادة وتيرة العنف ستقوّض فرص السلام، و”ستؤدي إلى خروج جيل لا يؤمن بغير العنف، رافضاً السلام..”، وهذا يلفت إلى أمر قد يبدو ضعيفاً أو مهملاً، ولكن يمكن وضعه في سياق أحاديث تجري حالياً بأن الجنون الإسرائيلي في عدوانه على القطاع سيؤول إلى ولادة جيل غضب يكفر بالسلام والتسوية بكل أشكالها، وهو أمر يراه آل سعود يجب اجتنابه.

هذه المواقف المتخاذلة للأنظمة العربية والداعية ضمنيا لنزع سلاح المقاومة، فضلاً عن تلك الحالة “الفاترة” في شتى أنواع التضامن العربي، لم يكن وليدة لحظة، فجميع الفصائل الفلسطينية وكذلك منظمة التحرير فضًلت سياسة عدم التدخل في شئون الدول العربية منذ فترة ليست بالقريبة، خطابات حماس وفتح المتكررة (ليس لنا علاقة بما يجري في مصر) كانت تتصدر العنوانين، تلك السياسة والتي تحولت في الواقع إلى عدم نقض سياسة الأنظمة العربية نفسها، حتى في ما يخص القضية الفلسطينية على وجه الدقة.

لقد تحولت الأنظمة العربية هي الأخرى وبعد موجة “فاشلة” من الربيع العربي الذي أجتاح المنطقة إلى ما يشبه الكلب المسعور الذي ما تواني لينهش في لحم المقاومة ويشويهها في أعين تلك الجماهير، وهكذا لم تسهم الفصائل الفلسطينية في فضح الأنظمة العربية أمام شعوبها، حتى هذه الحلقة لا يمكن فصلها عن تلك المآسي التي تحيط بالمقاومة الفلسطينية، على سبيل المثال ارتباط معظم الفصائل الفلسطينية بالأنظمة العربية، نتيجة انفراد فتح بقيادة منظمة التحرير طوال الفترة من 1968 وحتى الآن، مما جعل الفصائل الفلسطينية الأخرى الموجودة في المنظمة في الأغلب لا تستطيع الخروج عن خط فتح أو انتقاد  قادتها، ومن كان يفعل ذلك كان مصيره تجميد عضويته في المنظمة أو تهميشه، خاصة أن مالية المنظمة، التي تعتمد على منح الدول العربية وتبرعات الفلسطينيين في الخارج، كانت في يد أبو عمار في السابق ومحمود عباس حالياً، مما جعل، بالإضافة لأسباب أخرى، أغلب الفصائل تتذيل حركة فتح، أو ترتبط بأحد الأنظمة العربية، لكي تدعمها ماليا.

خبر يمكن أن يُطلق عليه الوصف المثالي لما آلت إليه قيادات منظمة التحرير الفلسطيني، على لسان فادي القاضي الناطق باسم منظمة “هيومن رايتس ووتش” بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا بأنه في أعقاب لقائه بمدعي عام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي نسى وزير خارجية فلسطين تعبئة طلب الانضمام للمحكمة.

ستظل المقاومة محصورة بين عيني ريتا.. بين المجاهرة بالتنسيق الأمني مع إسرائيل وبين مَن يرى المقاومة مقصورة فقط على صواريخ القسام المتناثرة على تل أبيب وسدروت.

“حرب التحرير الشعبية” هي الحل.

هوامش :
*يُقصد بالطريق الثالث هو فرضية أن الطريق الأول الذي يمثله الكفاح المسلح والانتفاضة قد انتهى، وأن الطريق الثاني المتمثل في المفاوضات وصل إلى طريق مسدود، ونتيجة لذلك فإن النهج الجديد هو بناء مؤسسات حديثة وتحقيق تنمية اقتصادية تعتمد على مبادئ الليبرالية الجديدة من أجل فرض أمر واقع أمام العالم، مفاده أن الفلسطينيين قادرون على إدارة أنفسهم بطريقة تسمح لهم بالحصول على دولة معترف بها دولياً.